اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      59023
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      181021
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8565
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53371
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21030
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32435
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38831 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وبعد: فيقول ربُّنا - جل وعلا -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].   في هذه الآية الكريمة يُبيِّن الله - تعالى - أنه خلق العباد لعبادته، وقد تكفَّل بأرزاقهم، وسخَّر لهم ما في الأرض؛ قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره: (ومعنى الآية: أنه - تبارك وتعالى - خلق العباد ليَعبدوه وحده لا شريك له؛ فمَن أطاعة جازاه أتمَّ الجزاء، ومَن عصاه عذَّبه أشدَّ العذاب، وأخبر أنه غير مُحتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ فهو خالقهم ورازقهم).   وقال في تفسيره أيضًا: (وقد ورَد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله - تعالى- : "ابنَ آدم، خلقتُك لعبادتي فلا تلعَب، وتكفَّلْتُ برزقك فلا تَتعَب، فاطلُبْني تَجدْني، فإن وجدَتني وجدتَ كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتَك كل شيء، وأنا أَحبُّ إليك مِن كل شيء").   ولا شك أن مَن أقبل على الله وفرَّغ نفسه لعبادة ربه فإنه يُيسِّره لليُسرى، ويُجنِّبه العُسرى، ويَرزقه مِن حيث لا يحتسب، وليس معنى تفرُّغه أن يجلس ويَنقطع عن طلب الرزق الحلال من أبوابه المشروعة، ويَبقى عالةً على غيره، وَيُضيِّع مَن يقوت، وإنما المطلوب أن يَعبد الله وحده ويعمل على بصيرة من أمره، وأن يكون عمله لله فيما يأتي ويَذر، حتى تكون أعماله الدينيَّة والدُّنيوية لله؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: ((كفى بِالمرْء إِثمًا أن يضيِّع مَن يقوت))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((وابدأْ بمَن تَعول)).   كما أنَّ أحدَنا يأتي شَهوته ويكون له فيها أجر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: ((وفِى بُضْعِ أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها فِى حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ وكذلك إذا وضعها فى الحَلال كان له أجرٌ)).   كما أن العادات قد تَنقلِب إلى عبادات إذا صلَحت النيَّة؛ فقد ينام العبد وينوي بنومه التَّقَوِّي على قيام الليل، ويَغرسُ غرسًا فيؤكل منه فيكون له صدقة، وهذا مِن فضل الله على عبده المسلم؛ ففي الحديث عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما مِن مسلمٍ يغرِس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ؛ إلا كان له به صدقة)).   فيَنبغي استحضار النية الصالحة في جميع الأعمال، حتى في الحِرَف والصناعات التي يحتاج إليها الناس، فيكون ذلك مِن باب التعاون على البر والتقْوى.   والمرء في هذه الحياة في صراع وجهاد مع أعداء ثلاثة؛ هم: الهوى، والنفس، والشيطان، ولا بدَّ له مِن الاستعداد لمُجاهَدة كل عدو بما يناسبه من سلاح؛ ولذا سوف نتطرَّق إلى شيء يسير مما يتعلَّق بهؤلاء الأعداء.   العدو الأول: الهوى: الهوى: هو مَيل النفس إلى الشيء، وميل الطبْع إلى ما يُلائمه، وسُمِّي: هوى؛ لأنه يَهوي بصاحبه.   والهوى كما قيل: يُعمي ويُصمُّ، يُعمي عن النظر في الحق وإن كان مشهورًا، ويُصمُّ عن سماعه وإن كان واضحًا؛ لأن الهوى قد سيطر على آلة البصر والسمع، وتجاهَل وجودهما وإدراكهما، وأصبح الهوى هو المتصرِّف والمُسيطِر، وأصبح صاحبه إنما يأتمر بهواه.   ولذا، فإن صاحب الهوى يظلُّ يتخبَّط في مهاوي التِّيه والضَّلال، لا يَعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، لا يُحقُّ حقًّا، ولا يُبطل باطلاً، إلا ما أُشرِب مِن هواه.   قال ابن كثير - رحمه الله - في قول الله - تعالى -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الجاثية: 23] أي: إنما يأتمر بهواه، فمَهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا ترَكه، ثم قال - تعالى -: ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ [الجاثية: 23]، أي: فلا يَسمع ما ينفعه، ولا يَعي شيئًا يَهتدي به، ولا يرى حُجَّة يَستضيء بها؛ ولهذا قال - تعالى -: ﴿ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].   واتِّباع الهوى قد يكون سببه الحسد؛ كما حصل مِن اليهود مع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حين بُعث مِن العرب؛ فقد صدَّهم الهوى عما يدعوهم إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم.   قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره على قول الله - جلَّ وعلا -: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 89]، قال - بعد كلام ساقه رحمه الله -: (وقال أبو العالية: كانت اليهود تَستنصِر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - على مُشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي - الذي نجده مكتوبًا عندنا - حتى نُعذِّب المشركين ونقتلهم، فلما بعث اللهُ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ورأوا أنه مِن غيرهم كفَروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ فلذا قال الله - تعالى -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 89].   وقد يَرجع اتِّباع الهوى إلى التكذيب والاستكبار والقتل بغير حق، فقد ذمَّ الله اليهود لاتِّباعهم لأهوائهم؛ قال - جل وعلا -: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87].   وأصْل الحسد والكِبر من إبليس حين امتنَع مِن السجود لآدم - عليه الصلاة والسلام - لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدَم؛ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر، قال الله - تعالى -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34].   فالكِبر والحسد مما يَحمل على اتِّباع الهوى، ولا شك أنهما من الخصال المذمومة والمؤدية بصاحبها إلى الهلاك في الدنيا والآخِرة.   ومما يَحمل على اتِّباع الهوى: حبُّ الرئاسة والحِفاظ عليها، فيرى مُتَّبعه أن انقياده لبعض الأمور المحمودة والصالحة يُفوِّت عليه بعض مصالحه الدنيوية المُكتسَبة مِن هذه الرئاسة فيتركها إيثارًا لمَصالِحه الدنيوية.   وقد يَحمل غيره ممَّن يُجامِله على ارتكاب بعض المحظورات، ويزيِّن له ذلك ويُشجِّعه، وإن كان يَعلم في قرارة نفسه أن ما ارتكَبه هذا الشخص محرَّم؛ كالرِّشوة والغِيبة والنميمة؛ حيث يرى مُتَّبِع الهوى أن له في ذلك مصلحةً دُنيويةً، وأنه بإنكاره على هذا المُجامِل له يُفوِّتُ على نفسه بعض المصالح، فيَحمله اتِّباع الهوى على السكوت؛ بل على التشجيع حفاظًا على رئاسته ومنزلته فيها.   وقد يَزعم أنه مُصلح وغيره ممَّن أتى بالحق مُفسِد؛ كما قال - جلَّ وعلا - عن فرعون: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ [غافر: 26].   ومنها الجاه والمَنزلة في المُجتمَع؛ فقد يُبتلى البعض من الناس بالحرص على هذه الأمور، والحِفاظ عليها، فيَرتكب بعض المنهيات تعصُّبًا؛ للحفاظ على هذه المنزلة، فلا يَقبل التوجيه فيما يُلاحَظ عليه؛ لأنه يرى أن انصياعَه لما يوجَّه إليه يقلِّل مِن منزلته في عيون الآخَرين، فيَحمله ذلك على اتِّباع الهوى، مع معرفته ويقينه أن ما هو عليه باطل؛ إيثارًا للعاجل في الدنيا والزائل على الآجِل في الآخِرة والباقي.   