اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      59024
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      181023
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8566
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53372
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21030
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32435
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38831 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 306 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • الكبائر (18) المَنُّ بالمعروف

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء: 31).
      - المَنُّ بالمعروف من الكبائر الجسام، ومنكرات الأعمال، وقبيح الخصال، وقد وَرَد في حقِّه شديد العقاب والوبال: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ) (رواه مسلم).
      - المقصود بالمن بالمعروف: قال العلماء: "هُوَ: أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِعَطَائِهِ، فَيَقُولَ: أَعْطَيْتُكَ كَذَا، وَيَعُدُّ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فَيُكَدِّرُهَا. وَالْأَذَى: أَنْ يُعَيِّرَهُ فَيَقُولَ: إِلَى كَمْ تَسْأَلُ وَكَمْ تُؤْذِينِي؟ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَذْكُرَ إِنْفَاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ. أَوْ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَ، وَأَعْطَيْتُ فَمَا شَكَرْتَ"(1).

      (1) حاجة الناس بعضهم إلى بعض في الدنيا:
      - رَفَعَ الله مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَجَعَلَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ، فحَثّهمَ عَلَى بَذْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ: قال -تعالى-: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ) (الأنعام: 165)، وقال: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف: 32). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ -تعالى- أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تقْضِي عَنْهُ دَيْنًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: 215)، وقال -تعالى-: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: 20)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) (متفق عليه).
      - إلا أن هناك مُبْطِلَاتٍ لِلْمَعْرُوفِ بَعْدَ بَذْلِهِ يَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّهَا تَذْهَبُ بِمَعْرُوفِهِمْ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ، وَتُحِيلُ حَلَاوَتَهُ إِلَى مَرَارَةٍ، وَتَقْلِبُهُ مِنْ مَعْرُوفٍ إِلَى مُنْكَرٍ، وَذَلِكُمْ هُوَ الْمَنُّ وَالْأَذَى فِيِ مَا يَبْذُلُهُ الْعَبْدُ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ.

      (2) حرمة المن بالمعروف وعاقبته في الدنيا والآخرة:
      - المن بالمعروف سبب في بطلانه، وضياع ثوابه: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) (البقرة: 264). وَسَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: "فَعَلْتُ إِلَيْكَ وَفَعَلْتُ. فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: اسْكُتْ فَلَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إِذَا أُحْصِيَ" (الكبائر للذهبي). وَقَالَوا: "الْمَنُّ مَفْسَدَةُ الصَّنِيعَةِ".
      - الكلام الطيب والاعتذار للسائل، أفضل من معروف يعقبه مَنٌّ وأذى: قال -تعالى-: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة: 263).
      - ومِن عواقب المن والأذى السيئة في الدنيا: أن فِعْلَ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ يَبْقَى أَثَرُهُ بِذِكْرِ صَاحِبِ الْمَعْرُوفِ بِالْخَيْرِ وَشُكْرِهِ، فَإِذَا أَتْبَعَ مَعْرُوفَهُ بِالْمَنِّ أَوْ بِالْأَذَى قَطَعَ ذِكْرَهُ بِالْخَيْرِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: "مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ أَسْقَطَ شُكْرَهُ" (الكبائر للذهبي).
      - وَشَبَّهَ اللَّهُ -تعالى- مَا يَفْعَلُهُ مِنْ مَنٍّ وَأَذًى بِفِعْلِ الْمُنَافِقِ: قال الله -سبحانه-: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (البقرة: 264)، قال العلماء: "أَيْ: أَنْتُمْ وَإِنْ قَصَدْتُمْ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ -تعالى- فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ الْمِنَّةَ وَالْأَذَى مُبْطِلَانِ لِأَعْمَالِكُمْ، فَتَصِيرُ أَعْمَالُكُمْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَعْمَلُ لِمُرَاءَةِ النَّاسِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ اللَّهَ -تعالى- وَالدَّارَ الْآخِرَةَ".
      - وبعد كل هذا... فالْمَنَّانَ متوعد بالإبعاد والغضب يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ) (رواه مسلم).

