اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58554
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180789
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8430
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53184
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29727
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32378
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65621
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38715 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 81 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم 41].
      في هذه الآية يذكر لنا ربنا تبارك وتعالى نتيجة ويبين لنا سببها، أما النتيجة فهي قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ







      واختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر

      فقيل الفساد هو الشرك، وهو أعظم الفساد.
      وقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة.
      وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش.
      وقيل: الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم.


      والبر والبحر هما.

      وقيل: البر: الفيافي، والبحر: القرى.
      وقيل: إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر.





      هذه هي النتيجة فما سببها؟



      يقول تعالى:"بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ" أي أن السبب في ذلك هو ما فعله الناس من معاصي، لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا. "لعلهم يرجعون" لعلهم يتوبون. وقال: "بعض الذي عملوا" لأن معظم الجزاء في الآخرة. فهذا الفساد الذي يجدونه في الدنيا إنما هو جزء بسيط من العقاب الذي ينتظرهم في الآخرة. وكأن هذه الآية تقول لنا: إذا سلكتم طريق الطاعة أصلح الله لكم أمور دنياكم وأخراكم، وإذا سلكتم طريق المعاصي والشهوات تعرضتم لعقاب الله في الدنيا والآخرة، فإذا أردت أن تعرف ما السبب الحقيقي وراء ما نعاني من فتن وأزمات فاعلم أنه بسبب المعاصي.



      (1) أول ما يستوقفنا من أحاديث النبي عن آثار المعاصي على الفرد والمجتمع حديث يرويه ابن ماجه بإسناد حسن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ - وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ -: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا [قال العلماء أن الطاعون اسم لمسمى الفيروسات الفاتكة التي تفتك بالبشرية، فأول عقوبة تعود على الأمة بل وعلى البشرية كلها من مخالفة منهج الله هو انتشار الأمراض الغريبة الجديدة المحيرة، ولقد جاءهم الأمر الإلهي من الله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} [الإسراء:32]. فخالفوه فأرسل الله عليهم الإيدز والعديد من الأمراض المنتشرة وسببها الوحيد هو الفاحشة وانتشار العلاقات غير المشروعة بين الرجال والنساء]، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ [ثم يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن معصية من المعاصي التي يستهين بها كثير من الناس اليوم، هذه المعصية هي نقص المكيال والميزان، عقوبتها الأخروية وردت في قوله تعالى: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين 1 – 3]، وهنا يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عقوبات دنيوية، العقوبة الأولى إلا أخذوا بالسنين المعاناة من القحط والجفاف وقلة المياه، قبل أن نلوم على أثيوبيا لبنائها سد النهضة ينبغي أن نلوم على أنفسنا لمخالفتنا منهج الله، وأما العقوبة الثانية فهي شدة المئونة وهي الفقر، فإذا أردت أن تعرف السبب الحقيقي للأزمة الاقتصادية فهي أنا وأنت بمعصيتنا لأوامر الله، وأما العقوبة الثالثة فهي جَوْرِ السُّلْطَانِ، فإذا شكوت من حاكم ظالم فاعلم أن معصيتك هي التي جاءت لك بمن يظلمك ولو أنك كنت في طاعة الله لولى عليك حاكما عادلا]، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا [الزكاة التي هي حق الفقير في مال الغني، تخيل أن من عقوبة عدم إخراجها منع نزول المطر من السماء، ولولا رحمة الله عز وجل بالبهائم والأطفال الرضع والشيوخ الركع لمنع الله سبحانه وتعالى عنا المطر عقوبة لتقصيرنا في إخراج الزكاة]، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ[عقوبة نقض العهد والخيانة] ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ [أي تصبح العداوة والبغضاء بينهم وتتنافر القلوب ولا يتفقوا على رأي واحد، فكتاب الله يؤلف بين القلوب، ومنهج الله لا يختلف عليه المؤمنون، والأهواء تفرق وتشتت]).



      (2) ومن آثار المعاصي على الفرد والمجتمع، أن المعاصي تورث الإنسان الذل والهوان، فيصغر في عيون الناس، روى أبو داود بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ [بَيْع الْعِينَة هُوَ أَنْ يَبِيع شَيْئًا مِنْ غَيْره بِثَمَنٍ مُؤَجَّل وَيُسَلِّمهُ إِلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَشْتَرِيه قَبْل قَبْض الثَّمَن بِثَمَنِ نَقْد أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْر، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَم جَوَاز بَيْع الْعِينَة مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد، وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه] وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ[حُمِلَ هَذَا عَلَى الِاشْتِغَال بِالزَّرْعِ فِي زَمَن يَتَعَيَّن فِيهِ الْجِهَاد] وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ [أَيْ الْمُتَعَيَّن فِعْله] سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ [صَغَارًا وَمَسْكَنَة، وَسَبَب هَذَا الذُّلّ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه الَّذِي فِيهِ عِزّ الْإِسْلَام وَإِظْهَاره عَلَى كُلّ دِين عَامَلَهُمْ اللَّه بِنَقِيضِهِ وَهُوَ إِنْزَال الذِّلَّة بِهِمْ فَصَارُوا يَمْشُونَ خَلْف أَذْنَاب الْبَقَر بَعْد أَنْ كَانُوا يَرْكَبُونَ عَلَى ظُهُور الْخَيْل]». وحديث آخر يذكره لنا البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي). فمن عصى الله ورسوله له الذل والصغار حتى يتوب.



