اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58245
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180704
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8356
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53118
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32220
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13118
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38557 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 77 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • لفظ (الإخبات) في القرآن

        ورد لفظ (الإخبات) في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع هي

      قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} (هود:23)

      وقوله سبحانه: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين} (الحج:34)

      وقوله عز من قائل: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} (الحج:54)

      وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (رب اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مِطواعًا، إليك مخبتًا، لك أوَّاهًا منيبًا) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنَّا نسألك قلوبًا أوَّاهة مخبتة منيبة في سبيلك) رواه الحاكم.





      وأصل (الإخبات) في اللغة من الخَبْت، وهو المكان المنخفض والمطمئن من الأرض، ضد المُصعد والمرتفع؛ ثم استعير لمعنى التواضع، كأن المخبت سلك نفسه في الانخفاض، فأصبحت سهلة سمحة مطواعة؛ ويقال: فيه خِبْتة، أي: تواضع ودماثة.

      وبناء على هذا الأصل اللغوي تفرع القول في معنى (الإخبات) فقالوا في معناه: هو الخشوع، والخضوع، والتواضع؛ يقال: أخبت لله، خشع؛ وأخبت، تواضع؛ وأخبت إلى ربه، أي: اطمأن إليه؛ وقد رُوي عن مجاهد في قوله عز وجل: {وبشر المخبتين} قال: هم المطمئنون، وقيل: هم المتواضعون؛ والمراد بهم المؤمنون؛ لأن التواضع من شيمهم، كما أن التكبر من سمات المشركين، قال تعالى: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} (غافر:35).

      وقال المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وأخبتوا إلى ربهم} أي: أطاعوا ربهم أحسن طاعة، وتواضعوا لأمره بامتثاله؛ وأيضًا فُسِّر قوله تعالى: {فتخبت له قلوبهم} بأنه التواضع، أي: فيستقر الحق في قلوبهم فيخضعوا له، ويستسلموا لحكمه، كما قال تعالى في حق إبراهيم الخليل عليه السلام: {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} (البقرة:260).

      وكما ترى، فإن لفظ (الإخبات) يفيد معنى الخشوع، والخضوع، والتواضع، كما يفيد معنى الهبوط، والنزول؛ وهو على ارتباط وثيق بهذه المعاني كلها، فيشترك معها في كثيرٍ من الدلالات اللغوية، وإن كنا لا نعدم فرقًا طفيفيًا بين كل واحدٍ منها، كما تفيد بذلك كتب الفروق اللغوية.

      ولك أن تلاحظ - أخي القارئ الكريم - أن الآيات والأحاديث السابقة، والتي ذُكر فيها لفظ (الإخبات) أن هذا اللفظ قد جاء فيها مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يأتِ في القرآن الكريم ذِكْرٌ لهذا اللفظ مضافًا لغير الله تعالى؛ بينما جاء لفظ (التراحم) و(الذل) وصفًا مضافًا للمؤمنين، قال تعالى: {رحماء بينهم} (الفتح:29) وقال جل علاه: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة:54) ويمكن أن يُستفاد من هذا المَلْحَظ، أن لفظ(الإخبات) ليس تواضعًا فحسب، وإنما هو تواضع مع انقياد؛ فـ (6600cc> الإخبات ) لله هو التواضع له سبحانه، وذلك يكون بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، وتعظيم شرعه، والذل والخضوع بين يديه، وتحكيم شرعه في مناحي الحياة كافة، مع القبول والتسليم بكل ما شرع.

      وإذ تبين هذا، أمكن لنا أن نقول: إن التواضع المجرد، وإن كان فيه لين جانب وسهولة طبع، يفارق معنى (الإخبات) من جهة أن التواضع المجرد، تواضع غير مقرون بالانقياد، أما (الإخبات) فهو تواضع مقرون بالانقياد، وهو الذي امتدح الله به عباده المؤمنين.

      نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن يجعلنا من الذين يجمعون بين القول والعمل في سلوكهم، ومن الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: {وأخبتوا إلى ربهم}.
    • ألفاظ (الفقر) في القرآن الكريم في القرآن الكريم مصطلحات تفيد معنى الحاجة والفاقة والفقر، وهي وإن كانت مصطلحات مترادفة، لها دلالة مشتركة، بيد أنها تحمل في تضاعيفها بعض الفروق الدلالية؛ نحاول فيما يلي أن نعرِّج عليها، من خلال تسليط الضوء على المصطلحات الأربعة التالية: الخصاصة، العيلة، الفقر، الإملاق.

        الخصاصة ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم في آية واحدة، وهي قوله تعالى في سياق مدح الأنصار، وموقفهم من المهاجرين: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (الحشر:9) والأصل اللغوي للخصاصة هو: الفُرجة بين الأصابع؛ والخصاصة وخَصَاص البيت: هي الفروج التي تكون فيه، والخصاصة: الخلل والثقب الصغير؛ ثم أطلقت الخَصَاصة على الفقر، والحاجة إلى الشيء، وسوء الحال، والخَلَّة؛ وذوو الخصاصة: ذوو الخلة والفقر.