      (3) فضل الاحتساب للأجر عند الله:
      - أهل الإخلاص والاحتساب يرجون الأجر من الخالق، ولا ينتظرون شيئا من المخلوقين: قال -تعالى-: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الإنسان: 8- 9). وقال -سبحانه وتعالى- عن موسى -عليه السلام-: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص: 24). قال العلماء: "مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا لِطَعَامٍ يُخَفِّفُ جُوعَهُ، وَمَأْوًى يُكِنُّهُ فِي لَيْلِهِ، فلم يسأل مَن أدَّى إليهما المعروف، وَإِنَّمَا سأل رَبَّهُ". - أهل الإخلاص والاحتساب يسترون معروفهم، ويحقِّرون أعمالهم، ولا يؤذون مَن شمله معروفهم: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: "إِذَا اصْطَنَعْتَ الْمَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا صُنِعَ إِلَيْكَ فَانْشُرْهُ"، وقال العباس -رضي الله عنه-: "لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ: تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ، فَإِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ". وقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: "كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِذَا أَعْطَيْتَ رَجُلًا شَيْئًا وَرَأَيْتَ أَنَّ سَلَامَكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، فَكُفَّ سَلَامَكَ عَنْهُ".
      (4) متى يُرَخَّصُ فِي ذِكْرِ َالْمَعْرُوفِ؟
      - بَعْضُ النَّاسِ تُحْسِنُ إِلَيْهِ، ثم إذا اختلفت معه يَنَالُ مِنْ عِرْضِكَ، وَيُنْكِرُ مَعْرُوفَكَ، وَيُشَهِّرُ بِكَ عِنْدَ النَّاسِ، فعند ذلك يجوز لك أن َتَذُبّ عَنْ نَفْسِكَ بِذِكْرِ مَعْرُوفِكَ عَلَيْهِ كَيْ تُخْرِسَهُ وَتُلْزِمَهُ: قالِ -تعالى- لنبيه لما آذاه الأعراب: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات: 17)، (وفَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِينَ رَمَاهُ الْخَوَارِجُ بِالتُّهَمِ الْبَاطِلَةِ، فَرَدَّ تُهَمَهُمْ بِصَنَائِعِ مَعْرُوفِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-)؛ ولذلك قِيلَ: "إِذَا كُفِرَتِ النِّعْمَةُ حَسُنَتِ الْمِنَّةُ".