      (3) ومن آثار المعاصي أنه بالمعاصي نحرم من نعمة الأمن، ويضرب الله عز وجل لنا المثل في القرآن الكريم بما حدث لأهل مكة، يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل 112]. مكة "كانت آمنة" لا يهاج أهلها. "يأتيها رزقها رغدا من كل مكان" من البر والبحر؛ "فكفرت بأنعم الله" الأنعم: جمع النعمة؛ وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم. "فأذاقها الله" أي أذاق أهلها. "لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" أي من الكفر والمعاصي. "لباس الجوع والخوف" الجوع بالقحط الذي أصابهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، والخوف من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم وهجوم المسلمين على مكة، هذه مكة وفيها بيت الله، فكيف بغيرها.



      (4) ومن آثار المعاصي أنّ المعاصيَ والذنوب سببٌ رئيس للخوفِ والقلَق والمصائِب والفِتن والبلايا التي تعم البلاد والعباد، يقول الله عز وجل محذرا من معصية الله ورسوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63]. بل ويبين لنا ربنا تبارك وتعالى أن هذه الفتن والبلايا التي تأتي نتيجة انتشار المعاصي لا تقع على أهل المعاصي فقط بل يقع أثرها على المجتمع بأثره، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال 24 – 25]. فمنهج الله عز وجل فيه حياة القلوب والأبدان، وفيه الحياة السرمدية عند الله عز وجل يوم القيامة، فاتباعه حياة، ثم يأتي تحذير من الله عز وجل من عدم اتباع المنهج، فالمعاصي إذا تفشت بين الناس وسكت الناس عليها وأقروها فقد يبعث الله عز وجل العقاب والهلاك على الجميع، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ). فقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فالعقوبة تأتي على الجميع، العاصي لفعله وغير العاصي لسكوته ورضاه. فإذا كان من بينهم أناس صالحون يقع الهلاك على الجميع ثم يبعثون على أعمالهم، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ). وروى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُنَاسٌ صَالِحُونَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ).



      (5) بل أننا نجد أن المعاصي والذنوب قد تكون سببا في إهلاك البلاد والعباد، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء 16]. أمرنا مترفيها أي منعميها بمعنى رؤسائها أمرناهم بالطاعة على لسان رسلنا (ففسقوا فيها) فخرجوا عن أمرنا وخالفوا منهج الله (فحق عليها القول) بالعذاب (فدمرناها تدميرا) أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. فالمعاصي سبب في خراب البلاد وإهلاك العباد.



      (6) كما أننا نجد أن المعاصي هي سبب ما يحدث بين الناس من خلاف وشقاق، وكثيرا ما تسمع عن رجلين كانت العلاقة بينهما على أحسن ما يكون، ثم يحدث بينهما العداء، السبب في ذلك يبينه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَأَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -كَانَ يَقُولُ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا).
      أيها المؤمنون الكرام، هذه بعض تلك الثمار المرة التي يجنيها العصاة الآثمون من وراء المعاصي وآثارها على المجتمع، هذا إلى جانب العديد من الآثار التي لا ينتبه إليها المسلم ولو تأمل ووقف مع نفسه قليلا للاحظها في حياته اليومية، مثال ذلك الوحشةُ التي تحدثها المعاصي بين العبد وربه، واستثقال الطاعات، واستمراء الفواحش، واعتيادٍ لها، روى ابن حبان بإسناد حسن عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو فيه، فهو الران الذي ذكر الله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين 14] ». غلب على قلوبهم فغشيها (ما كانوا يكسبون) من المعاصي فهو كالصدأ.
      ما الذي أخرج الأبوين من الجنة؟. وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه؟ وما الذي رفع قرى اللوطية ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله الأرض؟ إنها المعاصي. بالمعاصي يحدث سواد في الوجه وظلمة في القلب، وضيقه وهمه وحزنه وألمه ، ويحرم حلاوة الطاعة ويذهب الحياء الذي هو مادة حياة القلب وهو أصل كل خير.


      أيمن عرفان

      ملتقى الخطباء


    • سلسلة كلمات في القرآن الكريم (12)

      الدكتور عثمان قدري مكانسي

      { أمـّة } / القسم الأول   قال ابن منظور – رحمه الله – في معجمه لسان العرب : أمّ : مِن أمَمَ . وأم : قـَصَد . أمـَّه يؤُمّه أمّاً ، إذا قصده وتوخـّاه.
      ولن نتناول مشتقات هذه الكلمة ، وهي كثيرة ، فمن رغب بذلك أمّ كتب معاجم اللغة وتزوّد . إنما نريد معانيها التي وردَتْ في القرآن الكريم . ولعلنا نحاول الإحاطة – على ضعفنا – بالكثير من المعاني اللطيفة الرائعة :

      1- تأتي بمعنى السلف الماضين من الآباء الصالحين كالأنبياء :
      وذلك في قوله تعالى في الآية 134 من سورة البقرة :
      { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
      لا ينفعنا انتسابنا إليهم ما لم نعمل بعملهم الصالح ، كما قال سبحانه :
      { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) } (الطور) ، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه .

      2- وتأتي بمعنى الشريعة الواحدة والدين الواحد :
      مثال ذلك في الآية 213 من سورة البقرة :
      { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... }
      قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . وكانوا على هدى الله جميعاً فلما طال عليهم الزمن اتبعوا أهواءهم وأضلتهم الشياطين . فأنزل الله جبريل على الأنبياء بكتبهم ليهدوا الناس إلى طريق الحق والسلام .

