اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58835
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180895
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8480
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53246
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29728
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32403
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38764 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 1565 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ كتب في اللَّوحِ المحفوظ




      الفرعُ الأوَّلُ: أدِلَّةٌ مَرتبةِ الكِتابةِ

      دلَّت كثيرٌ من نصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ اللهَ كتب كُلَّ شَيءٍ في اللَّوحِ المَحفوظِ.
      أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القُرآنِ الكريمِ:
      1- قال اللهُ تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70] .
      قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: ألم تعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ ما في السَّمَواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبعِ، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ، وهو حاكِمٌ بين خَلْقِه يومَ القيامةِ، على عِلمٍ منه بجميعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا، فمُجازي المحسِنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه. إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّ عِلْمَه بذلك في كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذي كتب فيه رَبُّنا جَلَّ ثناؤه قبل أن يخلُقَ خَلْقَه ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ)( .
      وقال ابنُ كثيرٍ: (يخبِرُ تعالى عن كَمالِ عِلْمِه بخَلقِه، وأنَّه محيطٌ بما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ، فلا يَعزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرُ من ذلك ولا أكبَرُ، وأنَّه تعالى عَلِم الكائناتِ كُلَّها قبل وجودِها، وكتب ذلك في كتابِه اللَّوحِ المَحفوظِ، كما ثبت في صحيحِ مسلمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ ))( .
      وفي السُّنَنِ من حديثِ جماعةٍ من الصَّحابةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أوَّلُ ما خلقَ اللهُ القَلَمُ، قال له: اكتُبْ، قال: وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائِنٌ. فجرى القَلَمُ بما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ ))( .
      ... وهذا من تمامِ عِلْمِه تعالى أنَّه عَلِمَ الأشياءَ قبل كَونِها، وقدَّرها وكتبها أيضًا، فما العبادُ عامِلون قد عَلِمه تعالى قبل ذلك، على الوَجهِ الذي يفعلونه، فيَعلَمُ قبل الخَلْقِ أنَّ هذا يطيعُ باختياره، وهذا يعصي باختيارِه، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وهو سهلٌ عليه، يسيرٌ لديه؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
      2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل: 75] .
      قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وَمَا مِنْ مَكتومِ سِرٍّ وخَفِيِّ أمرٍ يَغيبُ عن أبصارِ النَّاظرين فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ وهو أمُّ الكتابِ الذي أثبت رَبُّنا فيه كُلَّ ما هو كائِنٌ من لَدُنِ ابتدأ خَلْقَ خَلْقِه إلى يومِ القيامةِ)( .
      3- قال اللهُ تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61] .
      قال السَّعديُّ: (أي: قد أحاط به عِلمُه، وجرى به قَلَمُه.
      وهاتان المرتبتانِ من مراتِبِ القَضاءِ والقَدَرِ، كثيرًا ما يقرِنُ اللهُ بينهما، وهما: العِلْمُ المحيطُ بجميعِ الأشياءِ، وكتابتُه المحيطةُ بجميعِ الحوادِثِ، كقَولِه تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
      4- قال اللهُ سُبحانَه في قِصَّةِ أَسرى بَدرٍ: لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 68] .
      أي: لولا قضاءٌ من اللهِ سبَقَ لكم -يا أهلَ بَدرٍ- في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّ اللهَ مُحِلٌّ لكم الغَنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ مِن الكُفَّارِ، وبأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا شَهِدَ بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ مِن كفَّارِ قُريشٍ عذابٌ عَظيمٌ( .
      5- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] .
      قال الشنقيطيُّ: (ذكَرَ جَلَّ وعلا في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ كُلَّ ما أصاب من المصائِبِ في الأرضِ؛ كالقَحطِ والجَدْبِ، والجوائِحِ في الزِّراعةِ والثِّمارِ، وفي الأنفُسِ من الأمراضِ والموتِ؛ كُلُّه مكتوبٌ في كتابٍ قبل خَلقِ النَّاسِ، وقبل وُجودِ المصائِبِ)( .
      ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ النبَوِيَّةِ:
      1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ))( .
      قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (أي: أثبَتَها في اللَّوحِ المَحفوظِ، كما قُلْناه آنِفًا، أو فيما شاء، فهو توقيتٌ للكَتْبِ لا للمقاديرِ؛ لأنها راجعةٌ إلى عِلمِ اللهِ تعالى وإرادتِه، وذلك قديمٌ لا أوَّلَ له... ويحتَمِلُ أن يكونَ ذِكرُ الخمسين ألفًا جاء مجيءَ الإغياءِ في التكثيرِ، ولم يُرَدْ عَينُ ذلك العددِ، فكأنَّه قال: كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ هذا العالمِ بآمادٍ كثيرةٍ، وأزمانٍ عديدةٍ، وهذا نحوٌ ممَّا قُلْناه في قَولِه تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والأوَّلُ أظهَرُ وأَولى)( .
      وقال النوويُّ: (قال العُلَماءُ: المرادُ تحديدُ وَقتِ الكتابةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ أو غيرِه، لا أصلُ التقديرِ؛ فإنَّ ذلك أَزَليٌّ لا أوَّلَ له)( .
      2- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ( فَنَكَّسَ( فَجَعَلَ يَنْكُتُ( بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً. قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى وصَدَّقَ بالحُسْنَى الآيَةَ))( .
      قال ابنُ حَجَرٍ: (هذا الحديثُ أصلٌ لأهلِ السُّنَّةِ في أنَّ السَّعادةَ والشَّقاءَ بتقديرِ اللهِ القديمِ، وفيه ردٌّ على الجَبريَّةِ؛ لأنَّ التيسيرَ ضِدُّ الجَبرِ؛ لأنَّ الجَبْرَ لا يكونُ إلَّا عن كُرهٍ، ولا يأتي الإنسانُ الشَّيءَ بطريقِ التيسيرِ إلَّا وهو غيرُ كارهٍ له... وفي أحاديثِ هذا البابِ أنَّ أفعالَ العبادِ وإن صدَرَت عنهم لكِنَّها قد سبق عِلمُ اللهِ بوُقوعِها بتقديرِه، ففيها بطلانُ قَولِ القَدَريَّةِ صَريحًا. واللهُ أعلَمُ)( .
      3- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جَاءَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيما العَمَلُ اليَومَ؟ أَفِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ، وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ، أَمْ فِيما نَسْتَقْبِلُ؟ قالَ: لَا، بَلْ فِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ. قالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بشيءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: ما قالَ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ))( .
      قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (مقتضى هذا السُّؤالِ أنَّ ما يصدُرُ عنَّا من الأعمالِ، وما يترتَّبُ عليها من الثَّوابِ والعِقابِ، هل سبق عِلمُ اللهِ تعالى بوقوعِه، فنَفَذَت به مشيئتُه، أوْ ليس كذلك، وإنما أفعالُنا صادرةٌ عنا بقُدرتِنا ومشيئتِنا، والثوابُ والعِقابُ مُرَتَّبٌ عليها بحسَبِها؟ وهذا القِسمُ الثَّاني هو مَذهَبُ القَدَريَّةُ، وقد أبطل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا القِسمَ بقَولِه: لا، بل فيما جفَّت به الأقلامُ، وجرت به المقاديرُ. أي: ليس الأمرُ مُستأنَفًا، بل قد سبق به عِلمُ اللهِ، ونفَذَت به مشيئتُه، وجَفَّت به أقلامُ الكَتَبةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ)( .
      وقال النوويُّ: ( ((جَفَّت به الأقلامُ)) أي: مضت به المقاديرُ وسبق عِلمُ اللهِ تعالى به وتمَّت كتابتُه في اللَّوحِ المَحفوظِ وجَفَّ القَلَمُ الذي كتب به وامتنَعَت فيه الزيادةُ والنقصانُ. قال العُلَماءُ: وكتابُ اللهِ تعالى ولَوحُه وقَلَمُه والصُّحفُ المذكورةُ في الأحاديثِ كُلُّ ذلك مما يجِبُ الإيمانُ به، وأما كيفيَّةُ ذلك وصِفَتُه فعِلْمُها إلى اللهِ تعالى، ولا يحيطون بشيءٍ من عِلمِه إلَّا بما شاء. واللهُ أعلَمُ)( .
      4- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال لابنِه: يا بُنَيَّ، إنَّك لن تَجِدَ طَعمَ حقيقةِ الإيمانِ حتى تعلَمَ أنَّ ما أصابَك لم يكُنْ لِيُخْطِئَك، وما أخطَأَك لم يكُنْ لِيُصيبَك، سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ أوَّلَ ما خلَقَ اللهُ تعالى القَلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ربِّ، وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ))، يا بُنَيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن ماتَ على غيرِ هذا فليس مِنِّي ))( .