      - خاتمة: نماذج في فعل المعروف واحتساب الأجر من الله -تعالى-:
      تنبيه: قلَّ ذكر نماذج المحتسبين سرًّا في كتب أهل العلم؛ لأن هذا مقتضى حالهم، ولكن بعضهم عرف من آثاره.
      - زين العابدين بن الحسين: قال محمد بن إسحاق: "كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل".
      - عبد الله بن المبارك يقضي دين شاب من تلامذته من غير علمه: قال يعقوب بن إسحاق: حدثني محمد بن عيسى قال: كان ابن المبارك كثير الاختلاف إلى طرطوس، وكان ينزل الرقة في الخان - وهو بمثابة الفندق حديثًا-، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله مرة فلم يجده، فخرج إلى النظر متعجلًا، فلما رجع سأل عن الشاب، فقالوا: محبوس على عشرة آلاف درهم دين عليه، فاستدل على الغريم فوزن له عشرة آلاف درهم، وحلَّفه ألا يخبر أحدًا، ما عاش فأُخرج الرجلُ بعد سداد الدين الذي على الشاب للغريم.
      وسري ابن المبارك من ليلته، فلحق الفتى على مرحلتين في الرّقة، فقال له: يا فتى أين كنت؟ لم أرك، قال: يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بدين، قال: كيف خلصت؟ قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أدرِ، قال: فاحمد الله... ولم يعلم الرجل إلا بعد موت ابن المبارك، أنه هو الذي قضى دينه".
      - عكرمة الفياض "جابر عثرات الكرام": "ذكر له في مجلسه أمر رجل صالح يقال له: خزيمة بن بشر"، وما آل إليه حاله من الفقر والشدة حتى أغلق عليه بابه ينتظر الموت. فقام فحمل أربعة آلاف دينار في كيس واحد، ثم أمر بإسراج دابته، وخرج سرًّا من أهله، حتى نزل بيت خزيمة فأعطاه، فلما ألح عليه خزيمة أن يعرفه قال: "جابر عثرات الكرام". قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأ" (عيون الأخبار)(2).
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) من صور المَنِّ والأذية بالمعروف: إذا شفع لطالبٍ في دراسةٍ صار في كلِّ مرَّةٍ يسأل عن مستواه الدراسي، وهو لا يهمه إلّا أنه يريد تذكيره أو تذكير أبيه أنه هو الذي شفع له. وإذا شفع له في وظيفةٍ صار يسأله في كلِّ مناسبةٍ عن ترقيته وعن مديره، ولا يريد بذلك إلا تذكيره، وهكذا على هذا المنوال في كل معروف يعمله.
      (2) ومن جميل وعجيب ما ذكر حول هذه القصة لمَن أراد الزيادة، ما ذكره ابن حجة الحموي في كتابه: "ثمرات الأوراق" (ص 151-153)، وذكره أيضًا التنوخي في "المستجاد من فعلات الأجواد" (ص6-8)، وقد ذكره أيضًا أبو الحسن بن هذيل في كتاب: "عين الأدب والسياسة وزين الحسب والسياسة" (ص 199)، مع اختلاف في الشخصيات.
      فذكروا جميعًا ما خلاصته:
      أنه كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل من بني أسد يُقَال له: "خزيمة بن بشر"، وكان مشهورًا بالمروءة والكرم والمواساة، وكانت نعمته وافرة، فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضَّل عليهم، فواسوه حينًا ثم ملوه، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته -وكانت ابنة عمه- فقال لها: يا بنت العم! قد رأيت من إخواني تغيُّرا، وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت، ثم أغلق بابه عليه، وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد، وبقي حائرًا في حاله.
      وكان عكرمة الفياض (سُمِّي بذلك لفرط كرمه) واليًا على الجزيرة، فبينما هو في مجلسه، إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر، فقال عكرمة: ما حاله؟ فقالوا: صار في أسوأ الأحوال، وقد أغلق بابه، ولزم بيته. فقال عكرمة الفياض: فما وجد خزيمة بن بشر مواسيًا ولا مكافئًا؟ فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد، ثم أمر بإسراج دابته، وخرج سرًّا من أهله، فركب ومعه غلام واحد يحمل المال، ثم سار حتى وقف بباب خزيمة، فأخذ الكيس من الغلام، ثم أبعده عنه، وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه، فخرج خزيمة فقال له: أصلح بهذا شأنك، فتناوله فرآه ثقيلًا، فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له: مَن أنت جُعلت فداك؟ قال له: ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني، قال خزيمة: فما أقبله أو تخبرني من أنت؟ قال: أنا جابر عثرات الكرام، قال: زدني، قال: لا، ثم مضى.
      ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها: أبشري فقد أتى الله بالفرج، قومي فاسرجي، قالت: لا سبيل إلى السراج، فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير. ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته، وسألت عنه، فأُخبرت بركوبه منفردًا، فارتابت، فلما رآها تلك الحالة قال لها: ما دهاك يا ابنة العم؟ قالت: سوء فعلك بابنة عمك، أمير الجزيرة لا يخرج بعد هدأة من الليل منفردًا عن غلمانه في سرٍّ من أهله إلا إلى زوجة أو سرية؟
      فقال: لقد علم الله ما خرجتُ لواحدة منهما، قالت: لا بد أن تُعلمني، قال: فاكتميه إذًا، قالت: أفعل، فأخبرها بالقصة على وجهها. ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه، وأصلح من حاله، ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين، فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه، وكان مشهورًا لمروءته، وكان الخليفة به عارفًا، فأذن له، فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال: يا خزيمة! ما أبطأك عنا؟ فقال: سوء الحال يا أمير المؤمنين، قال: فما منعك من النهضة إلينا؟ قال: ضعفي. قال: فمَن أنهضك؟ قال: لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي، وكان منه كيت وكيت، وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها، فقال: هل عرفته؟ قال: لا والله لأنه كان متنكرًا، وما سمعت منه إلا "جابر عثرات الكرام".
      قال: فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته، وقال: لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته، ثم قال علّي بقناة، فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة، وعلى عمل عكرمة الفياض، وأجزل عطاياه، وأمره بالتوجه إلى الجزيرة؛ فخرج خزيمة متوجهًا إلى الجزيرة، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلَّم عليه، ثم سارا جميعًا إلى أن دخلا البلد، فنزل خزيمة في دار الإمارة، وأمر أن يؤخذ عكرمة، وأن يحاسَب وما يدري أنه صاحبه، فحوسب، ففضل عليه مال كثير، فطلبه خزيمة بالمال، فقال: ما لي إلى شيء منه سبيل، فأمر بحبسه، ثم بعث يطالبه، فأرسل إليه: إني لست ممَّن يصون ماله لغرضه (أي: لا يبقي منه شيئًا ولا يدخر).
      فأمر به فكُبل بالحديد وضُيِّق عليه، وأقام على ذلك شهرًا، فأضناه ثقل الحديد، وأضر به، وبلغ ذلك ابنة عمه، فجزعت عليه واغتمت، ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت: امضي الساعة إلى باب هذا الأمير، فقولي: عندي نصيحة، فإذا طُلبت منك قولي: ولا أقولها إلا للأمير خزيمة، فإذا دخلتِ عليه سليه الخلوة، فإذا فعل قولي له: ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد؟ قال: ففعلتْ ذلك، فلما سمع خزيمة قولها قال: واسوأتاه! جابر عثرات الكرام غريمي؟!، قالت: نعم.
      فأمر من وقته بدابته فأُسرجت، وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وسار بهم إلى باب الحبس ففُتح، ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيرًا قد أضناه الضر، فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحشمه ذلك، فنكس رأسه، فأقبل خزيمة حتى انكب على رأسه فقبله، فرفع رأسه إليه وقال: ما أعقب هذا منك؟! قال: كريم فعلك وسوء مكافأتي، قال يغفر الله لنا ولك، ثم أمر بفك قيوده، وأن توضع في رجليه، فقال عكرمة: تريد ماذا؟
      قال: أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك، فقال: أقسم عليك بالله أن لا تفعل، فخرجا جميعًا إلى أن وصلا إلى دار خزيمة، فأكرمه وحسن هيئته، واعتذر من زوجته، ثم سأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين، وهو يومئذٍ مقيم بالرملة، فأنعم له بذلك، فسارا جميعًا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك، فدخل الحاجب، فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر، فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به؟! ما هذا إلا لحادث عظيم! فلما دخل عليه قال قبل أن يسلِّم: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، قال: فما أقدمك؟ قال: ظفرت بـ"جابر عثرات الكرام"، فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته، قال: ومَن هو؟ قال: عكرمة الفياض. فأذن له في الدخول، فدخل فسلم عليه بالخلافة، فرحب به، وأدناه من مجلسه، وقال: يا عكرمة كان خيرك له وبالًا عليك، ثم قال له: اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة، فكتبها، وقضيت على الفور، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار، مع ما أضيف إليها من التحف والظرف، ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وقال له: أمرُ خزيمة إليك؛ إن شئت أبقيته، وإن شئت عزلته، قال: بل رده إلى عمله يا أمير المؤمنين، ثم انصرفا جميعًا، ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته (من مقالة على موقع: إسلام ويب، بعنوان: جابر عثرات الكرام).