      3- وتأتي بمعنى العلماء والدعاة والمصلحين :
      مثال ذلك الآية 104 من سورة آل عمران :
      { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }
      وهؤلاء أتباع القرآن والسنة النبوية التي تتصدى لإقامة المعوج وإصلاح الخلل في البشرية ، وقد قَالَ فيهم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
      (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَف الإيمان) وَفِي رِوَايَة : (وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ مِن الإيمان حَبَّة خَرْدَل) .
      هذه هي الأمة الداعية إلى إسعاد البشرية والنهوض بها في درب الهناء والأمان . وفي قوله تعالى في الآية 181 من سورة الأعراف :
      { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }
      يقول صلى الله عليه وسلم مدحاً لعلماء أمته ودعاتها العاملين بما يرضي الله تعالى يوم يضعف الناس ويتخاذلون ، ويستكينون لعدوهم ويتراجعون :
      (إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَومًا عَلَى الْحقّ حَتَّى يَنزِل عِيسَى اِبن مريم مَتَى مَا نَزَلَ )
      وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاوية بْن أَبِي سُفيَان قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
      (لا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ لا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى تَقوم السَّاعَة) وَفِي رِوَايَة : (حَتَّى يأتي أمر اللَّه وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) ، وَفِي روايةٍ : (وَهُمْ بِالشَّام) .

      4- وتأتي بمعنى ذي طريقة حسنة وهدىً مستقيم :
      مثل ذلك الآية الكريمة 113 من سورة آل عمران :
      { لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } ،
      والتقدير: مِنْ أَهل الْكِتَاب أُمَّة قَائمة وَأُخرى غَير قَائمة , فَتَرَكَ الأخرى اكتفاء بالأولى والمعنى : لا يَستوِي أُمَّة من أَهل الْكِتَاب قَائمَة يتلون آيَات اللَّه وَأُمَّة كَافرَة. قال ابن عَبَّاس : لما أسلم عبد الله بن سلام , وثعلبة بن سعية وغيرهما من يهود ; فَآمَنُوا وصدّقوا وَرَغِبُوا فِي الإسلام وَرَسَخُوا فِيهِ , قَالَتْ أَحبار يَهُود وأهل الكفر منهم : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ولا تبعه إلا شرارُنا , وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارنَا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ، فنزلت هذه الآية تكذبهم وتمدح من أسلم والتزم عبادة ربه وقـنت له .

      5- وتأتي بمعنى القـِسْم من الشيء لا يبلغ الشطر بل هم قليل :
      قالوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ما يليق بهما ، فقصدوا القول الحق ولم يتعدّوه . مثال ذلك الآية 66 من سورة المائدة في قوله تعالى :
      { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ }
      وأراد بالقصد الاعتدالَ والحقيقة أناساً من أهل الكتاب آمنوا واتقـَوا كالنجاشي وسلمان وابن سلام وغيرهم ، فكان تقواهم لله سبباً في توسيع الله تعالى عليهم الرزق والخيرات ألم يقل الله تعالى في سورة الجن يؤكد الرزق الوافر لمن آمن به وعمل بمقتضى الإيمان :
      { وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)} ؟ . وقال كذلك في سورة الطلاق :
      { وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ... (3)} ؟ ثم وعد – في سورة إبراهيم - بالمزيد لمن اتقى وشكر ربه :
      { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7)} .
      وكذلك نجد الثلث أو القسم الثالث الذي على الصواب من قصة اليهود في يوم السبت في قوله تعالى في الآية 164 من سورة الأعراف :
      { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
      فهؤلاء هم الصالحون الذين نبهوا وحذّروا ، ثم لم يخالطوا المفسدين وتميّزوا عنهم ، بينما كانت فئة ثانية نبّهت وحذّرت إلا أن ذلك لم يمنعها أن تخالط المفسدين وتؤاكلهم وتسامرهم . هؤلاء الصالحون لم يتوانَوا عن إسداء النصح والتذكير بالله حتى اللحظة الأخيرة علّ المخطئ يرعوي ويتقي الله ، ويقلع عن المعصية قبل حلول العذاب ، فينجو . وما يفعل ذلك إلا العطوف من المسلمين المحب للناس جميعاً ، الذي يأمل بالناس أن يتوبوا ويثوبوا ، ويرجعوا عن غيهم ، والمؤمن لا ييئس ويظل داعية يصدق في دعوته ، ويسعى لها بما أوتي وما استطاع.

      6- وتأتي بمعنى قرن وجيل :
      كما في قوله تعالى في الآية 34 من سورة الأعراف :
      { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } وسيأتيهم ميقاتهم المقدّر . وقد وضح القرطبي سبب النزول فقال : إن الكفار كَانُوا (كما قال سبحانه في نفس السورة) : { وَإِذَا فَعلوا فَاحشَة قالوا وجدنا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا ... (28)} ,
      وَوَعيدًا منه – سبحانه - لَهُمْ عَلَى كَذِبهمْ عَلَيهِ وَعَلَى إِصرارهم عَلَى الشِّرك بِهِ وَالمُقام عَلَى كُفرهمْ , ومذكراً لَهم مَا أَحَلَّ بأمثالهم من الأمم الَّذِينَ كَانُوا قَبلهم . ولكل جَمَاعَة اجْتَمَعَت عَلَى تكذيب رُسُل اللَّه وَرَدّ نَصَائِحهمْ , والشرك بالله مَعَ مُتَابَعَة رَبّهم حُجَجه عليهم وَقتٌ لحلول العقوبات بساحتهم , ونزول المثـُلات بهم على شركهم . ولن يؤخرهم ربهم عما قدّر لهم من عقوبات في الأجل الذي حتـّمه لهم .