      قال ابنُ رسلان: (يعني: كتب كُلَّ ما يكونُ إلى يومِ القيامةِ، أي: جرى على اللَّوحِ المَحفوظِ بذلك)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (كتب في اللَّوحِ المَحفوظِ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ، فما من شيءٍ كان أو يكونُ إلَّا وهو مكتوبٌ مُقَدَّرٌ قبل أن يكونَ)( .
      ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في هذه المَرتبةِ:
      1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى أمر القَلَمَ بأن يَكتُبَ، فقال القلَمُ: ماذا أكتبُ يا رَبِّ؟ فقال اللهُ تعالى: اكتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ لقَولِه تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
      2- سأل رجلٌ مالكًا فقال: الفواحِشُ، كتبها اللهُ علينا؟ قال: نعم، قبل أن يخلُقَنا. ولا بدَّ لكُلِّ من كَتَب اللهُ عليه ذلك أن يعمَلَها، ويصيرَ إلى ما قدَّر عليه وكَتَب( .
      3- قال حَنبَلُ بنُ إسحاقَ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ عن الإيمانِ بالقَدَرِ؟ قال: نؤمِنُ به، ونعلَمُ أنَّ ما أصابنا لم يكُنْ يخطِئُنا، وما أخطأنا لم يكُنْ ليصيبَنا، وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قدَّر كُلَّ شَيءٍ من الخيرِ والشَّرِّ، فهو سابِقٌ في اللَّوحِ المَحفوظِ، الشَّقاءُ والسعادةُ مكتوبان على ابنِ آدمَ قبل أن يُخلَقَ، ونحن في أصلابِ الآباءِ)( .
      4- قال أبو الحسَنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم، وأثبت في اللَّوحِ المَحفوظِ جميعَ ما هو كائِنٌ منهم إلى يومِ يُبعثون، وقد دَلَّ على ذلك بقَولِه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
      5- قال ابنُ تيميَّةَ: (اللهُ تعالى يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لا يكونُ أنْ لو كان كيف كان يكونُ، وهو سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ وكتب أعمالَ العبادِ قبل أن يعمَلوها، كما ثبت ذلك في صريحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وآثارِ السَّلَفِ، ثمَّ إنه يأمُرُ الملائكةَ بكتابتِها بعد ما يعملونها؛ فيقابِلُ به الكتابةَ المتقَدِّمةَ على الوجودِ، والكتابةَ المتأخِّرةَ عنه، فلا يكونُ بينهما تفاوُتٌ. هكذا قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه من السَّلَفِ، وهو حَقٌّ)( .
      6- قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] : (أي: هيَّأناهم لها، وبعَمَلِ أهلِها يعمَلون، فإنَّه تعالى لما أراد أن يخلُقَ الخلائِقَ، عَلِمَ ما هم عاملون قبل كَونِهم، فكتب ذلك عنده في كتابٍ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، كما ورد في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ))( )( .
      7- قال ابنُ باز: (كتابةُ الأشياءِ التي أوجدها سُبحانَه أو سيوجِدُها أمرٌ معلومٌ جاءت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فعلينا أن نؤمِنَ بذلك ونعتَقِدَ أنَّ اللهَ كتب الأشياءَ كُلَّها وعَلِمَها وأحصاها، لا تخفى عليه خافيةٌ)( .




      الفرعُ الثَّاني: أنواعُ التقاديرِ المتعَلِّقةِ بمَرتَبةِ الكتابةِ

      تمهيدٌ:
      قال ابنُ القَيِّمِ في مقدِّمةِ كتابِه ((شِفاء العليل)): (سمَّيتُه: «شِفاءَ العليل في مسائِلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليل». وجعلتُه أبوابًا:
      «البابُ الأوَّلُ: في تقديرِ المقاديرِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ».
      «البابُ الثاني: في تقديرِ الرَّبِّ تعالى شقاوةَ الِعبادِ وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم قبل خَلقِهم وهو تقديرٌ ثانٍ بعد الأوَّلِ».