      وفي حديث فضالة رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم: (كان إذا صلى بأناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة) رواه الترمذي أي: يخرون على الأرض من الجوع، وسوء الحال.

      ومن هذه المادة قولهم: رجعت الإبل وبها خصاصة، إذا لم تروَ من الماء؛ وقولهم كذلك للرجل إذا لم يشبع من الطعام.

      العَيْلَة ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، الأول: عند ذكره سبحانه الاقتصار على زوجة واحدة حال الخوف من عدم العدل بين الزوجات، والقيام بحقوقهن، قال تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء:3) والثاني: قوله تعالى في سياق خطاب المؤمنين: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} (التوبة:28) والموضع الثالث: قوله سبحانه مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {ووجدك عائلاً فأغنى} (الضحى:8) .

      والعَيْلَة - بالفتح - والعالة: الفقر والفاقة؛ يقال: عال الرجل يعيل، إذا افتقر؛ وقرأ علقمة وغيره: (عائلة) وحكى الطبري أنه يقال: عال يعول، إذا افتقر؛ وعيال الرجل: من يعولهم، وواحد العيال: عَيْل، والجمع عيائل؛ وأعال الرجل: كثرت عياله، فهو مَعِيل، والمرأة معيلة، أي: صارا ذا عيال؛ وفي الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم: (أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه، أي: فقراء يسألون الناس

      الفقر قال أهل اللغة حول هذه المادة: الفاء والقاف والراء أصل صحيح، يدل على انفراج في شيء، من عضو أو غيره؛ من ذلك: الفَقَار للظهر، الواحدة فَقَارة، سميت للحُزُوز والفصول التي بينها؛ قالوا: ومنه اشتق الفقير, وكأنه مكسور فَقَار الظهر، من ذلته وفاقته؛ ومن المادة قولهم: فَقَرتهم الفاقِرة: وهي الداهية، كأنها كاسرة لِفَقَار الظهر، قال تعالى: {تظن أن يفعل بها فاقرة} (القيامة:25) وسد الله مَفَاقِره: أي أغناه، وسدَّ وجوه فقره وحاجته.

        الإملاق الإملاق في اللغة: الافتقار، يقال: أملق الرجل فهو مُمْلِق؛ وأصل الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ما معه إملاقًا، ومَلَقَه ملقًا: إذا أخرجه من يده، ولم يحبسه، والفقر تابع لذلك، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسَبَّب، حتى صار به أشهر؛ وفي حديث عائشة رضي الله عنها، في وصف أبيها رضي الله عنه: (ويريش مملقها) رواه الطبراني، أي: يغني فقيرها؛ والإملاق: كثرة إنفاق المال وتبذيره، حتى يورث حاجة؛ وفي الحديث أن امرأة سألت ابن عباس رضي الله عنهما، قالت: أأنفق من مالي ما شئتُ؟ فقال: نعم، أملقي من مالك ما شئتِ؛ وقوله تعالى: {خشية إملاق} (الإسراء:31) أي: خشية الفقر والحاجة.

      ومن معاني الإملاق: الإسراف، يقال أملق الرجل، أي: أسرف في نفسه؛ ومن معانيه الإفساد: يقال: أملق ما عنده الدهرُ، أي: أفسده؛ وقال قتادة: الإملاق: الفاقة؛ وهذا المعنى الأخير هو الذي عليه أئمة اللغة والتفسير، في معنى قوله تعالى: {من إملاق} (الأنعام:151) وقوله سبحانه: {خشية إملاق}.

      على أنه من المفيد -علاوة على ما تقدم- أن نشير إلى أن من المصطلحات القرآنية الوثيقة الصلة بهذه المصطلحات، المصطلحات التالية: المسغبة، المخمصة، المسكنة.

      وعلى ضوء ما سبق، يظهر لنا دلالة هذه المصطلحات الأربعة، وأنها تدل بشكل أساس على معنى الحاجة والفقر والفاقة، وإن كان بينها ثمة فروق لغوية. والله ولي التوفيق والتسديد، وهو حسبنا ونعم الوكيل  
    • لفظ (السوء) في القرآن الكريم لفظ (السوء) لنرى المعاني المتعددة والمختلفة التي يفيدها هذا اللفظ، باختلاف ضبط حركة السين فيه، ووفق اختلاف السياق الذي سِيق فيه .