       
    • قال ابن تيمية رحمه الله: "وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه له، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها. وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا دَرَت بفقره إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -الذي هو الملك- رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أواسترقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وأما من استعبد قلبهفصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس"



      وقال ابن القيم رحمه الله: "أعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت"(/ مدارج السالكين (1/458).).

      وقال: "الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه،فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم. ورأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل:
      وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم"(/ الفوائد (1/45).).

      وقال الحسن رحمه الله: "لا تزالُ كريماً على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك"(/ الفوائد (1/45).).

      وقال أيوب السَّختياني رحمه الله: "لا يَنْبُلُ الرجلُ حتى تكونَ فيه خصلتان: العفَّةُ عمَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عمّا يكون منهم"(/ الفوائد (1/45).).   وقال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم"(/ الفوائد (1/45).).


      ولله در القائل:

      فقيرا جئت بابك يا إلهي --- ولست إلى عبادك بالفقـير
      غني عنهــم بيقين قلبي --- وأطمع منك في الفضل الكبير
      إلهي ما سألت سواك عونا --- فحسبي العون من رب قدير
      إلهي ما سألت سواك عفوا --- فحسبي العفو من رب غفور
      إلهي ما سألت سواك هديا --- فحسبي الهدي من رب بصير
      إذا لم أستعن بك يـا إلهي --- فمن عوني سواك ومن مجيري؟

      أسأل الله أن يملأ قلوبنا تعلقاً به، وأن يغنينا عن عباده.