          { أُمـّة } / القسم الثاني والأخير

      7 - وتأتي الأمة بمعنى الشبيه والمثيل في الصفات والعاقبة :
      كقوله تعالى في الآية 38 من سورة الأعراف :
      { قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ } .
      فالله تعالى يَقول لهؤلاء الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُفتَرِينَ عَلَيْهِ المكذبين بِآيَاتِهِ : { اُدْخُلُوا فِي أُمَم } مِنْ أمثالكم وَعَلَى صفاتكم { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم } مِنْ الأمم السالفة الْكَافِرَة { مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ } إنهم يلتقون مغضبين سابين شاتمين من كان سبب دخولهم في النار واجتماعهِم فيها { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } ، وقد قال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام : { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا (25)} (العنكبوت) ، ويتبرأ بعضهم من بعض كما قال جل ثناؤه في الآية 166 من سورة البقرة : { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا } ، فإذا التقى هؤلاء في النار جميعاً واجتمع بعضهم إلى بعض شكا الآخرون الأولين إلى الله لأنهم كانوا سبب ضلالهم فيقولون { رَبّنَا هؤلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّار } فيجيبهم بأنه جازاهم جميعاً بما يستحقون من عذاب شديد : { قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ } .
      نسأل الله العافية وحسن الختام .

      8 - وتأتي بمعنى الأجل المعدود والأمد المحصور والمدة المضروبة :
      مثال ذلك قوله تعالى في الآية الثامنة من سورة هود :
      { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ... } ؟ " فالكفار يستعجلون العذاب كما قال سبحانه في سورة الأنفال : { وَإِذْ قَالُوا اللَّـهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (25)} ، وفي قوله سبحانه يسخر من الكفار : { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) } (العنكبوت) ، كما أننا نجد معنى الزمن في كلمة { أُمَّة } في قوله تعالى في الآية 45 من سورة يوسف : { وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } ، وما تذكر إلا بعد بضع سنين قضاها يوسف في السجن .

      9 - وتأتي بمعنى الإمام الذي يُقتدى به :
      مثاله قوله عز وجل يمدح إبراهيم عليه السلام :
      { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّـهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} (النحل) ،
      فَهُوَ الإمام الَّذِي يُقتدى بِهِ وَالْقَانِت هُوَ الْخَاشِع الْمُطِيع وَالْحَنِيف المتجه قَصْدًا عَنْ الشِّرْك إِلَى التوحيد ، وهو معلم الخير والجامع له ، الذي يعلم الناس دينهم ويدلهم على ربهم . وقد كان إبراهيم وحده مؤمناً والناس كلهم كفار ، فكان أمة وحده .

      10 - معنى جماعة من الجماعات :

      أ - قد تكون الجماعة صغيرة قليلة، فهذا موسى عليه السلام يصل إلى مدين فيمر على جماعة من الرعاة قد لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين يسقون أنعامهم وشاءَهم :
      { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ... (23)} (القصص) .

      ب - وقد تكون الأمة ضخمة كثيرة العدد تعيش الحواضر والبوادي . يُرسل إليها الرسول ليهديهم طريق الرشاد ، ونجد ذلك في قوله تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... (36)} (النحل) ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) }(يونس) ، فالرسول يُبْعث في جماعة أو جماعات ويدعوهم إلى الله تعالى ، ويقيم عليهم الحجة كما قال سبحانه في الآية 75 من سورة القصص : { وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ، نبياً يشهد على العباد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وشهيد كل أمة رسولها كما قال جل ثناؤه :
      { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} (النساء) .

      جـ - وقد تكون الأمة بمعنى الناس جميعاً لقوله عز وجل :
      { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ (110)} (آل عمران) بمعنى خير الأمم . وكقوله صلى الله عليه وسلم:
      (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْمَع بِي أَحَد مِنْ هَذِهِ الأمة يَهُودِيّ وَلا نَصْرَانِيّ ثُمَّ لا يُؤْمِن بِي إلا دَخَلَ النَّار) .

      11 - وقد تأتي بمعنى الدين والملة لقوله تعالى في الآية 23 من سورة الزخرف :
      { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } ، أي على طريقة ودين ، وهم يريدون أن لا يخالفوهم

      12 - وقد تأتي كلمة أمة بمعنى التساوي والتشابه في الحياة والعطاء ، مثاله قوله تعالى في الاية 33 من سورة الزخرف : { وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } خوفاً على المؤمنين من الفساد والفتنة حين يرون الكفار يعيشون في الدنيا حياة الرفاهية والرغد ، وهم – على الرغم من إيمانهم – أقل منهم مستوى في الراحة والهناء والرفاهية وقد أعطى الله تعالى الكفار في هذه الدنيا الكثير من المتع العظيمة ، فهم على كفرهم وسوئهم وضلالهم - كونهم بشراً - يفعلون مع بعضهم الخير ويساعد بعضهم بعضاً فلا بد للعدل الإلهي أن يثيبهم بما فعلوه من خير في دنياهم فقط ،فليس لهم في الآخرة نصيب .

       
    • سلسلة كلمات في القرآن الكريم (11)

      الدكتور عثمان قدري مكانسي  
      الذوق

      الذوق في الصحاح للجوهري : ذُقتُ ما عند فلان : خَبِرتـُه .
      وفي القاموس المحيط : تذوّقته : ذقتـُه مرة بعد مرة .
      وفي المعجم الوسيط : ذاق الطعام : اختبر طعمه . ما ذقت نوماً : لم أجَرِّبه . وذاقتـْه يدي : أحَسّتـْه . والذوق : الحاسة التي تُمَيّز بها خواصّ الأجسام الطعمية بوساطة الجهاز الحسّيّ في الفم
      وفي لسان العرب : ما نزل بالإنسان من مكروه فقد ذاقه . وفي الحديث : (إن الله لا يحب الذوّاقين والذوّاقات) يعني السريعي النكاح السريعي الطلاق . قال : وتفسيره أن لا يطمئنّ ولا تطمئنّ ، كلما تزوّج أو تزوّجَتْ كـَرِها ، ومدّا أعينهما لغيرهما .
      وقال ابن منظور صاحب اللسان : الذوّاق : الملول . واستذقـْتُ فلاناً إذا خبرتَه ، فلم تحمد مَخبَرَتـَه . وقال : الذوق فيما يكره ويحمد . قال عز وجل :
      { ... فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)} (النحل)
      أي ابتلاها بسوء ما خُبِرَتْ من عقاب الجوع والخوف .