      «البابُ الثَّالِثُ: في ذِكرِ احتجاجِ آدَمَ وموسى في ذلك وحُكْمِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآدَمَ».
      «البابُ الرَّابعُ: في ذِكرِ التقديرِ الثَّالِثِ والجنينُ في بطنِ أمِّه».
      «البابُ الخامسُ: في التقديرِ الرَّابعِ ليلةَ القَدْرِ».
      «البابُ السَّادسُ: في ذِكرِ التقديرِ الخامِسِ اليوميِّ»... وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيل من التقديرِ السَّابِقِ، وفي ذلك دليلٌ على كمالِ عِلمِ الرَّبِّ وقُدرتِه وحِكمتِه، وزيادةُ تعريفٍ لملائكتِه وعبادِه المؤمنين بنَفسِه وأسمائِه، وقد قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .
      وأكثَرُ المفَسِّرين على أنَّ هذا الاستنساخَ من اللَّوحِ المَحفوظِ، فتستنسِخُ الملائكةُ ما يكونُ من أعمالِ بني آدَمَ قبل أن يَعمَلوها، فيَجِدون ذلك موافِقًا لِما يعملونه، فيُثبِتُ اللهُ تعالى منه ما فيه ثوابٌ أو عِقابٌ، ويَطرَحُ منه اللَّغْوَ)( .
      وقال حافِظٌ الحَكَميُّ في الإيمانِ بكتابةِ المقاديرِ: (يدخُلُ في ذلك خمسةٌ من التقاديرِ كُلُّها ترجِعُ إلى العِلْمِ:
      التقديرُ الأوَّلُ: كتابةُ ذلك قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، عندما خلق اللهُ القَلَمَ، وهو التقديرُ الأزَليُّ.
      الثاني: التقديرُ العُمريُّ، حين أخذ الميثاقَ يومَ قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] .
      الثَّالِثُ: التقديرُ العُمريُّ أيضًا عند تخليقِ النُّطفةِ في الرَّحمِ.
      الرَّابعُ: التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
      الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ، وهو تنفيذُ كُلِّ ذلك إلى مواضِعِه)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (التقاديرُ خمسةُ أنواعٍ:
      النوعُ الأوَّلُ: التقديرُ العامُّ، وهو المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ الذي كان قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ...
      النوعُ الثاني: تقديرُ أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وأعمالِهم قبل أن يخلُقَهم.
      النوعُ الثَّالِثُ: تقديرُ ما ذُكِر على الجنينِ في بَطنِ أمِّه...
      النوعُ الرَّابعُ: التقديرُ السَّنويُّ، وهو ما يكونُ ليلةَ القَدْرِ.
      النوعُ الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ.
      فالتقديراتُ خمسةٌ: يوميٌّ، وحَوليٌّ، وعُمريٌّ عند تعلُّقِ النَّفسِ بالبدَنِ وعند تخليقِه، وتقديرٌ قبل وجودِ ابنِ آدمَ بعد خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وتقديرٌ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وكُلُّ هذه تفاصيلُ للتقديرِ السَّابقِ)( .
      1- كتابةُ مقاديرِ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرض بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ
      دليلُه:
      عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ ))( .
      قال الثعلبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] : (إِلَّا فِي كِتَابٍ يعني: اللَّوحَ المَحفوظَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا: من قبلِ أن نخلُقَ الأرضَ والأنفُسَ)( .
      وقال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه تعالى: إِلَّا فِي كِتَابٍ معناه: إلَّا والمصيبةُ في كتابٍ. و: نَبْرَأَهَا معناه: نخلُقها، يقال: برأ اللهُ الخَلْقَ: أي: خلَقَهم، والضميرُ عائدٌ على المصيبةِ، وقيل: على الأرضِ، وقيل: على الأنفُسِ، قاله ابنُ عَبَّاسٍ وقتادةُ وجماعةٌ، وذكر المهدويٌّ جوازَ عودِ الضَّميرِ على جميعِ ما ذُكِرَ، وهي كُلُّها معانٍ صِحاحٍ؛ لأنَّ الكتابَ السَّابِقَ أزليٌّ قبل هذه كُلِّها)( .
      وعقد البيهقيُّ في كتابِه ((القَضاء والقَدَر)) عدَّةَ أبوابٍ:
      منها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه قدَّر المقاديرَ كُلَّها قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ، قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، فأخبر أن كُلَّ شيءٍ خلقه إنما هو بحسَبِ ما قدَّره قبل أن يَخلُقَه، فجرى الخَلْقُ على ما قدَّر، وجرى القَدَرُ على ما عَلِمَ...).
      ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ كتب المقاديرَ كُلَّها في الذِّكرِ، وهو المرادُ بتقديرِ المقاديرِ على ما لم يَزَلْ به عالِمًا...).
      ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ القَلَمَ لَمَّا جرى بما هو كائِنٌ، كان فيما جرى...)( .
      وقال القرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (قال ابنُ عبَّاسٍ: «طائِرَه» عَمَلَه وما قُدِّر عليه من خيرٍ وشَرٍّ، وهو ملازِمُه أينما كان، وقال مقاتِلٌ والكلبيُّ: خَيرُه وشَرُّه معه، لا يفارقُه حتى يحاسَبَ به... وقال الحسَنُ: «أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ» أي: شقاوتَه وسعادتَه، وما كُتِب له من خيرٍ وشَرٍّ، وما طار له من التقديرِ، أي: صار له عند القِسمةِ في الأزَلِ)( .
      وقال ابنُ تيميَّةَ: (يجِبُ الإيمانُ أنَّ اللهَ عَلِم ما سيكونُ كُلُّه قبل أن يكونَ، ويجِبُ الإيمانُ بما أخبر به من أنَّه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكونَ، كما في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ))( وفي صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((كان اللهُ ولا شيءَ غَيرُه، وكان عَرشُه على الماءِ، وكتب في الذِّكرِ كُلَّ شَيءٍ، وخَلَق السَّمَواتِ والأرضَ ))( وفي لفظ: ((ثمَّ خلق السَّمَواتِ والأرضَ))( )( .
      وقال أيضًا: (هؤلاء جميعُهم سبقت لهم عند اللهِ السَّوابقُ، وكتب اللهُ مقاديرَهم قبل أن يَخلُقَهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيدٍ بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وإلى شَقيٍّ بالكُفرِ والفِسقِ والعِصيانِ)( .
      وقال أيضًا: (وأمَّا كَونُ الأشياءِ معلومةً للهِ قبل كونِها: فهذا حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وكذلك كونُها مكتوبةً عنده أو عند ملائكَتِه، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وجاءت به الآثارُ)( .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وعرشُه على الماءِ))... وفيه دليلٌ على أنَّ خَلْقَ العَرشِ سابِقٌ على خَلقِ القَلَمِ. وهذا أصحُّ القولَينِ... وكتابةُ القَلَمِ للقَدَرِ كان في السَّاعةِ التي خُلِق فيها.. هذا الذي كتبه القَلَمُ هو القَدَرُ)( .
      وقال ابنُ أبي العزِّ: (قد سبق عِلمُه بالكائناتِ، وأنَّه قدَّر مقاديرَها قبل خَلقِها، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قَدَّرَ اللهُ مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ))( )( .
      وقال ابنُ باز: (قد سبق في عِلمُه كُلُّ شيءٍ، كما قال عزَّ وجَلَّ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ قال: وعَرشُه على الماءِ))... ولكنَّه عزَّ وجَلَّ لا يؤاخِذُ العبادَ بمقتضى عِلْمِه السَّابِقِ، وإنما يؤاخِذُهم ويثيبُهم على ما يَعلَمُه منهم، بعد عَمَلِهم إيَّاه، ووجودِه منهم في الخارجِ)( .
      وقال أيضًا: (اللهُ سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائقِ، وعَلِم ما هم عاملون، وقدَّر أرزاقَهم وآجالَهم، وكتب ذلك كُلَّه لديه، كما قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا الآية، وقال سُبحانَه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ)( .
      2- تقديرُ أهلِ الجَنَّةِ وأهلِ النَّارِ قبل خَلقِ الخلائِقِ.
      دليلُه:
      1- عن أبي عبدِ اللهِ رَجُلٍ من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (مرِضَ رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ، فدخلَ عليهِ أصحابُهُ يعودونَهُ فبكى، فقيلَ لهُ: ما يبكيكَ يا أبا عبدِ اللَّهِ؟ ألم يقُلْ لكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ: خُذْ مِن شارِبِكَ ثمَّ أَقِرَّهُ حتَّى تلقاني؟ قالَ: بلَى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قبضَ قبضةً بيَمينِهِ وقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي، وقبضَ قبضةً أخرى بيدِهِ الأخرى جلَّ وعلا، فقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي ))، فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا .( (
      2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهِم من نورِهِ يومئذٍ، فمَن أصابَهُ من نورِهِ يومئذٍ اهتَدى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ؛ فلذلِكَ أقولُ: جفَّ القَلَمُ على علمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ))( .