      صيد الفوائد
       
    • إنّ أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.   أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين. قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].   هذا قول الله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ ﴾ ويوسّع ويهبه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾، يعني يضيق الرزق على بعض الناس، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾.   إنّ مَا تُعطِيهِ أَخاكَ وَبِهِ تُتْحِفُه فَإِنَّ اللهَ تَعالَى يُخْلِفُه، لذلك أمر اللهُ عزَّ وجل بالإنفاق مما أعطاك، حتى تنفقَ على من قُدِر عليه رزقُه وضُيِّق عليه في معاشه، فوزع الله عزّ وجلّ الأرزاقّ، فكن ممن يخلف الله عليهم بأن ينفقوا ويعطوا على من قدر عليه رزقه.   وأول هؤلاء الذين عليك أن تنفقَ عليهم، وأن تتصدَّقَ عليهم؛ هم أهلُك وعيالك، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: «... إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ؛ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ»، (خ) (1295)، (م) 5- (1628).   وأفضل الصدقات أجرًا ما أنفقتَه على أهلك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ")، -يعني أعتقت عبدا لله-، ("وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا، الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ"، (م) 39- (995)، (خد) (751)، (ن) (9183)، (حم) (10174).   قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60].   فإذا امتنَّ الله سبحانه وتعالى على عبد من عباده برزق أو مال فليبدأ بنفسه، ثم بأهله ثم بعياله لما ثبت عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا، فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ")، (م) 10- (1822)، (حم) (20805). ولا ينسى أرحامه؛ ففي رواية: ("إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا")، -يعني زاد عن حاجته- ("فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا، فَعَلَى قَرَابَتِهِ، أَوْ عَلَى ذِي رَحِمِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا")، -زاد عنهم- ("فَهَاهُنَا وَهَاهُنَا")، (س) (4653)، (د) (3957)، (حم) (14273).   هذا ينطبق أيضا على العلم، فمن أعطاه الله علمًا فليبدأ بنفسه فيعمل بما علم، ثم يبدأ بأهله الزوجة والأولاد والأقارب يعلمهم مما علمه الله.   قال سبحانه وتعالى -مبينا أنك إذا أردت البِرَّ لن تناله حتى تنفق مما أعطاك الله-، فقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].   ابدأ بنفسك ومن تعول، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("تَصَدَّقُوا")، فَقَالَ رَجُلٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ)، -يعني أين أذهب به، وعلى من أتصدق؟- قَالَ: ("تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ")، -اشترِ لك ثوبًا حسنا، أو مأكلا طيبا؛ إن كنت محتاجا-، قَالَ: (عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ)، قَالَ: ("تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ")، -لتشتري شيئا به مما تحتاجه-، قَالَ: (عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ)، قَالَ: ("تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ")، قَالَ: (عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ)، قَالَ: ("تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ")، قَالَ: (عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ)، قَالَ: ("أَنْتَ أَبْصَرُ")، (س) (2535)، (د) (1691)، (حم) (7419)، (حب) (3337)، وحسنه الألباني في الإرواء: (895).   أنت أبصر، أي: أنت أدرى، يعني انظر إلى من يحتاج هذا الدينار الأخير وأعطه.   وهذه الصدقاتُ يتضاعفُ أجرُها كلّما كانت القرابةُ أكثر، كلما كان من تتصدق عليه قريبا منك كان الأجر أعظم، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ")، (س) (2582)، (ت) (658)، (جة) (1844)، (حم) (16227)، انظر صحيح الجامع: (3858)، وصحيح الترغيب: (892).   وصدقةُ الفقير تساوي أو تزيد على صدقة الغني، وإن كانت في القيمة متساوية، هذا تصدق بدينار، وهذا تصدق بدينار صدقة الفقير قد تساوي أو تزيد عن صدقة الغني، فقد جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ")، -أي: في الثواب وفي الأجر، أجر الدرهم أكثر من مائة ألف، فسبق درهم مائة ألف درهم-، فَقَالَ رَجُلٌ: (وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟!) قَالَ: ("رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ")، (حب) (3347)، (س) (2527)، (حم) (8929)، (خز) (2443)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (3606)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (883).   واعلموا كما قال صلى الله عليه وسلم مبينا أفضل الصدقة، فـعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟!) قَالَ: ("جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ")، (د) (1677)، (حم) (8702).   (جُهْدُ الْمُقِلِّ)، الْجُهْد: الْوُسْعُ وَالطَّاقَة، وَبِالْفَتْحِ: الْمَشَقَّة؛ أَيْ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُ الْقَلِيلِ الْمَال.   وإخراج الصدقات والزكوات، لا تُنقِصُ الأموالَ بل تزيدها بركات، فعن أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ("ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ") -والله لا تحتاج إلى أن تقسم يا رسول الله! نصدق ولا نحتاج أن تقسم لنا ولا أن تحلف لنا لكنه يحلف، يقول-: ("وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ")، قَالَ: ("مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا")، (ت) (2325)، (حم) (18031)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (3024)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (16).   فالصدقة حالَ القِلَّةِ والفقر، وحالَ الصحةِ والبخل؛ إنسان شحيح بخيل وصحيح وليس عنده الكثير من المال، صدقته أعظم منها حال الغنى والمرض، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ!، نَبِّئْنِي أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟!) فَقَالَ: ("أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ")؛ ("أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ")، -لست مريضا لا مرض موت ولا مرضاً يخاف الإنسان على النفس منه، صحيح سليم، شحيح يعني؛ المال لا يخرج من يدك ومع ذلك تتصدق-، وفي رواية: ("وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ")، ("تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأمُلُ الْغِنَى")، وفي رواية: ("وَتَأمُلُ الْبَقَاءَ")، وفي رواية: ("تَأمُلُ الْعَيْشَ")؛ لأن بعض الناس إن جاءه الموت قد يتصدق بالكثير؛ لأنه يعرف الآن أن ماله ليس له، فتأمل العيش، ("وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ [نَفْسُكَ] الْحُلْقُومَ")؛ بدأت تنازع سكرات الموت- ("قُلْتَ"): ("مَالِي لِفُلَانٍ، وَمَالِي لِفُلَانٍ")، أي: يبدأ يوزع صدقات عندما اقترب أجله، قال: ("أَلَا وَهُوَ لَهُمْ وَإِنْ كَرِهْتَ")، الحديث بزوائده عند الشيخين وغيرهما. (خ) (1419)، (2748)، (م) (1032)، (س) (3611)، (س) (2542)، (جة) (2706)، (حم) (7159)، (مَالِي لِفُلَانٍ، وَمَالِي لِفُلَانٍ)، أَيْ: فَلَا فَائِدَة فِي الْإِعْطَاء، وَلَا وَجْه لِإِضَافَةِ الْمَال إِلَى نَفْسه بِقَوْلِهِ مَالِي. (حاشية السندي على ابن ماجه)، (أَلَا وَهُوَ لَهُمْ)، أي: للوَرَثَة.   فالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفه، وَكَمَال مِلْكِهِ، وَاسْتِقْلَاله بِمَا شَاءَ مِنْ التَّصَرُّف، فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح. (النووي).   فالمال بعد موتك لا يكون لك يا عبد الله.   قال سبحانه وتعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].   فأنتم الآن، يا من تستمعون إلى كلامي هذا، أنتم الآن في قِلَّةٍ وفقر، وفي حاجة للمال، فتصدقوا الآن بما تيسر يضاعفْ لكم أجرُكم.   فإنّ الدنيا -هذا ظني في الله أن الدنيا- أنها ستُفتَحُ عليكم عمّا قريب إن شاء الله، وستذكرون ما أقول لكم، وستجري الأموالُ بين أيديكم، فإنّ صدقاتِكم حينئذٍ أجرُها أقلُّ منها اليوم.   أنّ الصدقةَ تقي صاحبَها حرارةَ القبر، والصدقةُ ظلُّ العبدِ من حرِّ يوم القيامة، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ")، (طب) (ج 17ص286 ح788)، انظر الصَّحِيحَة: (3484).   فلا تستقلَّ ما تتصدّقُ به، فإنه ظلُّك يوم القيامة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: (كَانَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ أَوَّلَ أَهْلِ مِصْرَ يَرُوحُ إِلَى الْمَسْجِدِ)، -هذا الإنسان مرثد بن عبد الله المزني يسبِقُ الناس كلّهم إلى المسجد، يقول تلميذه يزيد بن أبي حبيب:- (وَمَا رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ قَطُّ، إِلَّا وَفِي كُمِّهِ) -ما كان في جيوب على الجانبين، لكنهم كانوا يضعوا أموالهم في الكم، فيضع في كمه- (صَدَقَةٌ؛ إِمَّا فُلُوسٌ، وَإِمَّا خُبْزٌ، وَإِمَّا قَمْحٌ، [وَلَوْ كَعْكَةً]، حَتَّى رُبَّمَا رَأَيْتُهُ يَحْمِلُ الْبَصَلَ! فَأَقُولُ: يَا أَبَا الْخَيْرِ، إِنَّ هَذَا يُنْتِنُ ثِيَابَكَ!) -يجعل ثيابك ذات رائحة منتنة- فَيَقُولُ: (يَا ابْنَ حَبِيبٍ! أَمَا إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِي الْبَيْتِ شَيْئًا أَتَصَدَّقُ بِهِ غَيْرَهُ، -جعل على نفسه كلَّ يوم أن يخرج شيئا لله ولو قل، قال:- (إِنَّهُ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ): ("كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ")، الحديث بزوائده: (خز) (2432)، وقال الألباني: إسناده حسن صحيح، (ابن المبارك فى الزهد) (645)، (حم) (17333)، (حب) (3310)، (طب) (17/ 280 ح771)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (4510)، صَحِيحِ التَّرْغِيبِ: (872)، هداية الرواة: (1867).   كل امرئ في ظلِّ صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس، والمتصدق هو من السَبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...: ("وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا") -أي: حتى لله خالصة، فلا يريد رياء ولا سمعة ولا أحد يراها-، (حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ،...")، (خ) (1423)، (م) 91- (1031).   والصدقاتُ تجعلُ بينك وبين النار حُجُبًا وحواجزَ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ")، (طب) (ج 18 ص303 ح777)، صَحِيح الْجَامِع: (153)، والصحيحة: (897).   وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ؛ فَلْيَفْعَلْ")، (م) 66- (1016)، (ت) (2415)، (جة) (185)، (خ) (1413)، (6023)، والمعنى: لا تَسْتَقِلُّوا من الصدقة شيئا، شِقُّ التمرة ماذا يساوي؟ لو أكلت نصفها ووجدت محتاجا أعطه النصف الآخر أو ما تيسر.   إن الذين يزكون أموالهم الثمينة، ويتصدّقون على غيرهم بالصدقات العظيمة، ويطعمون إخوانهم من الأطعمة الكريمة، عَلَى شدة حُبِّهِم لها؛ من مال أو طعام، فيطعمون المِسْكِين وَاليَتِيم وَالأَسِير، فهم لا يتصدّقون ولا يزكّون ولا يطعمون إلاّ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ طمعا في رضا الله، لَا يريدون من الناس جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، فهم أخلصوا في عملهم هذا، ويخافون مِنْ رَبِّهم يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا.   ويومَ القيامة يقيهم اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيلقِّيهم نَضْرَةً وجمالا، وبهجةً وَسُرُورًا، وَسيجزيهم بِمَا قدموا في هذه الحياة الدنيا، وما صَبَرُوا على شدائدها ومحنها؛ جَنَّةً عاليةً وَحَرِيرًا، على سررٍ مُتَّكِئِينَ، وعلى أرائكَ مستريحين، لَا يرون فيها حرارةَ شمس، وَلَا برد شتاء، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَال أشجارها.   أمّا قُطُوفُ ثمارها فهي في متناول أيديهم دون عناء ولا مشقة، وَمع هذا يطوف عَلَيْهِمْ غلمانٌ وولدانٌ مخلّدون، بِآنِيَةٍ وصحاف مِنْ فِضَّةٍ، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين.   وَيطافُ عليهم بأَكْوَابٍ الشرابِ؛ التي هي قَوَارِيرُ وزجاجاتٌ مِنْ فِضَّةٍ، وذلك من شدة صفائها، والشرابُ على قدر الحاجة؛ فلا يزيد شيئا ولا ينقص شيئا من الزجاجة، هذا الشراب البارد.   هل يوجد شراب حارُّ في الجنة؟ نعم! أمّا الشرابُ الحارُّ فمن كأس تمزج بالزنجبيل، وهي عَيْنٌ اسمها سَلْسَبِيل، من شرب منها ذاق الحرارة، هذه بعضُ أطعمتِهم وبعض أشربتِهم؛ لأنهم كانوا من أهل الإطعام والصدقات والزكوات.   أمّا ملابسهم؛ فهي ثِيَابُ سُنْدُسٍ من الحريرِ الرقيق الناعم الأخضر، وَإِسْتَبْرَقٌ وهو الحريرُ المخمل الغليظ، ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورً ﴾ [الإنسان: 21- 22].   فصلّى الله وسلم وبارك على الهادي؛ الذي أرشدنا وهدانا لهذا الدين. وصلّى الله وسلم وبارك على البشير الذي بشرنا بالجنة التي هي للمتقين. وصلّى الله وسلم وبارك على النذير الذي أنذرنا النارَ التي هي للكافرين والمشركين.   وصلّى الله وسلم وبارك على من صلى الله عليه في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].   الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد   شبكة الألوكة    
    • منقول من كتابات أبو بلال المصرى