      في القواميس اللغوية نقرأ حول هذه المادة ما يلي: (السَّوء) بفتح السين: مصدر ساءَه يسوُءه سَوْءًا، فعل به ما يكره، وهو نقيض سرَّه، فهو مصدر، وغلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمُّه، تقول: هذا رجل سَوْء، وهذه امرأة سَوْء، ونحو هذا؛ ويقال: ساء ما فعل فلان صنيعًا، يسوء: أي قبح صنيعه صنعًا، وفي التنـزيل: {ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآيتنا} (الأعراف:177). و(السُّوء) بضم السين: الاسم من السَّوء، جرى مجرى الشر، وكلاهما في الأصل مصدر؛ فتقول من السُّوء: استاء فلان في الصنيع، كما تقول في الغم: اغتم. وهذا اللفظ في القرآن الكريم ورد بمعان عدة، نستعرض بعضًا منها فيما يلي: و(السُّوء) بالضم: بمعنى الشدة، ومنه قوله تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} (البقرة:49).

      و(السُّوء) بالضم: بمعنى العَقْر - وهو الجرح للبعير - ومنه قوله تعالى في قصة ناقة صالح عليه السلام: {ولا تمسوها بسوء} (هود:64). و(السُّوء) بالضم أيضًا: يطلق على البرص، وعليه قوله تعالى: {تخرج بيضاء من غير سوء} (طه:22). و(السُّوء) بالضم: الشر، قال تعالى: {ما كنا نعمل من سوء} (النحل:28). و(السُّوء) بالضم: الشتم والكلام القبيح، ومنه قوله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} (النساء:148). و(السُّوء) بالضم: الذنب، وعليه قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} (النساء:17). و(السُّوء) بالضم: الضر، ومنه قوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} (النمل:62). و(السُّوء) بالضم: القتل والهزيمة، وبه فُسِّر قوله تعالى: {لم يمسسهم سوء} (آل عمران:174). و(السُّوء) بالضم: بمعنى بئس، قال تعالى في حق الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، قال: {ولهم سوء الدار} (الرعد:25). و(السَّوء) بالفتح: الزنا، ومنه قوله تعالى، مخاطبًا مريم عليها السلام: {ما كان أبوك امرأ سوء} (مريم:28)، ولا يصح بحال ضم السين في الآية، ولا في قوله تعالى: {وظننتم ظن السوء} (الفتح:12)؛ لأن (السُّوء) لا يضاف إلى الرجل، ولا إلى الظن، وإنما يضاف إلى الأفعال، فتقول: عَمِل عَمَل سُوء. و(السُّوأى) في قوله تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى} (الروم:10) تأنيث الأسوأ، خلاف الحسنى؛ أو مصدر، كالبشرى، وهي في الآية بمعنى جهنم، أعاذنا الله منها. و(السوأة): العورة والفاحشة، قال تعالى: {بدت لهما سوآتهما} (الأعراف:22) قال ابن الأثير: السوأة في الأصل الفرج، ثم نُقل إلى كل ما يُستحيا منه إذا ظهر وبدا، من قول وفعل. وقال الفراء في سورة براءة عند قوله تعالى: {عليهم دائرة السوء} (التوبة: 98) قال: قرأ القُراء بنصب السين {السوء} والمراد بالسوء المصدر، من سُؤْته سَوْءًا، ومساءَة؛ فهذه مصادر؛ قال: ومن قرأ بضم السين {السوء} جعله اسمًا، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، والمعنى هنا: عليهم الهزيمة والشر. وكما نلاحظ، فإن المعاني المتعددة والمتنوعة للفظ (السوء) تفيد معنى الشر والأذى، والسياق هو الذي يحدد نوعًا خاصًا ومعينًا من أنواع الأذى والشر. فكن على بينة من هذا، ففي ذلك عون لك على فهم كتاب الله، وبه تعرف - فوق ذلك - وجهًا من وجوه اختلاف القراءات القرآنية.   اسلام ويب يتبع  
    • دولة التلاوة | تلاوة محمد حسن سورة التكوير إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)
      1- (وإذا العشار عطلت) هي الناقة الحامل . لا تقوم الساعة حتى تعود الإبل فتكون هي : حياة الناس وغيرها يزول / عقيل الشمري
      2-} إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ{ إذا كان يوم القيامة تكوَّر الشمس أي : تجمع وتلف ، ويخسف القمر ، ويلقيان في النار . #روائع_السعدي

      وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)
      1- (وإذا النفوس زوجت) أهل الخير يجمعون وأهل الشر يفردون ، (قرينك في الدنيا قرينك في الآخرة) / عقيل الشمري
      2-{ وإذا النفوس زوجت }البر مع البر ، والفاجر مع الفاجر ، كل شكل إلى شكله . /محمد الربيعة
      3-﴿وَإِذَا النُّفوسُ زُوِّجَت﴾ . قُرِنَ كل صاحب عمل بشكله ونظيره، فَقُرِنَ بيْنَ المُتحابين في الله في الجنة، وقُرِنَ بين المُتحابين في طاعة الشيطان في الجحيم، فالمرء مع مَن أحبّ شاء أو أبى. . #ابن_القيم
      4-﴿وإذا النُّفوسُ زُوِّجت﴾ أي:حُشِرت مع نظائرها. قال عمر بن الخطاب: "الصالح مع الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار"

      وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)
      وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)
      1- ﴿ وإذا الصحف نُشرت ﴾ هل ما تعمله اليوم تحب أن تراه في صحيفة أعمالك غداً ؟؟!/ نايف الفيصل
      2- (وإذا الصحف نشرت) يا ابن آدم هي صحيفتك تملي فيها، ثم تُطوى ثم تُنشر عليك يوم القيامة، فلينظر الرجل ماذا يملي صحيفته .! قتادة_رحمه الله. / نوال العيد
      3-﴿وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ . واعلم أيها الإنسان أن كل عمل تعمله من قول أو فعل فإنه يُكْتَب، يسجل بصحائف على يد أُمَنَاء كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون، يُسَجَّل كل شيء تعمله. . #ابن_عثيمين
      4-﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ قال قتادة : يا ابن آدم تُملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة فلينظر رجل ماذا يُملي في صحيفته . #تدبر
      5-﴿ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ • بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ اللهم ارحم تقصيرنا بحقهم واكتبنا ممن نصرهم .
      6-﴿ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ قتلت بأسباب كثيرة بمن يرى الجبن " عقلانية " والدفاع عن الحق " تهور "
      7-} وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت { هذه قتلت مرة واحدة ، فكيف بمن ألقيت عند باب مسجد ؛ لتقتل في حياتها ألف الف مرة !

      وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)
      1- ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ . هي الكواكب تخنس فتختفي تحت ضوء الشمس ولا ترى وهي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد/ روائع القرآن
      -2 آية في سورة التكوير ذُكرت فيها أهوال عظام لتأتي بعدها الحقيقة التي لامفر منها : ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ #تدبر
      3-﴿ فلا أقسم بالخنَّس . الجوار الكُنَّس ﴾ هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وكذا روي عن #ابن_عباس ومجاهد والحسن. #سورة_التكوير #ابن_كثير

      الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)
      1- والليل إذا يغشى- والليل إذا يغشاها والليل إذا يسر والليل إذا عسعس- والليل إذ أدبر- والليل إذا سجى- والليل وما وسق- إن في أطوار الليل لآيات ! / نايف الفيصل
      2- (والصبح إذا تنفس) (أصدق) اﻷنفاس أوائلها . فخذ لذتها / عقيل الشمري
      3- ( والصَّبْحِ إذاَ تنَفسَّ ) الصباح بستانٌ جميل ، تفوح من بين أزهاره رائحة التفاؤل وعبير الأمل وأنفاس الخير !! / عايض المطيري
      4-﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ وفي ثلثه اﻷخير اسمع لنداء الكريم وهو يقول: هل من داع فأستجيب له؟ قل: يارب وأيقن باﻹجابة ! .
      5-} والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم … { كل معاني الإعجاز الكوني والبياني، انتظمها هذا القسم المهيب !

      إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)
      1- ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ جنونٌ : أن تتنافسوا بالأمس على” صحبته” لما ترون فيه من صفات الخير؛ ثم تتهموه اليوم بالجنون إذا خالف أهواءكم ! / د. محمد الفراج
      2-﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ أضاف ربي الحبيبَ #ﷺ لقومه توبيخا لهم إذ كيف تتهمون من عرفتم صدقه وأمانته وحسن صحبته ﷺ . #تدبر

      وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)
      1- النبي :(وما هو على الغيب بضنين) أي :ليس بخيل بالعلم الكرم (المنسي المهمل) : (تعليم العلم) /عقيل الشمري
      2- وما هو على الغيب بضنين……. العلامة الفارقة لدعوة الأنبياء سخاؤهم بالعلم. حقوق النسخ غير محفوظة. / عبد الله بلقاسم
      3-﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين ﴾ ٰ بضنين : أي ببخيل . وفي قراءة بالظاء أي بمُتهم فيُنْقِصُ منه ولا يعطيه كله . ٰ #تفسير

      وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)
      1- قل ما تشاء ..واسمع ما تشاء ..وشاهد ما تشاء ..لكن تذكر .. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾/ ابو بكر الحويطي
      2- ﴿ فأين تذهبون ﴾ وهذا القرآن بين أيديكم؟؟ ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ ﴿ هدى وشفاء ﴾ ﴿ موعظة للمتقين ﴾﴿ ذكر للعالمين ﴾ ﴿ نوراً مبينا ﴾ / نايف الفيصل
      3- ﴿فأين تذهبون﴾ سؤال يهز أركاننا يستوقفنا قبل أن نستكمل حياتنا العبثية إلى اللاشيئ ! ألا نجيب رب العالمين ؟ إلى أين المسير ؟ ./ روائع القرآن

      إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
      1-﴿وماتشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ فيه إعلام أن أحداً لا يعمل خيراً إلا بتوفيق الله ولا ضراً إلا بخذلانه #البغوي
      2-﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ وما تشاؤون الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله رب الخلائق أجمعين. #ابن_سعدي
      3-#النجاح يعتمد اعتمادًا كليًا على توفيق الله ، ثم على الإرادة والتصميم : ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله ﴾ #تدبر
      4-من أراد الهداية والتوفيق فعليه بهذا #القرآن تأمل : ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ #تدبر.
      5-}وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أن يَشَاء الله{ لأن مشيئتنا ضمن مشيئته, ومنحة منه, وهبة من كرمه وفضله, فهي ضمن إرادته لا ثنائية ولا تناقض.
      6-} وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين { ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يُعبد إلا بإعانته ولا يطاع إلا بمشيئته . #ابن_القيم

      حصاد التدبر
       
    • {56} {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}
      {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بعمل المعاصي {بَعْدَ إِصْلاحِهَا} بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا والآخرة.{وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ.وحاصل ما ذكر الله من آداب الدعاء: الإخلاص فيه لله وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا غافلا ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة، وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولهذا قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله، فكلما كان العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى

      {57} {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .يبين تعالى أثرا من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته فقال: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله.{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} الرياح {سَحَابًا ثِقَالا} قد أثاره بعضها، وألفه ريح أخرى، وألحقه ريح أخرى {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} قد كادت تهلك حيواناته، وكاد أهله أن ييأسوا من رحمة الله، {فَأَنزلْنَا بِهِ} أي: بذلك البلد الميت {الْمَاء} الغزير من ذلك السحاب وسخر الله له ريحا تدره وتفرقه بإذن الله.{فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} فأصبحوا مستبشرين برحمة الله، راتعين بخير الله، وقوله: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها بالنبات، كذلك نخرج الموتى من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتا متمزقين، وهذا استدلال واضح، فإنه لا فرق بين الأمرين، فمنكر البعث استبعادا له - مع أنه يرى ما هو نظيره - من باب العناد، وإنكار المحسوسات.وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الله والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال.

      58{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} .ثم ذكر تفاوت الأراضي، التي ينزل عليها المطر، فقال: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} أي: طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه مطر {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} الذي هو مستعد له {بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: بإرادة الله ومشيئته، فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء، حتى يأذن الله بذلك.{وَالَّذِي خَبُثَ} من الأراضي {لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا} أي: إلا نباتا خاسا لا نفع فيه ولا بركة.{كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} أي: ننوعها ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون الله بالاعتراف بنعمه، والإقرار بها، وصرفها في مرضاة الله، فهم الذين ينتفعون بما فصل الله في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية، لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها، فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم، وهذا مثال للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، كما أن الغيث مادة الحياة، فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها.وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها، فإذا جاءها الوحي لم يجد محلا قابلا بل يجدها غافلة معرضة، أو معارضة، فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور، فلا يؤثر فيها شيئا، وهذا كقوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ... } الآيات

      {59 - 64} { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ *قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ *أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ} . إ.لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد الله أهل التوحيد، وأهلك من عاندهم ولم يَنْقَدْ لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد -[293]- ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} يدعوهم إلى عبادة الله وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان {فَقَالَ} لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} أي: وحده {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} لأنه الخالق الرازق المدبِّر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مدبَّر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب الله، فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا عليه أقبح رد.

      {65 - 72} {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} . إلى آخر القصة (1) .أي: {و} أرسلنا {إِلَى عَادٍ} الأولى، الذين كانوا في أرض اليمن {أَخَاهُمْ} في النسب {هُودًا} عليه السلام، يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك والطغيان في الأرض.فـ {قَالَ} لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} سخطه وعذابه، إن أقمتم على ما أنتم عليه، فلم يستجيبوا ولا انقادوا.فـ {قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} رادين لدعوته، قادحين في رأيه: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي: ما نراك إلا سفيها غير رشيد، ويغلب على ظننا أنك من جملة الكاذبين، وقد انقلبت عليهم الحقيقة، واستحكم عماهم حيث رموا نبيهم عليه السلام بما هم متصفون به، وهو أبعد الناس عنه، فإنهم السفهاء حقا الكاذبون.وأي سفه أعظم ممن قابل أحق الحق بالرد والإنكار، وتكبر عن الانقياد للمرشدين والنصحاء، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد، ووضع العبادة في غير موضعها، فعبد من -[294]- لا يغني عنه شيئا من الأشجار والأحجار؟ "وأي كذب أبلغ من كذب من نسب هذه الأمور إلى الله تعالى؟ "{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} بوجه من الوجوه، بل هو الرسول المرشد الرشيد، {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} .فالواجب عليكم أن تتلقوا ذلك بالقبول والانقياد وطاعة رب العباد.