      وفي الحديث : (كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرّقون إلا عن ذواق)
      ضرب الذواق مثلاً لما ينالون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيرالكثير ، فلا يتفرّقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه ، فيقوم مقام الطعام والشراب لأجسامهم . ويُقال : ذُقْ هذه القوس : أي انزع لِتـَخبُر لينَها وشدّتها ، قال الشمّاخ : فذاق ، فأعطَتـْه من اللين جانباً كفى ، ولها أن يُغرق النبلَ حاجزُ
      فلا حاجز يمنع من إغراقٍ ، ففيها لين وشدة .
      وقال ابن منظور- كذلك - في لسان العرب : الذوق يكون بالفم وبغير الفم . ذاقت وبال أمرها : خبرتـْه . وذاق الرجل عُسيلة المرأة : أولج فيها حتى ذاق خبر طيب جماعها . وذاقت عسيلته لمـّا خالطها . انتهى .
      فالذوق : العلم والمعرفة والخبرة عن تجربة . وأُحِسّ – من هذا السرد - أن كلمة" ذاق" تعني المعرفة الدقيقة التي يشارك فيها الحواس المادية والمعنوية في الإنسان حتى درجة الاستغراق - وإن كان المُتناول قليلاً أو كثيراً - فكان فيها التلذذ والسرور ، أو الألم والعذاب ، وكلاهما ناتج عن تجربة واندماج مرغوب أو غير مرغوب .

      فأما المثال الأول في القرآن ، وهو قليل ، ولعله جاء في آيتين أو ثلاث بمعنى (التلذذ والسرور ) فمنه :
      قوله تعالى في سورة الأعراف :
      { ... فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ ... (22)}
      ومن جميل ما يُروى عن نتيجة الذوق هذا الحديث الموقوف : عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ :
      ( كَانَتْ الشَّجَرَة الَّتِي نَهَى اللَّه عَنْهَا آدَم وَزَوْجَته السُّنْبُلَة فَلَمَّا أَكَلَا مِنْهَا بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا وَكَانَ الَّذِي وَارَى عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتهمَا أَظْفَارهمَا " وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة " وَرَق التِّين يُلْزِقَانِ بَعْضه إِلَى بَعْض فَانْطَلَقَ آدَم عَلَيْهِ السلام مُوَلِّيًا فِي الْجَنَّة فَعَلِقَتْ بِرَأْسِهِ شَجَرَة مِنْ الْجَنَّة فَنادَاهُ اللَّه يَا آدَم أَمِنِّي تَفِرّ ؟ قَالَ لا ، وَلَكِنِّي اِسْتَحَيْتـُك يَا رَبّ قَالَ : أَمَا كَانَ لَك فِيمَا مَنَحْتـُك مِنْ الْجَنَّة وَأَبَحْتـُك مِنْهَا مَنْدُوحَة عَمَّا حَرَّمْت عَلَيك قَالَ : بَلَى رَبّ ، وَلَكِنْ وَعِزَّتك مَا حَسِبْت أَنَّ أَحدًا يَحْلِف بِك كَاذِبًا قَالَ وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ " . قَالَ فَبِعِزَّتِي لأُهبِطَنـّك إِلَى الأرض ، ثم لا تَنَال العيش إلآّ كَدًّا . قَال : فَأُهْبِطَ مِن الْجَنة وَكَانَا يأكلان مِنْهَا رَغَدًا فأُهبِط إِلَى غَيْر رَغَد مِنْ طَعَام وَشَرَاب فعـُلـٍّم صَنْعَة الْحَدِيد وَأُمِرَ بِالْحَرْثِ فَحَرَثَ وَزَرَعَ ثُمَّ سَقَى حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَصَدَ ثُمَّ دَاسَهُ ثُمَّ ذرَاهُ ثُمَّ طَحَنَهُ ثُمَّ عَجَنَهُ ثُمَّ خَبَزَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَلَمْ يَبْلُغـْهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ- من التعب - ) .
      ومنها قوله سبحانه في سورة الروم :
      { ... ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً ... (33)} فأسبغ عليهم النعم - كما يقول ابن كثير – فتذوّقوها ونسوا ما كانوا عليه من البؤس والنقمة .

      كما أن من يدخل الجنة لا يذوق طعم الموت ثانية بل هناك خلود ونعيم لقوله تعالى في سورة الدخان :
      { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56)} .
      ومن لطيف ما يروى في معنى هذه الآية الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم :
      (يُؤتَى بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبش أَملَح فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ثمَّ يُذْبَح ثمَّ يُقَال يَا أَهل الْجَنَّة خُلود فلا موت وَيَا أَهل النَّار خُلود فلا موت) وقوله صلى الله عليه وسلم :
      (يُقَال لأهل الْجَنَّة إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فلا تَسقَموا أَبدًا وَإِنَّ لَكم أَنْ تعيشوا فلا تَموتوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكم أَنْ تَنعَمُوا فَلَا تَبأَسُوا أَبدًا وَإِنَّ لَكم أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهرَمُوا أَبدًا ) رَوَاهُ مُسْلِم
      وبهذا يذوقون النعيم ويتلذذون به خالدين في جنات الله ونعيمه سبحانه .