ومنها الاغتِرار بالعلم؛ فقد يكون مِن أنصاف المتعلِّمين مَن يقول في مسألة مَرجوحة فيُعارضه غيره ممَّن لديه الدليل الراجِح، وقد يكون مِن تلامذته أو ممَّن هو أقل منه منزلةً في العِلم، إلا أن الدليل معه، فتثور ثائرة هذا المتعصِّب لرأيه؛ احتقارًا لمعارضه، وتعصُّبًا لرأيه؛ حِفاظًا على سمعته، وهذا مِن البلوى لدى كثير مِن المتعلِّمين، مع أن مِن ثمرات العلم قَبولَ الحق ممن جاء به، بصرف النظر عن منزلته؛ فالحِكمة ضالَّة المؤمن يأخذها أين وجدها.   ومنها ترويج السِّلَع والدعايات الكاذبة؛ وما أكثرها في هذه الأزمنة؛ فقد تفنَّن الكثير في الدعايات وخِداع الناس بالإعلانات اللافِتة للنظَر، والبرَّاقة، ووضع الجوائز لمن يَشتري كذا فله كذا، أو التَّخفيضات إلى نِسبة كذا في المائة، أو ما يُسمَّى: بتحطيم الأسعار؛ كل ذلك خِداع ومكْر وتضليل للسُّذَّج من الناس، فلولا ترويج السلعة لم يَنشُر هذه الإعلانات الباهظةِ الثمن، ويَعرض الجوائز، ويُخفِّض السلع؛ إلا بعد أن عرَف أنه أخذ مُقابل ذلك مِن أموال المُستهلِكين بالزيادة في الأثمان.   وإلا فكيف يَبيع السلعة في أول الأمر بمائة مثلاً، وفي آخِر الأمر يَبيعها بخصْم خمسة وعشرين مِن المائة، أو بخصْم خمسين من المائة؟ فهل هذا إحسان لمَن يتأخَّر في الشراء؟! أو خِداع لمَن يتقدَّم بالشراء؟! مع أن السِّلعة واحدة، فلا شك أن ذلك مِن اتباع الهوى لكسْب الأموال الطائلة على حساب السذَّج مِن المُستهلِكين، أرجو الله أن يَحميهم بالمسؤولين المُخلِصين، وأن يَهدي أصحاب الأموال إلى النظر فيما يأتون ويذرون في تصرفاتهم؛ حتى تكون على نهْج سليم، لا مكْر فيه ولا خِداع ولا تَضليل، وحتى يكون المجتمع مُتماسِكًا سليم الصدور فقيره وغنيُّه، يَسير في تصرُّفاته على نهْج نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي ما ترَك خيرًا إلا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن غشَّنا فليس منَّا))، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ النَّجشِ، وهو: أن يزيد في السلعة مَن لا يُريد شراءها؛ إما لنفْع البائع، أو مضرَّة المشتري.   ثم اعلم أن السلاح للوقاية من اتباع الهوى أن يُفكِّر العبد: مِن أي شيء خُلق؟! وكيف تدرَّج في رحم أمِّه؟! وبعد أن خرج إلى هذه الدنيا ماذا يَحمِل في بطنِه؟! وكيف يصير إذا مات ووُضِع في قبره؟! وبعد البعث إلى أين يصير إلى الجنة أم إلى النار؟!   كل ذلك ليَعرف منشأه ومصيره، فيحمله ذلك إلى معرفة ما خُلق له، فيعمل بأوامر الله ويَنتهي عن نواهيه، حتى يسعد في دنياه وأُخراه.   وأخيرًا: فالهوى ما خالَط شيئًا إلا أفسده، فعلى العبد أن يَحذَره كلَّ الحذَر؛ حتى لا يُفسِد عليه أعماله الصالِحة فتَضيع هباءً منثورًا.   العدو الثاني: النفْس: ومِن الأعداء التي تَعترض العبد في هذه الدنيا: النفْس التي بين جنبَيه وداخل كيانه، وهي العدو اللَّدود؛ لأنها تأمُر بالسوء؛ ولذلك تسمَّى بالنفس الأمارة بالسوء، فهي تَميل للشهوات، وتَكره القُيود، وتحبُّ الانفلات والتحرُّر مِن كل ما تُمنَع منه، وتَضيق ذَرعًا إذا أُلزمتْ بأمر مِن الأمور.   وقد تكلَّم ابن القيم - رحمه الله - عن أنواع النفْس، وتكلَّم على كل نوع، فبعد أن ذكَر صفَة النفس المُطمئنَّة وصِفة النفس اللَّوامة فقد ذكَر صفة النفس الأمارة بالسوء، فقال - رحمه الله -: (وأما النفس الأمَّارة فهي المَذمومة؛ فإنها التي تأمُر بكل سوء، وهذا مِن طبيعتها، إلا ما وفَّقها الله وثبَّتها وأعانها، فما تخلَّص أحد مِن شرِّ نفسه إلا بتوفيق الله له، كما قال تعالى - حاكيًا عن امرأة العزيز -: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53].   وقال - رحمه الله -: (وقد امتحَن الله - سبحانه - الإنسان بهاتَين النَّفسَين الأمارة واللوَّامة، كما أكرَمه بالمُطمئنَّة، فهي نفْس واحدة، تكون أمَّارةً ثمَّ لوامةً ثم مُطمئنَّة، وهي غاية كَمالها وصلاحها، وأيَّد المُطمئنَّة بجُنود عديدة، فجعل المَلَك قرينَها وصاحبها الذي يَليها ويُسدِّدها، ويقذف فيها الحقَّ ويُرغِّبها فيه، ويُريها حسن صورته، ويَزجُرها عن الباطل، ويُزهِّدها فيه.   إلى أن قال: وأما النفْس الأمارة فجعل الشيطان قرينها وصاحبها الذي يليها، فهو يَعِدُها ويمنِّيها، ويَقذف فيها الباطل، ويَأمُرها بالسوء، ويُزيِّنه لها، ويُطيل في الأمل، ويُريها الباطل في صورةٍ تَقبَلها وتَستحسِنها، ويمدُّها بأنواع الإمداد الباطل؛ مِن الأمانيِّ الكاذِبة، والشهوات المُهلِكة، ويَستعين عليها بهَواها وإرادتها.   إلى أن قال - رحمه الله -: والمقصود التَّنبيه على بعض أحوال النفْس المطمئنَّة واللوَّامة والأمَّارة، وما تَشترِك فيه النفوس الثلاثة، وما يتميَّز به بعضها مِن بعض، وأفعال كل واحدة منها، واختِلافها، ومَقاصدها، ونياتها، وفي ذلك تنبيه على ما وراءه، وهي نفس واحدة، تكون أمَّارة تارة، ولوَّامة أُخرى، ومطمئنَّة أخرى، وأكثر الناس الغالب عليهم الأمَّارة.   وأما المطمئنَّة فهي أقل النُّفوس البشرية عددًا، وأعظمها عند الله قدْرًا، وهي التي يُقال لها: ﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 28 - 30].   والخلاصة: أن الله - تعالى - منَح الإنسان الإرادة الحرَّة، ليَضعه موضع الامتحان، فإذا عمل خيرًا فإنه سوف يَرى خيرًا، ومَن عمل شرًّا فإنه سوف يرى شرًّا؛ كما قال - تعالى -: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].   ومِن هذا نعلم أن منابع الخير والشرِّ لدى الإنسان موجودة في زوايا نفسِه، فكل ما يَعمل مِن أعمال ظاهرة - سواء كانت أعمالاً صالحةً أو أعمالاً سيِّئةً - فهي ثمرة ونتيجة لحرَكات نفسِه واندِفاعاتها واتِّجاهاتها الجازِمة.   فلذا يَنبغي للعبد أن يتسلَّح بسلاح الإيمان القوي الذي لا يُخالطه شكٌّ ولا ريب للتخلُّص من هذه النفس، ويَحمل نفسه على معرفة الله بصفاته وأفعاله وآلائه ومحبَّته وإرادته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والشوق إليه، والأُنسِ به، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وشُكرِه على نعمه وآلائه، حتى يكون الله وحده هو محبوبه وإلهه ومعبوده وغاية مَطلبه، وأن يُحقِّق قول الله - تعالى -: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5].   وعلى العبد أن يُظهِر عجْز نفسه وذلَّها بين يدَي ربِّها الذي خلقها وسوَّاها وأطعَمها وسقاها، حتى تكون نفسه مطمئنَّةً، وحتى يَصدُق فيها قول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 - 30]، وذلك بفضْل الله ورحمته ومنِّه وكرمه.   اللهم اجعل نُفوسنا مُطمئنَّةً إليك، راغبةً فيما عِندك، مُمتثلةً لأوامِرك، مُجتنِبةً نواهيك، اللهم إنا نعوذ بك مِن شُرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، إنك حسْبُنا ونِعم الوكيل.   العدو الثالث: الشيطان: لا شكَّ أن عداوة الشيطان للإنسان قديمة قِدَم الإنسان؛ فهو قد نصَب العداء له منذ أن خلق اللهُ آدم - عليه السلام - بيده، ونفَخ فيه مِن روحه، ثم أمَر الملائكة بالسجود له، فرفض الشيطان أن يسجد؛ حسدًا لآدم - عليه السلام - قال - تعالى -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾ [الإسراء: 61]، وقال - تعالى -: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].   لذا فقد أمرنا الله - تعالى - بأن نتَّخذ الشيطان عدوًّا؛ فقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6].   