      سُئِلَ ابنُ تيميَّةَ عن حديثِ: ((إنَّ اللهَ قبض قبضتين فقال: هذه للجنَّةِ ولا أُبالي، وهذه للنَّارِ ولا أُبالي)): فهل هذا الحديثُ صحيحٌ؟ واللهُ قبضَها بنَفْسِه أو أمر أحَدًا من الملائكةِ بقَبضِها؟ والحديثُ الآخَرُ في أنَّ اللهَ لَمَّا خلق آدمَ أراه ذريَّتَه عن اليمينِ والشِّمالِ، ثم قال: هؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهذا في الصحيحِ.
      فأجاب: (نعم، هذا المعنى مشهورٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من وجوهٍ متعَدِّدةٍ؛ مِثلُ ما في موطَّأِ مالكٍ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغيرِه عن مُسلِمِ بنِ يَسارٍ، وفي لفظٍ عن نُعَيمِ بنِ ربيعةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عن هذه الآيةِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ... الآية، فقال عُمَرُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي لفظٍ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ عنها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ خلق آدَمَ ثم مسح ظَهْرَه بيمينِه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ يَعمَلونَ، ثم مسح ظَهْرَه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للنَّارِ وبعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعملَونَ، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيم العَمَلُ؟! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ إذا خلق الرَّجُلَ للجنَّةِ استعمله بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُه به الجنَّةَ، وإذا خلق الرَّجُلَ للنَّارِ استعمله بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُه به النَّارَ ". وفي حديثِ الحَكَمِ بنِ سُفيانَ عن ثابتٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ قبض قبضةً فقال: إلى الجنَّةِ برحمتي، وقبض قبضةً فقال: إلى النَّارِ ولا أُبالي" وهذا الحديثُ ونحوه فيه فصلانِ.
      أحدُهما: القَدَرُ السَّابِقُ، وهو أنَّ اللهَ سُبحانَه عَلِمَ أهلَ الجنَّةِ من أهلِ النَّارِ من قبل أن يعمَلوا الأعمالَ، وهذا حَقٌّ يجِبُ الإيمانُ به، بل قد نَصَّ الأئمَّةُ كمالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، أنَّ من جحد هذا فقد كَفَر)( .
      وقال ابنُ كثيرٍ بعد أن ساق رواياتِ الأحاديثِ الواردةِ في قَولِه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172] : (فهذه الأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ من صُلْبِه، ومَيَّز بين أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ)( .
      وقال ابنُ أبي العِزِّ بعد ذِكرِه للأحاديثِ الدَّالَّةِ على هذا التقديرِ: (وفي ذلك أحاديثُ أُخَرُ أيضًا كلُّها دالةٌ على أنَّ اللهَ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ مِن صُلبِه، وميَّز بين أهلِ النَّارِ وأهلِ الجنَّةِ... وقدَّر خلْقَها وأجَلَها وعمَلَها، واستخرج تلك الصُّوَرَ مِن مادَّتِها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروجَ كُلِّ فَردٍ من أفرادِها في وقتِه المقدَّرِ له)( .
      3- التقديرُ العُمريُّ عند أوَّلِ تخليقِ النُّطفةِ فيُكتَبُ رِزقُ الجنينِ، وأجَلُه، وعَمَلُه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ.
      دليلُه:
      حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلك، ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا بأربَعِ كَلِماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأَجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفَخُ فيه الرُّوحُ، فواللهِ الذي لا إلهَ غَيرُه، إنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ فيَدخُلُها، وإنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ فيَدخُلُها ))( .
      وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وكَّل اللهُ بالرَّحِم ِمَلَكًا، فيقولُ: أيْ رَبِّ نُطفةٌ، أيْ رَبِّ عَلَقةٌ، أيْ رَبِّ مُضغةٌ. فإذا أراد اللهُ أن يقضِيَ خَلْقَها، قال: أيْ رَبِّ ذَكَرٌ أم أنثى، أشَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ فما الأجَلُ، فيُكتَبُ كُلُّ ذلك في بَطنِ أمِّه ))( .
      قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانيُّ في حديثِ ابنِ مَسعودٍ المتقَدِّمِ: (وبهذا نأخُذُ، وبه كان يأخُذُ أبو حنيفةَ: الشَّقِيُّ من شَقِيَ في بَطنِ أمِّه، والسَّعيدُ من وُعِظَ بغيرِه)( .
      وقال الآجُرِّي فيه كذلك: (ينبغي لك أيُّها السَّائِلُ أن تعلَمَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد فرغ من أرزاقِ العِبادِ، وأنَّ كُلَّ عَبدٍ مُستوفٍ رِزقَه، لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُصُ منه، وكذا قد فَرَغ من الآجالِ، لا يزدادُ أحدٌ على أجَلِه ولا يُنتَقَصُ منه حتى يأتيَه آخِرُ أجَلِه، وكذا كتب اللهُ عزَّ وجَلَّ عمَلَه الذي يعمَلُ، خيرًا كان أو شرًّا، وكَتَبه شقيًّا أو سعيدًا، فكُلُّ العبادِ يَسْعَون في أمرٍ قد فُرِغ منه، والإيمانُ بهذا واجِبٌ، ومن لم يؤمِنْ به كَفَر)( .
      وقال البيهقيُّ: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ كُلَّ من سبق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه سعيدًا، ثم جرى القَلَمُ بسعادتِه وخرج في المَسحةِ الأُولى من ظَهرِ آدَمَ، وأصابه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وأقَرَّ بالتوحيدِ طَوعًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت الجنَّةُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بطنِ أمِّه سعيدًا، ووُلِد سعيدًا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، ومن سَبَق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه شَقِيًّا، ثم جرى القَلَمُ بشقاوتِه، وخرج في المَسحةِ الأُخرى من ظَهرِ آدمَ، وأخطأه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وامتنع من الإقرارِ بالتوحيدِ، أو أقرَّ به كَرْهًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت النَّارُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بَطنِ أمِّه شَقِيًّا، ووُلِد شقيًّا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ النَّارِ. نعوذُ باللهِ مِنَ النَّارِ)( .
      وقال القُرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (طَائِرَهُ... قال مجاهِدٌ: عَمَلَه ورِزْقَه. وعنه: ما من مولودٍ يُولَدُ إلَّا وفي عُنُقِه وَرقةٌ فيها مكتوبٌ: شَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
      وقال ابنُ تيميَّةَ: (التقديرُ والكتابةُ تكونُ تفصيلًا بعد جملةٍ؛ فاللهُ تعالى لَمَّا قَدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، لم يُظهِرْ ذلك التقديرَ للملائكةِ، ولَمَّا خلق آدَمَ قبل أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ أظهر لهم ما قدَّره كما يَظهَرُ لهم ذلك من كُلِّ مولودٍ)( .
      وقال ابنُ القَيِّمِ بعد ذِكْرِ أحاديثَ وآثارٍ في المسألةِ: (اجتمعت هذه الأحاديثُ والآثارُ على تقديرِ رِزقِ العَبدِ وأجَلِه وشَقاوتِه وسعادتِه، وهو في بَطنِ أمِّه... وهذا تقديرٌ بعد التقديرِ الأوَّلِ السَّابِقِ على خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وبعد التقديرِ الذي وقع يومَ استخراجِ الذرِّيَّةِ بعد خَلقِ أبيهم آدَمَ)( .
      وعَبَّر ابنُ أبي العِزِّ عن هذا التقديرِ بالقَلَمِ الثَّالِثِ، فقال: (الذي دلَّت عليه السُّنَّةُ أنَّ الأقلامَ أربعةٌ)، فذكر الأوَّلَ والثَّانيَ، ثم قال: (القَلَمُ الثَّالِثُ: حين يُرسَلُ الملَكُ إلى الجنينِ في بَطنِ أمِّه، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ. كما ورد ذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ)( .