      وأما المثال الثاني – ذوق الألم والعذاب - وهو في القرآن كثير، فمنه :
      قوله تعالى : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)} (الدخان) ،
      والتذوق هنا عذاب شديد يستغرقه أبد الآبدين َقَالَ عِكرِمَة :التقى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبو جَهل فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
      (إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقُول لَك أَوْلَى لَك فَأَوْلَى)
      فَقَالَ : بِأَيِّ شَيْء تُهَدِّدنِي ! وَاَللَّه مَا تَسْتَطِيع أَنْتَ ولا رَبّك أَنْ تفعلا بِي شَيئا , إِنِّي لَمِنْ أَعَزّ هَذَا الْوَادِي وَأَكرَمه عَلَى قَومه ; فَقَتَلَهُ اللَّه يَوْم بَدْر وأذله وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية . ويقول له الملك الموكل بتعذيبه : ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم بِزَعْمِك .
      وَقِيلَ : هُوَ عَلَى مَعْنَى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص ; فيُقال له : إِنَّك أَنتَ الذَّلِيل المُهَان . وَهُوَ كَمَا قَال قَوم شعيب له ، قال جل ثناؤه :
      { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)} (هود) ، يَعنونَ السفيه الجاهل .
      ويُروى أن أبا سفيان لما رأى حمزة مقتولاً في أُحد قال : ذق عَقَقُ ؛ أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك دينك الذي كنت عليه : يا عاقّ قومه ، فجعل إسلامه عقوقاً! .
      وقوله تعالى : { هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} (ص) ،
      هذا طعامهم وشرابهم اللذين يملؤون بهما البطون كما قال سبحانه :
      { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)} (الواقعة) .
      وملء البطون - عادة- قمة التذوّق : أَمَّا الْحَمِيم فَهو الْحَارّ الذي قَد اِنتهى حرّه وَأَمَّا الْغَسَّاق فَهُوَ ضِدّه وَهو البارد الَّذِي لا يُستطاع مِنْ شِدَّة بَرْدِهِ الْمُؤْلِم وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ { وَآخَر مِنْ شَكْله أَزْوَاج (58)} أَيْ وَأَشياء من هَذَا الْقَبِيل : الشَّيْء وَضِدّه يُعَاقَبُونَ بِهَا ،
      وعَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيه وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ :
      (لَوْ أَنَّ دَلوًا مِنْ غَسَّاق يُهْرَاق فِي الدُّنيَا لأنتن أهل الدنيا) وَرَوَاهُ الترمذِيّ .

      وقوله سبحانه : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } فالجن والإنس والملائكة والحيوانات ومن به روح يستغرقه الموت ، ولا يبقى سوى الواحد الأحد الفرد الصمد . ألم يقل عز وجلًَ :
      { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} (الرحمن)
      فهذا الذوق الشديد الذي لا ينجو منه أحد . وقد قال صلى الله عليه وسلم في تذوق الموت وشدته :
      (إن للموت لسكرات) وكانت حرارته صلى الله عليه وسلم مرتفعة ، وكانوا يمسحون وجهه الشريف بالماء ليخففوا من شدته .

      ومن تتبّع آيات الذوق في القرآن يجد فيها الإحساس بالشديد بالتذوق ، والاختبار الدقيق للشيء المُتناول ، والتجربة الواسعة له .
      نسأل الله تعالى أن نتذوق نعيم الجنة في فردوس الله الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين قال جل ثناؤه :
      { تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (63)} (مريم) ،
      ولننشد مع ابن رواحة رضي الله عنه :
          يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وبارداً شرابها ومع المنشد المسلم طامعين في الجنة هاربين من النار :   أن تدخلني ربي الجنة * هذا أقصى ما أتمنى  
    • سلسلة كلمات في القرآن الكريم (10)

      الدكتور عثمان قدري مكانسي

      { يَسْأَلُونَكَ } / القسم الثاني والأخير :

      ذُكِرتْ { يَسْأَلُونَكَ } في القرآن الكريم خمس عشرة مرة تدل على أن السؤال مفتاح العلم والسبيل إلى الوضوح والحياة الأمثل . فماذا نفهم من { يَسْأَلُونَكَ } ؟

      1 - الفعل جاء في صيغة المضارع الذي يفيد الاستمرار ، فلا بد من السؤال الموصل إلى الجواب ، وأعتقد أنه يستحسن طرح السؤال على العالم كي يتحدث في مواضيع يحتاجها الناس ، وهذا أفضل – في ظني - من موضوعات يختارها العلماء والمحاضرون قد تكون مفيدة ، وقد يكون غيرها أولى منها وأكثر فائدة . والسؤال دليل على أن صاحبه يود معرفة الحقيقة ليلتزمها ، ويعمل بها ، وهذه إيجابية لو كثرتً في الأمة فهي بخير .

      2 - والمسؤول " ك ( الكاف ) تنبيه إلى أنّ على السائل أن يسأل العالم البصير ، لا الرجل الغرير ، فذلك البصير الحاذق يدله على الخير ، ويوضح له المسألة ويأخذ بيده إلى موطن النجاة ومسلك الصواب . كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد العلماء . وعليهم – من بعده – أن يسألوا من يسير على خطاه ، ويهتدي بهديه . أما الجاهل فيَضل ويُضِل .

      3 - ولا بد من تحديد السؤال ليكون الجواب محدداً : يَسْأَلُونَكَ ... ( عن الشهر الحرام ، قتال فيه ، عن الخمر والميسر ، عن اليتامى ، عن المحيض ، عن الساعة ، عن الأنفال ، عن الروح ، عن ذي القرنين ، عن الجبال ، ماذا ينفقون ) ولو كان السؤال عاماً فلن يشبع المتلقي ، وستكون الفائدة أقل مما ينبغي وما يسأل الإنسان إلا عن شيء يشغل باله ، فإذا سمعه تلقفه فلم ينسَه .