وعداوة الشيطان لابن آدَم ظاهِرة، ومَسالِكه في ذلك كثيرة؛ قال تعالى - إخبارًا عن إبليس -: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 16، 17].   فالشيطان - عليه لعائن الله - حريص يَبذل جهده في إغواء العباد وصدِّهم عن صراط الله المستقيم بكلِّ ما يَستطيع، فما مِن طريق خير إلا وله فيه صدٌّ واعتِراض وتثبيط، وما مِن طريق شرٍّ إلا وله فيه ترغيب وتسهيل وتزيين وحثٌّ وتشجيع، فهو حريص على إيقاع بني آدم معه في النار، فيُحسِّن لهم الكفْر والمعاصي، ويَعِد ويُمنِّي؛ قال الله - تعالى -: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء: 120]، وقال - تعالى -: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، وقال - تعالى -: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الحشر: 16]؛ فالشيطان يَعد ويمنِّي، فإذا وقع العبد في حبائله تخلَّى عنه وتبرَّأ منه.   وإن مَظاهِر عداوة الشيطان للإنسان كثيرة جدًّا، فمنها: الوسوسة، ومنها: التحريش وإيقاع العداوة بين المسلمين، ومنها: الصدُّ عن ذكْر الله - تعالى، ومنها: الغضب والشَّهوة، ومنها: العجلة وترْك التثبُّت، ومنها: الشبَع مِن الطعام، ومنها: التكاسُل في الطاعات وارتكاب المحرمات، ومنها: الرفيق السيِّئ، ومنها: البُخْل، ومنها: الحسد، ومنها: التعصُّب للهوى والمذاهب، وغيرها مِن المداخل التي لا يسع المقام للتفصيل فيها.   فالعاقل الناصح لنفسه عليه أن يعرف عدوه الذي حذَّره الله منه، فلا يَنخدِع بما يُزيِّن له الشيطان مِن مَعاصٍ؛ فهو عدو يوقع في المعصية ويتبرَّأ ممَّن وقَع في فخِّه؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 22].   فيَنبغي للعبد أن يتسلَّح بسلاح الإيمان، وأن يَكون حَذِرًا مِن هذا العدو في جميع أحواله، وأن يكون متمسِّكًا بكتاب ربِّه وسنَّة نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم.   كما يجب عليه أن يكون معتدلاً في أموره، لا إفراط ولا تفريط، سادًّا على الشيطان جميع المَنافذ التي يُمكن أن يدخل عليه منها؛ فإن الشيطان يشمُّ منافذ الضَّعف في العبد فيَأتيه منها، فقد يأتيه عن طريق الطاعة إذا لم يقدر عليه مِن طرق المعصية، فيُشكِّكه في عمله، ويُقلِّل مِن شأنه وإن كان متَّفقًا مع ما جاء به الشرع، فيَأمره بالزيادة والغلو حتى يَخرج مما شرع على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فإن الشيطان يَجري مِن ابن آدم مجرَى الدم.   فعلى العبد أن يتحصَّن مِن هذا العدو الشيطان بما شُرع مِن الأذكار والتعوُّذات، وكثرة الاستِغفار والمُحافَظة عليه، ويلجأ إلى الله ويدعوه بالدعوات المأثورة، بأن يَحفظه مِن عدوِّه بالتعوُّذ وقراءة القرآن، وخاصَّةً السور والآيات التي ورَدت في ذلك؛ كالمعوِّذتَين والإخلاص وآية الكرسي، ونحوها.   وعليه أن يَحرص كل الحِرص على أن تكون أعماله متَّفقةً مع هدْي نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يَنال ثواب الله وفضْله وجنَّته بفضْل الله ورحمته، ويَسلم مِن عدوِّه الشيطان وحزبِه، والنار المعدَّة لعدوِّه وأوليائه ممَّن أطاع الشيطانَ وحِزبه.   وختامًا: أقول: إن العبد في هذه الحياة لا يَدري مدَّة إقامته فيها؛ لذا ينبغي عليه أن يُبادِر بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان؛ يقول نبيُّنا - صلوات الله وسلامه عليه -: ((اغتنم خمسًا قبل خمسٍ؛ شبابك قبل هَرَمك، وصحَّتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك))، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: ((إِذا أمسيتَ فلا تَنتظرِ الصَّباح، وإِذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساء، وخذْ مِن صحَّتك لمرضك، ومِن حياتك لمَوتِك)).   فإذا كان العبد بهذه المثابة، وأخَذ بهذه الوصايا، فإنه بذلك يكون على الدوام مُستحضِرًا ما لله عليه مِن حُقوق، عاملاً بأوامره مُجتنبًا لنواهيه، فتكون حياته سعادةً وسرورًا ولذَّةً وطُمأنينةً، فتلك جنَّة الدنيا، والطريق والوسيلة إلى جنَّة الآخِرة.   فهذه الحياة الحقيقية التي يَنبغي للعبد أن يَحياها ويَلتزمها لينال سعادة الدنيا والآخِرة بفضل الله وكرمه.   يقول أحد السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالَدونا عليه بالسُّيوف"؛ لِما هو فيه مِن لذَّة الطاعة وطمأنينة النفس، بخلاف ما عليه أصحاب المعاصي من شَقاء وعناء وتعبٍ ونكدِ عَيش، وإن تلذَّذ أحدهم ببعض الشهوات والمأكولات ومَجالس التَّرفيه فتلك قشور يُشاركه فيها معظم الحيوانات، وسرعان ما تَذبُل وتتبدَّل بأضدادها، وصاحبها في وقتها في قلقٍ عليها يَخاف مِن زوالها أو زواله عنها، فيَلقى الله وهو على تلك الحال السيئة، قد ختم له بخاتمة سوء، فهو لا يَدري متى تزول أو يزول عنها، هذا إذا كان لدَيه عقل يميِّز به.   أما إن كان قد غَرق في بحر الجهل وأنْتان المعاصي، واسْوَدَّ قلبه مِن المعاصي، وران عليه ما كسب، فهو الذي لا يَعرف معروفًا ولا يُنكِر منكرًا؛ يقول - جل وعلا -: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14].   وفي الحديث عن أبي هُريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صُقل قلبه، وإن زاد زادتْ؛ فذلك قول الله - تعالى -: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]))، وقال الترمذي حسن صحيح.   ولا شكَّ أن للطاعات أثرًا في سعادة العبد في حياته، وللمعاصي تأثيرًا على العبد في حياته، يَعرِف ذلك مَن اتَّصف بصفات أهل السعادة، ومَن اتَّصف بصفات أهل الشَّقاوة، والسعيد مَن وفَّقه الله واختار لنفسه سعادة الدنيا والآخِرة، والشقي مَن اختار لنفسِه طريق الشَّقاوة فخَسِر دُنياه وأُخراه.   واعلم - أخي - أن الله لا يَظلم الناس شيئًا، ولكنَّ الناس أنفسهم يَظلمون، فقد بيَّن الله - سبحانه وتعالى - طريق السعادة، ورغَّب في سلوكه، وطريقَ الشقاوة ونهَى وحذَّر مِن سُلوكه؛ يقول - جل وعلا -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، ويقول - سبحانه وتعالى -: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طه: 123 - 126].   • فالحياة الطيبة والحياة السعيدة هي حياة الطاعة لله، والإقبال عليه، والأُنسِ به - جل وعلا. • ونكَد العيش، وشَقاء الحياة؛ في ارتكاب المعاصي، والإعراض عن الله.   والعبد لن يؤتى إلا مِن قِبَل نفسه؛ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، فعليه أن يَحتاط لنفسه؛ بعمل الصالحات، والبُعدِ عن الموبقات، ويطَّرح بين يدَي مولاه ومالكه، ويتضرَّع إليه بأن يوفِّقه لعمل الصالحات، وأن يجنِّبه السيئات، حتى يَفوز بخيرَي الدنيا والآخِرة؛ يقول - جل وعلا -: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 29].   وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خضِرةٌ، وإنَّ الله - تعالى - مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدُّنيا واتَّقوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء))؛ رواه مسلم.   فالعبد في هذه الحياة أمامه فرصة للعمل، والعمل يَحتاج إلى صيانته عن المؤثِّرات، ولا بدَّ مِن مُحاسَبة النفس قبل الحساب؛ يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزَنوا)).   فعلى العبد أن يغتنم فرصة العمل؛ فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.   اللهم وفِّقنا للعمل بما يُرضيك، وجنِّبْنا مَساخِطك ومعاصيك، واختم بالصالحات أعمالنا، وتبْ علينا بمنِّك وفضلك، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.    الشيخ عبدالعزيز بن محمد العقيل   شبكة الألوكة
    • {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) }