      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
      أما بعد :: فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة فى حرمة الخوض فى عرض المسلم وحرمة غيبته وسنذكر إن شاء الله حرمة الغيبة والأعذار التى تبيح الغيبة وكيفية التحلل منها
      قال فيما صح عنه ( لما عرج بى ربى عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون فى أعراضهم )
      وقال ( أكثر خطايا ابن آدم فى لسانه)
      وقال
      (ليس شيء فى الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان)
      وقال (من صمت نجا) وقال (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وقال (وهل يكب الناس على وجوههم فى النار إلا حصائد ألسنتهم )
      والعياذ بالله من ذلك


      قال تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضاً )
      هذه المعصية التى ليست فى حسابات كثير من المسلمين أنها من الشرع
      فتراه ربما تورع عن أكل الحرام وعن الزنا ولا يتورع عن أكل لحوم إخوانه
      فبعض الناس له ذنب يضعف أمامه وربما قوى أمام ذنب آخر
      فقد جعل الله للمسلم حرمه بأن لا يُغتاب فقال بعضكم بعضاً
      فانظر أيها المسلم كيف أنت غالى عند الله جعل لك قدراً ومكانه وحرمه


      وكذلك أخوك المسلم لا يحل غيبته ولا بهتانه وهو الإفتراء عليه لا سيما غيبة وهدم العلماء ( العاملين)
      بل ومما ذكر العلماء حرمته سماع الغيبة ايضاً


      عرف رسول الله الغيبة لما سُئل عنها فقال ( عن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره فقال أرأيت إن كان فى أخى ما أقول قال فقد أغتبته قال فإن لم يكن فيه ما أقول فقال فقد بهته ) أى ظلمته وافتريت عليه وهذه أشد
      فاليراجع المسلم الأعذار التى ذكرها العلماء للغيبة فيعمل منها ما يحل إن احتاج له وتركه أولى فقد كان الصالحون أمثال الإمام البخارى رحمه الله لا يغتاب أحداً أبداً


      فقد ذكر العلماء من الأعذار الإستفتاء كأن تقول فلان اشترى منى كذا وخاصمنى فى كذا مثلاً
      أو النصيحة للمستنصح فقد قالت فاطمة بنت قيس للنبى خطبنى فلان وفلان فقال أما فلان فصعلوك لا مال له وأما فلان فلا يضع العصا عن عاتقه أى ضراب للنساء


      ومثل المجاهر بالمعصية فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على حل غيبته لأنه هو الذى اسقط حقه
      وكالتحذير من أهل البدع كأن أحذروا من فلان فإنه مضلل مثلاً
      وكالغضب لله (ذكرها الإمام ابن القيم استنباطاً من قصة الثلاثة الذين خُلفوا)
      وكالتظلم ذكرها الإمام النووى رحمه الله


      وكالمجازاه كما قال النبى (مطل الغنى ظلم يحل عرضه وعقوبته) عرضه كأن يقول ظلمنى مطلنى (ذكرها العلماء) هذا بعض ما حضرنى الأن والعلم عند الله وليراجع كلام العلماء فى ذلك
      ويشترط فى هذا كله إخلاص النية لله فلا يتلذذ المسلم بعرض أخيه ويقول أنا أذكر ذلك للموعظة أو غضباً لله ويكون قصده غير ذلك فلا يحل هذا اللحم إلا بالإخلاص
      نسأل الله العافية والعفو والسلامة فى الدنيا والأخرة وأن يوفقنا الله تعالى بمنه إن كنا إغتبنا مسلماً بإن يلهمه الله العفو عنا
      أما عن التحلل ممن اغتيبته فهذا الأمر غالباً ما يحدث منه إيغال للصدور وفساد ذات البين وهو مطلوب شرعاً عدم وجوده فهذا دفع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فى موضوع أن يفتى بأن يكتفى المغتاب بالدعاء لمن اغتابه وفيه حديث ضعيف وهو (كفارة من اغتبته أن تستغفر له) ضعيف جداً ولم يعتمد عليه شيخ الإسلام بل كما ذكرنا
      والعلم عند الله فى كل ما قلت ومن كان عنده فضل علم فاليجد به علينا وادعوا الله لى بالنجاة وأسأل الله لكل مسلم النجاة من هذا

      قد أُبتلينا بحطام هائل جداً من غثاء الألسنة فى المجالس وعبر الفضائيات وفى النت فسلامة المسلمين أولى من كثرة الثرثرة
      ______________

      كيفية تكفير ذنب الغيبة

      يستغفر الله، ويذكره بالمحاسن التي يعلمها منه في المجالس التي اغتابه فيها، فيكون هذا بهذا، إذا كان قال: إنه بخيل وإنه كذا وإنه كذا، فعليه التوبة إلى الله، وعليه أن يذكره في المجالس الأخرى بخصال طيبة إنه كذا وإنه كذا، إنه يحافظ على الصلوات، وإن عمله طيب، وإنه حريص على الخيرات، الشيء الذي يعلمه منه حتى تكون هذه بهذه.
      وإذا تيسر أن يستحله ويقول: سامحني، هذا طيب إذا تيسر ذلك، أما إذا كان يخاف أنه إذا علمه تشتد البغضاء لا يعلمه، لكن يذكره بالمحاسن، والأخلاق الطيبة التي يعرفها منه في المجالس التي اغتابه فيها، ويستغفر الله، ويتوب إلى الله. نعم.