      {73 - 79} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} . إلى آخر قصتهم .أي {و} أرسلنا {إِلَى ثَمُودَ} القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله، من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل الله إليهم {أَخَاهُمْ صَالِحًا} نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، فـ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة الله، وبيان أنه ليس للعباد إله غير الله، {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها -[295]- إلى الله تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} .وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم.وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} فلا عليكم من مئونتها شيء، {وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي: بعقر أو غيره، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

      {80 - 84} {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} .إلى آخر القصة .أي: {و} اذكر عبدنا {لُوطًا} عليه الصلاة والسلام، إذ أرسلناه إلى قومه يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فقال: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} أي: الخصلة التي بلغت - في العظم والشناعة - إلى أن استغرقت أنواع الفحش، {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} فكونها فاحشة من أشنع الأشياء، وكونهم ابتدعوها وابتكروها، وسنوها لمن بعدهم، من أشنع ما يكون أيضا.ثم بينها بقوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} أي: كيف تذرون النساء اللاتي خلقهن الله لكم، وفيهن المستمتع الموافق للشهوة والفطرة، وتقبلون على أدبار الرجال، التي هي غاية ما يكون في الشناعة والخبث، ومحل تخرج منه الأنتان والأخباث، التي يستحيي من ذكرها فضلا عن ملامستها وقربها، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي: متجاوزون لما حده الله متجرئون على محارمه

      {85 - 93} {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} . إلى آخر القصة .أي: {و} أرسلنا إلى القبيلة المعروفة بمدين {أَخَاهُمْ} في النسب {شُعَيْبًا} يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويأمرهم بإيفاء المكيال والميزان، وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم، وأن لا يعثوا في الأرض مفسدين، بالإكثار من عمل المعاصي، ولهذا قال: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإن ترك المعاصي امتثالا لأمر الله وتقربا إليه خير، وأنفع للعبد من ارتكابها الموجب لسخط الجبار، وعذاب النار.{وَلا تَقْعُدُوا} للناس {بِكُلِّ صِرَاطٍ} أي: طريق من الطرق التي يكثر سلوكها، تحذرون الناس منها و {تُوعِدُونَ} من سلكها {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} من أراد الاهتداء به {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: تبغون سبيل الله تكون معوجة، وتميلونها اتباعا لأهوائكم، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها الله لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ودار كرامته، ورحمهم بها أعظم رحمة، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها والذب عنها، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها، الصادين الناس عنها، فإن هذا كفر لنعمة الله ومحادة لله، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة، وتشنعون على من سلكها.{وَاذْكُرُوا} نعمة الله عليكم {إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ} أي: نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل، والصحة، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، وإدرار الأرزاق وكثرة النسل.{وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات، ولا في ربوعهم إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة.{وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا} وهم الجمهور منهم. {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} فينصر المحق، ويوقع العقوبة على المبطل

      {94، 95} {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} .يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ} يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله {بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا {لَعَلَّهُمْ} إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق.{ثُمَّ} إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم.{بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء {حَتَّى عَفَوْا} أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة الله وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء. {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة -[298]- يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب {بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم الله، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.


      {96 - 99} {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} .
      لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارا، وبالسراء استدراجا ومكرا، ذكر أن أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانا صادقا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرا وباطنا بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا {فأخذناهم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .
      {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} أي: المكذبة، بقرينة السياق {أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} أي: عذابنا الشديد {بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} أي: في غفلتهم، وغرتهم وراحتهم.{أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي: أي شيء يؤمنهم من ذلك، وهم قد فعلوا أسبابه، وارتكبوا من الجرائم العظيمة، ما يوجب بعضه الهلاك؟!
      {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم، إن كيده متين، {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} فإن من أمن من عذاب الله، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان.بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة

      {100 - 102} {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} .
      يقول تعالى منبها للأمم الغابرين بعد هلاك الأمم الغابرين {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: أو لم يتبين ويتضح للأمم الذين ورثوا الأرض، بعد إهلاك من قبلهم بذنوبهم، ثم عملوا كأعمال أولئك المهلكين؟.أو لم يهتدوا أن الله، لو شاء لأصابهم بذنوبهم، فإن هذه سنته في الأولين والآخرين.وقوله: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} أي: إذا نبههم الله فلم ينتبهوا، وذكرهم فلم يتذكروا، وهداهم بالآيات والعبر فلم يهتدوا، فإن الله تعالى يعاقبهم ويطبع على قلوبهم، فيعلوها الران والدنس، حتى يختم عليها، فلا يدخلها حق، ولا يصل إليها خير، ولا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم.
      {تِلْكَ الْقُرَى} الذين تقدم ذكرهم {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا} ما يحصل به عبرة للمعتبرين، وازدجار للظالمين، وموعظة للمتقين.{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، وأيدهم الله بالمعجزات الظاهرة، والبينات المبينات للحق بيانا كاملا ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئا، {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} أي: بسبب تكذيبهم وردهم الحق أول مرة، ما كان الله ليهديهم -[299]- للإيمان، جزاء لهم على ردهم الحق، كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} عقوبة منه. وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم.{وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} أي: وما وجدنا لأكثر الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل من عهد، أي: من ثبات والتزام لوصية الله التي أوصى بها جميع العالمين، ولا انقادوا لأوامره التي ساقها إليهم على ألسنة رسله.
      {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} أي: خارجين عن طاعة الله، متبعين لأهوائهم بغير هدى من الله، فالله تعالى امتحن العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأمرهم باتباع عهده وهداه، فلم يمتثل لأمره إلا القليل من الناس، الذين سبقت لهم من الله سابقة السعادة.وأما أكثر الخلق فأعرضوا عن الهدى، واستكبروا عما جاءت به الرسل، فأحل الله بهم من عقوباته المتنوعة ما أحل {103 - 171} {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} . إلى آخر قصته  .أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير {فَظَلَمُوا بِهَا} بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:{وَقَالَ مُوسَى} حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.{يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله  فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.   فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من اللّه واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله اللّه على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.   فـ {قَالَ} لَهُمْ {فِرْعَوْنَ} متهددا على الإيمان: {آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} وقال هنا: {آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.ثم موه على قومه وقال: {إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا} أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.ثم توعدهم فرعون بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما أحل بكم من العقوبة.{لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.{ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ} في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه {أَجْمَعِينَ} أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.{وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا} أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب {إِلا أَنْ آمَنَّا} بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (1) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ} أي: أفض {عَلَيْنَا صَبْرًا} أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.{وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.{وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.فـ {قَالَ} فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (2) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.فـ {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ} أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم {وَاصْبِرُوا} أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.{إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ} ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها {يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} -[301]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، {وَالْعَاقِبَةُ} الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.{قَالُوا} لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا} فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا {وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} كذلك فـ {قَالَ} لهم موسى مرجيا [لهم] (3) الفرج والخلاص من شرهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ} أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} أي: بالدهور والجدب، {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد    {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} أي: الخصب وإدرار الرزق {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: قحط وجدب {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.قال الله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل {أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أي: فلذلك قالوا ما قالوا.{وَقَالُوا} مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا {وَالْجَرَادَ} فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم {وَالْقُمَّلَ} قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف {وَالضَّفَادِعَ} فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة {وَالدَّمَ} إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.{آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق {فَاسْتَكْبَرُوا} لما رأوا الآيات {وَكَانُوا} في سابق أمرهم {قَوْمًا مُجْرِمِينَ} فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها {قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ} أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} .وقال هنا: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[302]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله {مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا} والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} حين قال لهم موسى: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .{وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}    {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} بد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.{فَأَتَوْا} أي: مروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.فـ {قَالُوا} من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.فـ {قَالَ} لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "ولهذا قال لهم موسى {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.{قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا} أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: من فرعون وآله {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ} النجاة من عذابهم {بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وَأَصْلِحْ} أي: اتبع طريق الصلاح {وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وهم الذين يعملون بالمعاصي.{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} الذي وقتناه له لإنزال الكتاب {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.فـ {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ} اللَّهِ {لَنْ تَرَانِي} أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} إذا تجلى الله له {فَسَوْفَ تَرَانِي} .{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} الأصم الغليظ {جَعَلَهُ دَكًّا} أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (1) {وَخَرَّ مُوسَى} حين رأى ما رأى {صَعِقًا} فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (2) {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك {تُبْتُ إِلَيْكَ} من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:     يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، بِرِسَالاتِي التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
      وَبِكَلامِي إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله على ما خصك وفضلك.
      وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه العباد مَوْعِظَةً ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر اللّه - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
      سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ بعد ما أهلكهم اللّه، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
      وأما غيرهم، فقال عنهم: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: يتكبرون على عباد اللّه وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه اللّه خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
      وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم للّه ورسوله، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى اللّه، وإلى دار كرامته لا يَتَّخِذُوهُ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ فردهم لآيات اللّه، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
      وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
      وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات اللّه، والتصديق بجزائه هَلْ يُجْزَوْنَ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
      وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار لَهُ خُوَارٌ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
      وقال هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ «
      » ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام اللّه، فقد أنكر خصائص إلهية اللّه تعالى، لأن اللّه ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