      {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} "اللاهية من (لها عنه) إذا ذهل وغفل" (1).
      أسند اللهو وهو الذهول والغفلة إلى القلوب؛ لأن القلوب هي آلة الفقه والعلم، وهي آلة التدبر والهدى، وربنا يسند ذلك إليها أو ينفيه عنها. قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأعراف: 179].
      وقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46].
      وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. فإذا غفلت غفل صاحبها، وإذا عقلت عقل صاحبها، فوصف قلوبهم بالغفلة الثابتة فقال: (لاهية) بالاسم.

      والوصف بالاسم هنا مناسب لوصفهم بالغفلة التي تغمرهم والإعراض الثابت في قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.
      {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}
      قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} فيه مبالغة في الإسرار والإخفاء، ذلك أن النجوى إنما تكون في السر، فإذا قلت: (تناجي فلان وفلان) فمعنى ذلك أنهما أخفيا حديثهما، فإذا قلت: (أسرّا النجوى) أفاد ذلك المبالغة في الإخفاء. فالأسرار يفيد الإخفاء عن غير الذي تسر إليه الحديث.

      والتناجي يفيد الإخفاء أيضًا. فإذا قلت: (أسرّ النجوى) فقد بالغت في الإخفاء.
      جاء في (الكشاف): "فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله: {وَأَسَرُّوا}؟
      قلت: معناه: وبالغوا في إخفائها... أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون" (2).
      إن قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} يحتمل أوجهًا إعرابية متعددة، منها أن {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من الواو في {أَسَرُّوا}، فقد أسند الإسرار إليهم على وجه العموم ثم بين الذين أسروا فقال: {الَّذِينَ ظَلَمُوا.} وهذا نظير ذكر الناس على العموم في قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ }ثم بين المقصود بهؤلاء الناس فيما بعد. وهو تناظر لطيف. ويحتمل أن التعبير مبني على التقديم والتأخير، فقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} جملة خبر مقدم، و {الَّذِينَ ظَلَمُوا } مبتدأ مؤخر، فيكون من باب تقديم الخبر لغرض الاهتمام.