      4 - فإذا سئل العالم أمراً وهو يعرفه وقت السؤال أو بعد الدراسة والتمحيص فلا بد أن يجيب عنه ، إن ذلك أمانة في عنقه يحاسب عنها يوم القيامة ، ويشكر عليها في الدنيا والآخرة . لذا جاء الأمر الإلهي : { قُلْ } فالساكت عن الحق شيطان أخرس ضيع الأمانة وترك السائل في ضلال ، " والمسلم أخو المسلم " . والأمر بالإجابة { قُلْ } جاء في كل الآيات غير الغيبية المبذولة للتعلـّم أو التي لا تتحملها العقول ، كقوله تعالى في بعض الإجابات : { قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ ... (1)} ، وحين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر قيل له كما في سورة البقرة : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ...(219)} ، وحين سئل على الحل أجاب كما في سورة المائدة { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ (4)} وحين سئل عن القتال في الشهر الحرام كان الجواب كما في سورة البقرة :
      { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّـهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ... (217)} ،
      أما في السؤال عن الغيب { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } (الأعراف والنازعات) ، فمرة نجد الإجابة دون { قُلْ } كما في سورة النازعات :
      { فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)} ، فكان الجواب من الله تعالى مباشرة ،
      ومرة ذكر الفعل { قُلْ } كما في سورة الأعراف :
      {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّـهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) ،
      فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن علمها عند الله سبحانه .
      وأما السؤال فيما لا تتحمله عقول الناس على عهده صلى الله عليه وسلم وتـُرك للزمن اكتشافه فكان الجواب بأسلوب الحكيم وهذا الغرض البلاغي في سورة البقرة يفيد أن عليكم أن تعرفوا الفائدة من الأهلـّة :
      { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ..(189)} ، وتصور معي أخي القارئ لو أجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يجيب العلم عن كروية الأرض ودورانها حول الشمس، ودوران القمر حول الأرض ، وما ينتج من حجب الأرض لضوء الشمس عن القمر حين تتوسط بينهما ..لقد كان الجواب الحكيم ذكر الفائدة من القمر فقط . ولا ننسَ أن الأجوبة كانت شافية ودقيقة . تفي بالغرض من طرح الأسئلة ، ولا ننس كذلك أن الجواب حين يكون قاصراً يضطر السائل أن يعيد طرحه مرة أخرى على علماء آخرين حتى يجد بغيته ، فينبغي على العالم أن يكون جوابه شافياً مريحاً يفهمه المتلقي ويستوعبه .

      5 - ثم نجد بعد الجواب الشافي تنبيهاً إلى التقوى والطاعة في قوله تعالى بعد الإجابة عن الأنفال :
      { فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)} ،
      ونجد بعد السؤال عن الشهر الحرام في سورة البقرة التوضيح الهام الذي يؤكد أن أعداء الله لن يقر لهم قرار حتى يؤذوا المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً : { ... وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ..... (217)} ،
      ونجد بعد السؤال عن المحيض والإجابة عنه في سورة البقرة أمراً بالتوبة والتطهّر لإرضاء الله تعالى ونيل حبه سبحانه :{ ... إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ (222)} .

      ولو عدت أخي القارئ إلى أواخر هذه الآيات التي نتحدث عنها لوجدت التربية القرآنية تتجلى في تزكية النفس وبناء المجتمع المسلم الطاهر الذي يحبه الله تعالى ويرضاه ، فاحرص على العودة إليها والتخلق بأخلاقها .
      نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علـّمنا ، فهو ولينا ومولانا ، ونعم المولى ونعم النصير .

      انتهى القسم الثاني والأخير    
    • سلسلة كلمات في القرآن الكريم (9)

      الدكتور عثمان قدري مكانسي
        { هَلْ أَتَاكَ } :

      كلما قرأت الآيات الني تتصدرها هذا الكلمة مسبوقة بالاستفهام { هَلْ أَتَاكَ } عشت التحدي القرآني العجيب في سـَوق الخبر الذي ينبئ عن الغيب الذي يحمله إلى القارئ أو السامع في حقيقته وصدقه ، واقتطاعه من الماضي السحيق صورة تثـبُت أمام العين حركة ولوناً وحَدثاً ، وتجاويف الأذن صوتاً وجلبة . وفي القلب انطباعاً وثباتاً ، والعقلِ تفكيراً وتحليلاً ودروساً وعِبَراً . فإذا بهذا النبأ الغيبي حقيقة واقعة في حواس الإنسان يعيشه وجداناً وعواطف ، وتأملاً وتدبراً .

      { هَلْ أَتَاكَ } تنقل الماضي المنسيّ حاضراً حيـّاً تتلمسه لوحة ً متحركة تعرض الحدث نابضاً بالحياة ، فتتفاعل معه كأنك أحد عناصره . وهذا الشعور لحظة تربوية إيجابية لا تنمحي من الذاكرة .وهذا ما يمتاز به النص القرآني الرائع .

      وردت هذه الكلمة { هَلْ أَتَاكَ } ست مرات في القرآن ، وهي أسلوب إنشائي استفهامي سبقته { هَلْ } الاستفهامية التي لا تحتاج جواباً ، فما بعدها الجواب الشافي بكل أبعاده . إنه أسلوب لجذب الانتباه ، فتترك كل ما في يديك لتخلـُص للحدث ، وتندمج فيه .

      وترى بعد { هَلْ أَتَاكَ } كلمة { حَدِيث } خمس مرات وهي بمعنى الحدث والقصة أو قل مايراد من الحديث نفسه ، فتتهيأ لتسمع وترى وتتابع . أما في المرة السادسة فقد ذُكر كلمة { نَبَأ } فالأمر فتنة واختبار لدواوود عليه السلام كما سيمر .

      وبعد كلمة { حَدِيث } – وهي كلمة عامة – يُذكرالهدف الذي سيق له { هَلْ أَتَاكَ .. } موسى ، وضيف إبراهيم ، والجنود ، والخصم ، والغاشية .. ثم تبدأ القصة ...