      وَلَمَّا رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي: من الهم والندم على فعلهم، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا فتنصلوا، إلى اللّه وتضرعوا و قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، وَيَغْفِرْ لَنَا ما صدر منا من عبادة العجل لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والآخرة.     {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي} أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة {وَأَلْقَى الألْوَاحَ} أي: رماها من الغضب {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} هارون ولحيته {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} وقال له: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} لك بقولي: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} فـ {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} -[304]- و {قَالَ} هنا {ابْنَ أُمَّ} هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} أي: احتقروني حين قلت لهم: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} {وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} أي: فلا تظن بي تقصيرا {فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ} بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة {وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فتعاملني معاملتهم.فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.و {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي} هارون {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.{وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} أي: إلها {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (1) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ} من شرك وكبائر، وصغائر {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا} بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا {وَآمنُوا} بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، {لَغَفُورٌ} يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض {رَحِيمٌ} بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ {أَخَذَ الألْوَاحَ} التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة {وَفِي نُسْخَتِهَا} أي: مشتملة ومتضمنة {هُدًى وَرَحْمَةٌ} أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.{و} لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم {اخْتَارَ مُوسَى} منهم {سَبْعِينَ رَجُلا} من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ {أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} فصعقوا وهلكوا.فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ} أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: {إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -- ذنوبهم.     وقال موسى في تمام دعائه {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.{وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} :وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.{قَالَ} الله تعالى {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} المعاصي، صغارها وكبارها.{وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الواجبة مستحقيها {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ} احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.{الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ} باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.{وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} من المطاعم والمشارب، والمناكح.{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ} أي: عظموه وبجلوه {وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ} وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.{لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، {يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قطعا.{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ} إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.   {160} {وَقَطَّعْنَاهُمُ} أي: قسمناهم {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة.{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنهم - والله أعلم - في محل قليل الماء.فأوحى الله لموسى إجابة لطلبتهم {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} يحتمل أنه حجر معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه {فَانْبَجَسَتْ} أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} جارية سارحة.{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم.{وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ} فكان يسترهم من حر الشمس {وَأَنزلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ} وهو الحلوى، {وَالسَّلْوَى} وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع الله لهم بين الظلال، والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة.وقيل لهم: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا} حين لم يشكروا الله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم.{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.  وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد.
      فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: لنعذر فيهم.
      وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم.   وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.
      فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم.
      أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهكذا سنة اللّه في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
      وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الذين اعتدوا في السبت بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي: شديد بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
      وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون.   فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة.   {166} {فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ} أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، {قُلْنَا لَهُمْ} قولا قدريا: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فانقلبوا بإذن الله قردة، وأبعدهم الله من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال:   فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ( 166 ) أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ( 167 ) أي: أعلم إعلاما صريحا: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي: يهينهم، ويذلهم. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ.  وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا ( 168 - 170 ) أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، وَبَلَوْنَاهُمْ على عادتنا وسنتنا، بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ أي: بالعسر واليسر.
      لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابَ وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة.
      يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة.
      فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه.
      فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه [ تعالى ] في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم.
          ( و ) الحال أنهم قد ( دَرَسُوا مَا فِيهِ ) فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا قال: وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات.
      أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
      وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟
      وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم.
      ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة.   ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات.
      ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
      وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم.   {171} ثم قال تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} حين امتنعوا من قبول ما في التوراة.فألزمهم الله العمل ونتق فوق رءوسهم الجبل، فصار فوقهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} وقيل لهم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} أي: بجد واجتهاد.{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} دراسة ومباحثة، واتصافا بالعمل به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إذا فعلتم ذلك {172 -174} {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .يقول تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن.{و} حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم {أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم.قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم.فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا {قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن الله تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون.فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة لله عليكم.أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: {إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم.{أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} فقد أودع الله في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه.نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج الله وبيناته، وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات.وقد قيل: إن هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذرية آدم، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى، والواقع شاهد بذلك.فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين أخرج الله ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج الله عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟ " ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} أي: نبينها ونوضحها، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى ما أودع الله في فطرهم، وإلى ما عاهدوا الله عليه، فيرتدعون عن القبائح. { 178-175} {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} . يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} -[309]- أي: علمناه كتاب الله، فصار العالم الكبير والحبر النحرير.{فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس.فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا.{فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} بعد أن كان من الراشدين المرشدين.وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه.{وَلَكِنَّهُ} فعل ما يقتضي الخذلان، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} وترك طاعة مولاه، {فَمَثَلُهُ} في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا، حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا.{ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على الله، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من الله.{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا.{سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه الله آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره الله، فقص الله قصته تنبيها للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل من آتاه الله آياته فانسلخ منها.وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان.ثم قال تعالى مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ} بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم {فَهُوَ الْمُهْتَدِي} حقا لأنه آثر هدايته تعالى، {وَمَنْ يُضْلِلِ} فيخذله ولا يوفقه للخير {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين  
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182787
    • إجمالي المشاركات
      2536772
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×