      ويحتمل أن يكون {الَّذِينَ ظَلَمُوا } منصوبًا على الذم أو على إضمار (أعني). وكل هذه الأوجه على اختلاف التقديرات تفيد الاهتمام والعناية كل بحسب ما يدل عليه.

      وقيل: إنما هو على لغة (أكلوني البراغيث) أي على لغة من يجعل هذه الضمائر حروفًا تدل على الفاعل فيقولون: أقبلا الرجلان، وأقبلوا الرجال، وأقبلن النسوة.

      والأولى تخريجها على لغة سائر العرب وما في ذلك من دلائل معنوية.
      جاء في (الكشاف): "أبدل {الَّذِينَ ظَلَمُوا } من واو {وَأَسَرُّوا} إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به، أو جاء على لغة من قال: (أكلوني البراغيث)، أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} قدم عليه.

      والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم" (3).

      {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أنكروا أن يرسل الله بشرًا مثلهم، فإنه لابد – فيما يرون- أن يكون الرسول من الله ملكًا وهذه شبهة كثير من المجتمعات البشرية، فقد ذكر ربنا عن مجموعة من المجتمعات البشرية أنهم قالوا لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10].

      وقال في قوم نوح إنهم قالوا في رسولهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24].

      وقال في قوم بعد قوم نوح في رسولهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 33 - 34].

      وكذلك من بعدهم. وأخبر ربنا أن هذه الشبهة منعت الناس من الإيمان فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94].

      وكذلك هي شبهة كفار قريش، ولذا أمر ربنا رسوله في أكثر من موضع أن يقول لهم إنه بشر مثلهم فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110، فصلت: 6].

      جاء في (الكشاف): "اعتقدوا أن رسول الله  لا يكون إلا ملكًا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر" (4).

      "والسحر عنوا ما ظهر على يديه من المعجزات" (5).

      وجملة {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} تحتمل أن تكون بدلاً من النجوى، أي أسروا هذا القول. وتحتمل أن تكون مفعولاً به لقول محذوف، أي وأسروا النجوى قائلين: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} جاء في (الكشاف): "هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى، أي وأسروا هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق بـ (قالوا) مضمرًا" (6).

      وذكرت أوجه أخرى (7).
      قد تقول: لقد ههنا: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ} وقال في سورة (طه): {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} [طه: 62 – 63]. فذكر القول إضافة إلى الإسرار فقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ....} ولم يذكر ذلك في آية الأنبياء فما الفرق؟ فنقول: إن ذكر القول مع ذكر النجوى أكد وأهم؛ لأنه ذكر القول مع ما فيه معنى القول. فإن النجوى معناها القول، ثم ذكر القول إضافة إلى ذلك، فكأنه قد كرر اللفظ فكان أكد. وذلك أن الموقف في (طه) أشد، فإن السياق فيها إنما هو في موسى وفرعون وما حصل بينهما من المناظرة والمشادة بعدما رأوا الآيات وكذبوها وزعموا أنها سحر، وأن موسى وأخاه ساحران. وتحدوه بأنهم سيأتونه بسحر مثله. ثم إن فرعون جمع كيده {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)} فالموقف في (طه) موقف تحد ومواعدة وامتحان ومغالبة، فكان الموقف أشد مما في الأنبياء الذي ليس فيه شيء من ذلك.

      فناسب ذكر القول إضافة إلى ما في معناه في آية (طه) دون آية الأنبياء.

      ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 17 إلى ص 21. (1) الكشاف 2/320. (2) الكشاف 2/320 وانظر البحر المحيط 6/296 – 297. (3) الكشاف 2/ 320 – 321، وانظر البحر المحيط 6/296 – 297. (4) الكشاف 2/321. (5) البحر المحيط 6/297. (6) الكشاف 2/321، تفسير أبي السعود 3/684. (7) انظر روح المعاني 17/8.
      {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) } {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} "اللاهية من (لها عنه) إذا ذهل وغفل" (1). أسند اللهو وهو الذهول والغفلة إلى القلوب؛ لأن القلوب هي آلة الفقه والعلم، وهي آلة التدبر والهدى، وربنا يسند ذلك إليها أو ينفيه عنها. قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأعراف: 179]. وقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46]. وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. فإذا غفلت غفل صاحبها، وإذا عقلت عقل صاحبها، فوصف قلوبهم بالغفلة الثابتة فقال: (لاهية) بالاسم. والوصف بالاسم هنا مناسب لوصفهم بالغفلة التي تغمرهم والإعراض الثابت في قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} فيه مبالغة في الإسرار والإخفاء، ذلك أن النجوى إنما تكون في السر، فإذا قلت: (تناجي فلان وفلان) فمعنى ذلك أنهما أخفيا حديثهما، فإذا قلت: (أسرّا النجوى) أفاد ذلك المبالغة في الإخفاء. فالأسرار يفيد الإخفاء عن غير الذي تسر إليه الحديث. والتناجي يفيد الإخفاء أيضًا. فإذا قلت: (أسرّ النجوى) فقد بالغت في الإخفاء. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله: {وَأَسَرُّوا}؟ قلت: معناه: وبالغوا في إخفائها... أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون" (2). إن قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} يحتمل أوجهًا إعرابية متعددة، منها أن {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من الواو في {أَسَرُّوا}، فقد أسند الإسرار إليهم على وجه العموم ثم بين الذين أسروا فقال: {الَّذِينَ ظَلَمُوا.} وهذا نظير ذكر الناس على العموم في قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ }ثم بين المقصود بهؤلاء الناس فيما بعد. وهو تناظر لطيف. ويحتمل أن التعبير مبني على التقديم والتأخير، فقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} جملة خبر مقدم، و {الَّذِينَ ظَلَمُوا } مبتدأ مؤخر، فيكون من باب تقديم الخبر لغرض الاهتمام. ويحتمل أن يكون {الَّذِينَ ظَلَمُوا } منصوبًا على الذم أو على إضمار (أعني). وكل هذه الأوجه على اختلاف التقديرات تفيد الاهتمام والعناية كل بحسب ما يدل عليه. وقيل: إنما هو على لغة (أكلوني البراغيث) أي على لغة من يجعل هذه الضمائر حروفًا تدل على الفاعل فيقولون: أقبلا الرجلان، وأقبلوا الرجال، وأقبلن النسوة. والأولى تخريجها على لغة سائر العرب وما في ذلك من دلائل معنوية. جاء في (الكشاف): "أبدل {الَّذِينَ ظَلَمُوا } من واو {وَأَسَرُّوا} إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به، أو جاء على لغة من قال: (أكلوني البراغيث)، أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} قدم عليه. والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم" (3). {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أنكروا أن يرسل الله بشرًا مثلهم، فإنه لابد – فيما يرون- أن يكون الرسول من الله ملكًا وهذه شبهة كثير من المجتمعات البشرية، فقد ذكر ربنا عن مجموعة من المجتمعات البشرية أنهم قالوا لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10]. وقال في قوم نوح إنهم قالوا في رسولهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24]. وقال في قوم بعد قوم نوح في رسولهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 33 - 34]. وكذلك من بعدهم. وأخبر ربنا أن هذه الشبهة منعت الناس من الإيمان فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94]. وكذلك هي شبهة كفار قريش، ولذا أمر ربنا رسوله في أكثر من موضع أن يقول لهم إنه بشر مثلهم فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110، فصلت: 6]. جاء في (الكشاف): "اعتقدوا أن رسول الله  لا يكون إلا ملكًا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر" (4). "والسحر عنوا ما ظهر على يديه من المعجزات" (5). وجملة {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} تحتمل أن تكون بدلاً من النجوى، أي أسروا هذا القول. وتحتمل أن تكون مفعولاً به لقول محذوف، أي وأسروا النجوى قائلين: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} جاء في (الكشاف): "هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى، أي وأسروا هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق بـ (قالوا) مضمرًا" (6). وذكرت أوجه أخرى (7). قد تقول: لقد ههنا: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ} وقال في سورة (طه): {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} [طه: 62 – 63]. فذكر القول إضافة إلى الإسرار فقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ....} ولم يذكر ذلك في آية الأنبياء فما الفرق؟ فنقول: إن ذكر القول مع ذكر النجوى أكد وأهم؛ لأنه ذكر القول مع ما فيه معنى القول. فإن النجوى معناها القول، ثم ذكر القول إضافة إلى ذلك، فكأنه قد كرر اللفظ فكان أكد. وذلك أن الموقف في (طه) أشد، فإن السياق فيها إنما هو في موسى وفرعون وما حصل بينهما من المناظرة والمشادة بعدما رأوا الآيات وكذبوها وزعموا أنها سحر، وأن موسى وأخاه ساحران. وتحدوه بأنهم سيأتونه بسحر مثله. ثم إن فرعون جمع كيده {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)} فالموقف في (طه) موقف تحد ومواعدة وامتحان ومغالبة، فكان الموقف أشد مما في الأنبياء الذي ليس فيه شيء من ذلك. فناسب ذكر القول إضافة إلى ما في معناه في آية (طه) دون آية الأنبياء. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 17 إلى ص 21. (1) الكشاف 2/320. (2) الكشاف 2/320 وانظر البحر المحيط 6/296 – 297. (3) الكشاف 2/ 320 – 321، وانظر البحر المحيط 6/296 – 297. (4) الكشاف 2/321. (5) البحر المحيط 6/297. (6) الكشاف 2/321، تفسير أبي السعود 3/684. (7) انظر روح المعاني 17/8.

      المصدر: فاضل السامرائي
       
    • المذموم من الأخلاق والسلوك
      (الحسد)

      معنى الحَسَدِ لُغةً:
      الحَسَدُ مصدَرُ حَسَده يَحسُدُه ويَحسِدُه، حَسَدًا وحُسُودًا وحَسادةً، وحَسَده: تمنَّى أن تتَحوَّلَ إليه نعمتُه وفضيلتُه، أو يُسلَبَهما، وحَسَده الشَّيءَ وعليه
      معنى الحَسَدِ اصطلاحًا:
      وقال الجُرجانيُّ: (الحَسَدُ تمنِّي زوالِ نِعمةِ المحسودِ إلى الحاسِدِ) .
      وقال السُّيوطيُّ: (الحَسَدُ: تمنِّي خَيرٍ يَصِلُ إلى غيرِه مع زوالِه عنه) .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (أصلُ الحَسَدِ هو بُغضُ نعمةِ اللَّهِ على المحسودِ وتمنِّي زوالِها) .
      وقال ابنُ حَجَرٍ: (الحَسَدُ تمنِّي الشَّخصِ زوالَ النِّعمةِ عن مستحِقٍّ لها) .
      وقال الكَفَويُّ: (الحَسَدُ: اختلافُ القلبِ على النَّاسِ؛ لكثرةِ الأموالِ والأملاكِ) .
      وعرَّفه الطَّاهِرُ بنُ عاشورٍ فقال: (الحَسَدُ: إحساسٌ نَفسانيٌّ مركَّبٌ من استحسانِ نعمةٍ في الغيرِ، مع تمنِّي زوالِها عنه؛ لأجْلِ غَيرةٍ على اختصاصِ الغيرِ بتلك الحالةِ، أو على مشاركتِه الحاسِدَ) .



        الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ وبَعضِ الصِّفاتِ

      الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والغِبطةِ:
      قال ابنُ منظورٍ: (الغَبْطُ: أن يرى المغبوطَ في حالٍ حَسَنةٍ، فيتمَنَّى لنفسِه مِثلَ تلك الحالِ الحَسَنةِ، من غيرِ أن يتمَنَّى زوالَها عنه، وإذا سأل اللَّهَ مِثْلَها فقد انتهى إلى ما أمَرَه به ورَضِيَه له، وأمَّا الحَسَدُ فهو أن يشتهيَ أن يكونَ له ما للمحسودِ، وأن يزولَ عنه ما هو فيه) .
      وقال الرَّازيُّ: (إذا أنعَم اللَّهُ على أخيك بنِعمةٍ؛ فإن أردتَ زوالَها فهذا هو الحَسَدُ، وإن اشتَهَيتَ لنفسِك مثلَها، فهذا هو الغِبطةُ) .
      وقد تُسَمَّى الغِبطةُ حَسَدًا، كما جاء في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه اللَّهُ مالًا فسُلِّط على هَلَكتِه في الحَقِّ، ورجُلٌ آتاه اللَّهُ الحِكمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها)) . وقد فسَّر النَّوويُّ الحَسَدَ في الحديثِ فقال: (هو أن يتمَنَّى مِثلَ النِّعمةِ التي على غيرِه من غيرِ زوالِها عن صاحِبِها) .

      الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والمُنافَسةِ والمُسابقةِ:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (للحَسَدِ حَدٌّ، وهو المنافسةُ في طَلَبِ الكَمالِ، والأَنَفةُ أن يتقَدَّمَ عليه نظيرُه، فمتى تعدَّى ذلك صار بغيًا وظُلمًا يتمَنَّى معه زوالَ النِّعمةِ عن المحسودِ، ويحرِصُ على إيذائِه) .
      وقال الغَزاليُّ: (والمنافَسةُ في اللُّغةِ مُشتَقَّةٌ من النَّفاسةِ، والذي يدُلُّ على إباحةِ المنافسةِ قَولُه تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26] ، وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: 21] ، وإنَّما المسابقةُ عِندَ خوفِ الفَوتِ، وهو كالعبَدينِ يتسابقانِ إلى خِدمةِ مولاهما؛ إذ يجزَعُ كُلُّ واحدٍ أن يسبِقَه صاحِبُه فيحظى عِندَ مولاه بمنزلةٍ لا يحظى هو بها) .
      وبيَّن الغَزاليُّ سَبَبَ المنافسةِ فأرجعَها إلى: (إرادةِ مساواتِه واللُّحوقِ به في النِّعمةِ، وليس فيها كراهةُ النِّعمةِ، وكان تحتَ هذه النِّعمةِ أمرانِ: أحَدُهما: راحةُ المنعَمِ عليه، والآخَرُ: ظُهورُ نقصانِه عن غيرِه وتخلُّفِه عنه، وهو يَكرَهُ أحدَ الوجهَينِ، وهو تخلُّفُ نفسِه، ويحِبُّ مُساواتَه له. ولا حَرَجَ على من يَكرَهُ تخلُّفَ نفسِه ونُقصانَها في المباحاتِ) .
      وقد تنافَس الصَّحابةُ في الخيرِ، وبذلوا أسبابَ الكمالِ؛ فهذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه يقولُ: ((أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا أن نتصَدَّقَ، فوافَق ذلك مالًا عِندي، فقُلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكرٍ إن سبَقْتُه يومًا! فجِئتُ بنِصفِ مالي، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أبقَيْتَ لأهلِك؟ قُلتُ: مِثْلَه، قال: وأتى أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بكُلِّ ما عِندَه، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أبقَيْتَ لأهلِك؟ قال: أبقَيتُ لهم اللهَ ورَسولَه! قُلتُ: لا أسابِقُك إلى شيءٍ أبدًا)) .

      ولكِنَّ المنافسةَ في أمورِ الدُّنيا تجُرُّ غالِبًا إلى الوقوعِ في الحَسَدِ والأخلاقِ الذَّميمةِ؛ فعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إذا فُتِحَت عليكم فارِسُ والرُّومُ، أيُّ قومٍ أنتم؟ قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: نقولُ كما أمَرَنا اللَّهُ. قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أو غيرَ ذلك، تتنافَسون، ثمَّ تتحاسَدون، ثمَّ تتدابَرون، ثمَّ تتباغَضون)) . وقال الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فواللهِ ما الفَقْرَ أخشى عليكم، ولكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قبلَكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكم كما أهلكَتْهم)) .

      وقد نبَّه على ذلك الرَّازيُّ فقال: (لكِنْ هاهنا دقيقةٌ، وهي أنَّ زوالَ النُّقصانِ عنه بالنِّسبةِ إلى الغيرِ له طريقانِ: أحَدُهما: أن يحصُلَ له مِثلُ ما حَصَل للغيرِ. والثَّاني: أن يزولَ عن الغيرِ ما لم يحصُلْ له. فإذا حَصَل اليأسُ عن أحدِ الطَّريقينِ فيكادُ القلبُ لا ينفَكُّ عن شهوةِ الطَّريقِ الآخَرِ، فهاهنا إن وَجَد قَلْبَه بحيثُ لو قَدَر على إزالةِ تلك الفضيلةِ عن ذلك الشَّخصِ لأزالَها، فهو صاحِبُ الحَسَدِ المذمومِ، وإن كان يجِدُ قَلْبَه بحيثُ تَردَعُه التَّقوى عن إزالةِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ، فالمرجوُّ من اللَّهِ تعالى أن يعفوَ عن ذلك) .

      الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والعَينِ:
      العَينُ نَظَرٌ باستحسانٍ قد يشوبُه شيءٌ من الحَسَدِ، ويكونُ النَّاظِرُ خبيثَ الطَّبعِ .
      وهما (يشتركانِ في الأثَرِ، ويختلفانِ في الوسيلةِ والمُنطَلَقِ.
      فالحاسِدُ: قد يحسُدُ ما لم يَرَه، ويحسُدُ في الأمرِ المتوقَّعِ قَبلَ وقوعِه، ومصدَرُه تحَرُّقُ القَلبِ واستكثارُ النِّعمةِ على المحسودِ، وتمنِّي زوالِها عنه أو عدَمِ حصولِها له، وهو غايةٌ في حِطَّةِ النَّفسِ.
      والعائنُ: لا يَعينُ إلَّا ما يراه والموجودَ بالفِعلِ، ومصدَرُه انقِداحُ نَظرةِ العينِ، وقد يَعينُ ما يَكرَهُ أن يُصابَ بأذًى منه، كوَلَدِه ومالِه) .
      قال ابنُ القَيِّمِ: (العاينُ والحاسِدُ يشتركانِ في شيءٍ، ويفترقانِ في شيءٍ؛ فيشتركانِ في أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما تتكيَّفُ نفسُه وتتوجَّهُ نحوَ مَن يريدُ أذاه؛ فالعائِنُ تتكَيَّفُ نفسُه عِندَ مقابلةِ المَعِينِ ومعاينتِه، والحاسِدُ يحصُلُ له ذلك عِندَ غَيبِ المحسودِ وحُضورِه أيضًا، ويفترقانِ في أنَّ العائِنَ قد يصيبُ من لا يحسُدُه من جمادٍ أو حيوانٍ أو زرعٍ أو مالٍ) .
      وقال أيضًا: ((العائِنُ حاسِدٌ خاصٌّ، وهو أضَرُّ من الحاسِدِ... وأنَّه أعَمُّ؛ فكُلُّ عائنٍ حاسِدٌ ولا بُدَّ، وليس كُلُّ حاسِدٍ عائنًا)) .

      الدرر السنية

    • وقـفة مع ايــة ..

      قال تعالى

      ”وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا “
      على قدر ما تستطيع أفعل الخير ولكن لا تنتظر جميل من أحد،فمن الممكن أن تجد أن الناس التى قدمت لهم الخير هم أكثر الناس إساءة ونكران للجميل ،وفى هذا اختبار من الله لك،
      لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يكون العمل خلاصاً لوجه .
      فإن علم الله صدق نيتك فى العمل،لرده إليك أضعاف مضاعفة فى الدنيا( أعظم أجرا )
      و سوف تجد جبال من الحسنات

      ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) الحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِمئةِ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ، ولْيُعلَمْ أنَّ مِثقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيرِ في هذه الدَّارِ يُقابِلُه أضعافُ أضعافِ الدُّنيا وما عليها في دارِ النَّعيمِ المقيمِ مِنَ اللَّذَّاتِ والشَّهَواتِ، وأنَّ الخيرَ والبِرَّ في هذه الدُّنيا مادَّةُ الخيرِ والبِرِّ في دارِ القرارِ، وبَذْرُه وأصلُه وأساسُه، فواأَسَفاه على أوقاتٍ مَضَت في الغَفَلاتِ! وواحَسْرَتاه على أزمانٍ تقَضَّت بغيرِ الأعمالِ الصَّالحاتِ! وواغَوْثاه من قلوبٍ لم يؤثِّرْ فيها وعظُ بارئِها، ولم يَنجَعْ فيها تشويقُ مَن هو أرحَمُ بها منها! فلك اللَّهمَّ الحمدُ، وإليك المشتكى، وبك المستغاثُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بك !


      "العَطاء " ..
      هو أن تكون في الحَياة كَزُجاجة
      العِطر..قدِّم للآخَرينَ كُل ما بداخِلَك
      وإن فَرِغتَ " تَبقَى رائحتَك طيبة ||
      وتذكر أن نفسُك هي أعظم مستفيدٍ
      من عملك الصالح .
      "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله "

       
    • - من أعظم الأسباب التي تُفتح بها أبواب الرحمات والبركات :
      تقوى الله جل في علاه..
      بتقوى الله تفتح الأبواب ، وتنزل الرحمات ، وتجزل العطايا والخيرات كما قال رب البريات : { وَلَو أنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِن السَّمَاءِ وَالأَرْضِ }..
      الخير كل الخير وجماع الخير في تقوى الله عز وجل وعلا ، ومن اتقى الله جعل الله له من كل همٍّ فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه الله من حيث لا يحتسب ..
      فلن تضيق أرض الله على عبدٍ يتقي الله ، ولن يضيق العيش والرزق على من خاف الله واتقاه ..
        عليك بتقوى الله إن كنت جاهلاً يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري     عباد الله ..
      - من الأسباب التي يبارك فيها بالأرزاق بل يبارك بها في الأعمار وفي أحوال الإنسان..
      العمل والكسب والطيب ..
      فالإسلام دين العمل دين الكسب الحلال .. الحلال الذي يعف الإنسان به نفسه عن القيل والقال وسؤال الناس ، فمن سأل الناس تكسلاً جاء يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم والعياذ بالله ..
      خذوا بأسباب الرزق كما قال الله تعالى : { فَامْشُوا فِي مَنْاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِليْهِ النُّشُورُ} ..
      بسط الله الأرض واخرج منها الخيرات والبركات فجعل الخير في العمل والشر في البطالة والكسل ، فالإسلام دين الجهاد والعمل..
      قال صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى فضل الأعمال وما فيها من الخير في الأرزاق قال : ( وجُعل رزقي تحت ظل رمحي ) .
      فليست الأرزاق أن يجلس الإنسان في مسجده فلا رهبانية في الإسلام فإنَّ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة..
      خذوا بالأسباب عباد الله واطلبوا الرزق الحلال من أبوابه يفتح لكم من رحماته ، وينشر لكم من بركاته وخيراته .
      فالرجل المبارك يسعى على نفسه وأهله وولده فيكتب الله له أجر السعي وأجر العمل .. وليس بعار فقد عمل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين..
      كان نبي الله داود يعمل صنعة لبوس فكان يعمل في الحدادة فكان منَّة من الله على عباده ..
      ليس بعار أن تكون حداداً او نجاراً ولكن العار كل العار في معصية الله جل وعلا ..العار كل العار في معصية الله جل وعلا .. والخمول والكسل والبطالة حتى يعيش الإنسان على فتات غيره والعياذ بالله حين يعيش الرجل على فتات غيره مع أنه صحيح البدن قوي في جسده فهذا من محق البركة في الأجساد .
      فخذوا رحمكم الله بأسباب البركة بالعمل المباح والكسب المباح فلن يضيق الرزق بإذن الله على من اكتسب
      قال صلى الله عليه وسلم : ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا ) فأخبر أنها تغدو ، وأخبر أنها تذهب .. فمن ذهب للرزق يسر الله أمره..
      أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : { يَا أَيَّهَا الَّذِيَنَ آَمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَلَتَنْظُرْ نَفْسٌ مَاْ قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِن اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.   الشيخ خالد الراشد حفظه الله
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183169
    • إجمالي المشاركات
      2538557
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×