      الشيخ الإمام ابن باز رحمه الله
         
    • دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (1)
        مريم -عليها السلام- "الولادة والاصطفاء" كتبه/ سعيد محمود   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   مقدمة: - الإشارة إلى استكمال سلسلة مواعظ "دروس مِن قصص الأنبياء -عليهم السلام-"، وأهمية تناول قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- لبيان العقيدة الإسلامية فيه، وأنها العقيدة الوسطية بيْن إفراط النصارى، وتفريط اليهود وغيرهم.   1- تمهيد: جملة مختصرة للعقيدة الإسلامية في عيسى -عليه السلام-: - هو عبد الله الله ورسوله، المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران، آخر أنبياء بني إسرائيل، بُعث إليهم بالإنجيل مصدقـًا للتوراة. - الإيمان به ركن لا يصح الإسلام بغيره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) (متفق عليه). - تعتبر ولادة المسيح معجزة إلهية، حيث ولد بلا أب، وذلك على الله يسير. - رفع الله المسيح -عليه السلام- إليه في حفظه، لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، وإنما قتلوا مَن أُلقي عليه شبهه. - ينزل المسيح في آخر الزمان، متبعًا للشريعة الإسلامية، ويقود المسلمين في حرب الدجال واليهود. - يمكث المسيح في الأرض مدة مِن الزمان، ويحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون، ويصلون عليه.   2- مجمل القصة في القرآن: - تعتبر سورة آل عمران أكثر سور القرآن تناولاً للقصة، ويرجع ذلك إلى قدوم وفد نصارى نجران على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العام التاسع، فجعلوا يذكرون ما هم عليه مِن التثليث في الأقانيم، ويدًعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، فأنزل الله صدر السورة إلى ثلاثة وثمانون آية منها في الرد عليهم، تقرر أن عيسى -عليه السلام- عبد مِن عباد الله، خلقه وصوره في رحم أمه، وأنه خلقه مِن غير أب كما خلق آدم مِن غير أب وأم، وقال له كن فكان، وبيَّن -تعالى- أصل ميلاد أمه مريم -عليها السلام-، وكيف كان مِن أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى -عليه السلام-، بل تحداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمباهلة على ذلك، فامتنعوا وخافوا.   3- ولادة مريم الصديقة -عليها السلام-: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37). - ملخص الآيات: يذكر -تعالى- أنه اصطفى آدم -عليه السلام-، والخُلص مِن ذريته المتبعين شرعه الملازمين لطاعته، ثم خصص فقال: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)؛ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطيب "وهم آل عمران"، والمراد بعمران هذا والد مريم -عليها السلام- مِن سلالة داود -عليه السلام-، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكان زكريا -عليه السلام- نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم -عليها السلام-، وكانت أم مريم لا تَحْمَل لكبر سن أو نحوه، فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملتْ لتجعلن ولدها محررًا، أي: حبيسًا في خدمة بيت المقدس، فحملت بمريم -عليها السلام-: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في خدمة بيت المقدس، فاستجاب الله لها في هذا كما تقبل منها نذرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (متفق عليه). فقامت أمها على رعايتها حتى بلغتْ مِن العمر ما تقدر به على الخدمة في بيت المقدس، فسلمتها إلى العبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم، فتنازعوا فيها أيهم يكفلها، فأراد زكريا -عليه السلام- أن يستبد بها دونهم مِن أجل أن زوجته أختها، فاقترعوا بالأقلام، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، فأتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا مِن المسجد ليدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما عليها مِن سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها مِن الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا -عليه السلام- كلما دخل عليها موضع عبادتها، يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: (أَنَّى لَكِ هَذَا) فتقول: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).   4- دروس وعبر: 1- فرْقٌ كبير بيْن الأماني العالية والأماني الدنية "أمنية أم مريم - أمنيات السلف": (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)، وروى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لأصحابه يومًا: "تَمَنَّوْا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لَؤْلُؤًا أَوْ زَبَرْجَدًا أَوْ جَوَهِرًا، فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ". (أين هذا مِن الأماني الدنية فضلاً عن الخسيسة عند كثير مِن الناس؟! فكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده عالمًا أو داعيًا إلى الله؟ وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده طبيبًا أو مهندسًا ولو كان بعيدًا عن الدين والطاعة؟! وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده لاعب كرة أو ممثلاً أو مغنيا؟!). 2- بطلان بدعة الرهبانية "زكريا كان له زوجة وولد - والد مريم كان إمام بيت المقدس - أم مريم تدعو لذرية مريم": (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36)، وقال -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27). 3- إنصاف المسلمين لمريم -عليها السلام- وقد أساء إليها مَن هي منهم نسبًا: قال الله -تعالى- عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء:156)، وقال -تعالى- عن النصارى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)، وقال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75)، وقال في كتاب المسلمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42)، وقال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني). فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك عيسى ابن مريم، وعلى أمه الصديقة البتول مريم، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، واجمعنا بهم في جنات النعيم، مع نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الأنبياء والمرسلين.  
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183172
    • إجمالي المشاركات
      2538562
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×