      تلا أربعاً منها كلمةُ { إذْ } وهي ظرف يختص بنقل الماضي إليك ، فيضعه أمامك من بدايته ، ثم يبدأ بالقصة تتوالى بدقائقها فيلماً سينمائياً يقتنص اهتمامك ، فتتابعه بشغف ورغبة . و { إذْ } نقلة سريعة للموقف ، حيث يبدأ فوراً بزخم صوره الحية ...

      - في سورة طه يقول تعالى :
      { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ }؟ فتلتفت نحو مصدر السؤال لترى الجواب يتحدر بسلاسة قائلاً :
      { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (9) إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) ....... }،
      من الآية التاسعة إلى غاية الآية الثامنة والتسعين يفصل سبحانه القول منذ أن شد موسى عليه السلام الرحال من مدين إلى مصر مع أسرته فرأى النور عند الشجرة المباركة وكلمه ربه ، فجعله من المرسلين ، إلى إشراك أخيه هارون في الرسالة مع التفاتة إلى فضل الله تعالى عليه منذ أن أرضعته أمه ، ثم ألقته في النهر ، وتبعته أخته تدل أهل فرعون على الأم ، فيعود إليها بفضل الله تعالى . ثم نجد الأخوين يحاججان فرعون ويحاورانه ، ونراهما يعظان السحرة قبل المباراة التي انتهت بإيمان السحرة . ثم انتقام فرعون المتأله من المؤمنين الجدد الذين ثبتوا على الإيمان بالله رغم التعذيب ثم الصلب والقتل . كما نرى المؤمنين بقيادة نبيهم موسى يجتازون البحر ، ثم يتبعهم فرعون فيغرق فيه ، وتنطوي صفحة الظلم فيرى اليهود أنفسهم أحراراً ، إلا أنهم سرعان ما ينتكسون فيطلبون إلهاً حين يرون بعض المشركين يسجدون للأصنام ، ويمضي الحدث مصوراً اتخاذ اليهود عجلَ السامري إلهاً على الرغم من وجود هارون بينهم – وقد استضعفوه - ، ثم تكون محاورة بين موسى والسامري تنتهي بحرق الإله المزيف وعقوبة السامري المنحرف لنصل إلى النهاية الأصيلة في عقيدة المسلم :
      { إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)} .

      - أما في سورة " النازعات " فإننا نعيش قصة موسى نفسها مختصرة في دعوة موسى فرعون إلى التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد ،
      { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ (20)}
      فيأبى المجرم تلك الحقيقة ويدّعي الألوهية ، ويصرح بها كما ذكرها سبحانه وتعالى : { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)} فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وينتهي المشهد بالقاعدة الأصيلة ، قال عز وجل :
      { فَأَخَذَهُ اللَّـهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ (25) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (26)}
      فهل من معتبر؟! .

      - فإذا وقفنا بتأنّ في حضرة سورة الذاريات وجدنا قصة سيدنا إبراهيم حين استقبل الملائكة الكرام ، قال تعالى :
      { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) ... }
      وعرّج على قصص موسى وفرعون ، وقوم هود وقوم صالح وقوم نوح باختصار شديد ، وبيـّن نهاية الكفار المدبرين عن الإيمان ، ثم أمرنا بالفرار إلى الله تعالى وتوحيده سبحانه ، فهذا الأصل الذي على المؤمن أن يسعى إليه ، قال جل ثناؤه :
      { فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (51)}

        أفر إليك منك ، وأين إلا * إليك يفر منك المستجير    
      - أما في سورة البروج فإننا لا نجد " إذْ " ونجد الهدف : فرعون وثمود ، وسبب حذف " إذْ " وهي - كما قلنا سابقاً - استحضار الصورة – ولا حاجة لاستحضارها فقد ذكرت بالتفصيل في أول السورة
      { .... قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) ......} فكان المعنى واضحاً والصورة جلية

      - وكذلك رأينا في سورة الغاشية ما رأيناه في سورة البروج من الاستغناء عن " إذْ " لأن الصورة جاءت مسرعة تتجاوز التهيئة ، وانفتحت تصور حياة الكفار في نار جهنم والعياذ بالله ، فتخلع القلوب وتهز الصدور ...

      - ثم نجد قوله تعالى في سورة ص :
      { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)}
      فاحتلت كلمة { نَبَأ } مكان " حديث " فالأمر خطير ، إنه اختبارٌ لجـَلـَد نبي من أنبياء الله مشهور بالإنابة والتوبة وكثرة الذكر ، تسبح الجبال والطير معه ، تكررت في قصته { إذ } مرتين ، قال تعالى :
      { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ... (22)}
      لقد كان دخولهم فجأة دون إذن فخافهم ، فأخبروه بسبب دخولهم ، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين اختفوا فجأة كما ظهروا فجأة . وهنا نعيش الامتحان في القضاء الذي ينبغي أن يستمع فيه القاضي لحجة الطرفين ، لا أن يحكم بمجرد أنه سمع اتهام الأول فهـُيـّئ له أنه مظلوم تجب مساعدته ، فأسرع يحكم له ، ثم أحس بخطئه الفادح فخر ساجداً يستغفر الله ويتوب إليه .

      - بقي أن نقول : رأينا في سورة الدهر (الإنسان) قال سبحانه :
      { هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1)}
      فكان هذا التساؤل بمعنى ( قد أتى على الإنسان حين من الدهر ...) وهي معنى آخر غير معنى يصب في التقرير والتأكيد ...

      نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا ..
      إنه ضياء النفوس وكنز الإيمان ، وقوت القلوب .

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182927
    • إجمالي المشاركات
      2537463
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×