      وقال ابنُ باز تعليقًا على حديثِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (هذا حديثٌ صحيحٌ رواه البخاريُّ ومسلمٌ في الصحيحِ... فالشَّقيُّ من أهلِ النَّارِ، والسَّعيدُ من أهلِ الجنَّةِ، واللهُ جَلَّ وعلا يكتُبُ أعمالَه كُلَّها، ولا يُمنَعُ في هذا الأمرُ والنَّهيُ؛ فالقَدَرُ ماضٍ في أمرِ اللهِ، ولكِنْ على العبدِ أن يعمَلَ)( .
      وقال أيضًا: (كُلُّ جنينٍ يُكتَبُ في حَقِّه، وهو في رَحِمِ أمِّه، يُكتَبُ له جميعُ ما يحصُلُ له من الحوادِثِ المُستَقبَلةِ: أعمالُه وأقوالُه، وشقاوتُه وسعادتُه وسرورُه، وهو تفصيلٌ أيضًا من القَدَرِ السَّابِقِ)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (هناك تقديراتٌ أُخرى نِسبيَّةٌ؛ منها: تقديريٌّ عُمريٌّ: حين يَبلُغُ الجنينُ في بَطنِ أمِّه أربعةَ أشهُرٍ يُرسَلُ إليه الملَكُ، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويَكتُبُ رِزْقَه وأجَلَه وعمَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
      4- التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
      في ليلةِ القَدْرِ يُكتَبُ من أمِّ الكِتابِ ما يكونُ في السَّنَةِ مِن مَوتٍ وحياةٍ، ورِزقٍ ومَطَرٍ، وما يقومُ به العبادُ من أعمالٍ، ونحوُ ذلك( .
      دليلُه:
      قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القَدَر: 1] .
      وقَولُ اللهِ سُبحانَه: إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: 3-5] .
      عن مجاهدٍ أنَّه قال في قَولِه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: (في ليلةِ القَدْرِ كُلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنَةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يُقَدَّرُ فيها المعايِشُ والمصائِبُ كُلُّها)( .
      عن قتادةَ قال: (هي ليلةُ القَدْرِ فيها يُقضى ما يكونُ من السَّنَة إلى السَّنَةِ)( .
      قال ابنُ جرير: (في هذه الليلةِ المباركةِ يُقضى ويُفصَل كُلُّ أمرٍ أحكمه اللهُ تعالى في تلك السَّنَةِ إلى مِثلهِا من السَّنَةِ الأُخرى)( .
      وقال الزَّجَّاج: (يَفرُقُ اللهُ عزَّ وجَلَّ في ليلةِ القَدْرِ كُلَّ أمرٍ فيه حِكمةٌ مِن أرزاقِ العِبادِ وآجالِهم وجميعِ أمْرِهم الذي يكونُ مؤجَّلًا إلى ليلةِ القَدْرِ التي تكونُ في السَّنَةِ المُقبِلةِ)( .
      وقال أبو اللَّيثِ السَّمَرقَنديُّ: (قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يعني: في ليلةِ القَدْرِ، يُقضى كُلُّ أمرٍ مُحكَمٍ، ما يكونُ في تلك السَّنَةِ إلى السَّنَةِ الأخرى، وهذا قَولُ عِكرِمةَ. وروى منصورٌ عن مجاهِدٍ قال: فيها يُقضى أمرُ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ مِنَ المصائبِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. وهذا موافِقٌ للقَولِ الأوَّلِ. ويقالُ: في تلك الليلةِ يُفرَقُ، يعني: يُنسَخُ من اللَّوحِ المَحفوظِ ما يكونُ إلى العامِ القابِلِ مِنَ الرِّزقِ والأجَلِ والأمراضِ، والخِصْبِ والشِّدةِ. وروى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: إنَّك لَتَلقَى الرَّجُلَ في الأسواقِ وقد وقع اسمُه في الأمواتِ! ثم قرأ هذه الآيةَ)( .
      وقال السَّمرقنديُّ أيضًا: (إنما سُمِّيَت ليلةَ القَدْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُقَدِّرُ في تلك الليلةِ ما يكونُ من السَّنَةِ القابِلةِ من أمرِ الموتِ والأجَلِ والرِّزقِ وغَيرِه)( .
      وقال البيهقيُّ: (إنما قيل ليلةُ القَدْرِ بتسكينِ الدَّالِ؛ لأنَّه لم يُرَدْ به ليلةُ القَضاءِ، فإنَّ القَضاءَ سابِقٌ، وإنما أريدَ به تفصيلُ ما قد جرى به القَضاءُ وتجديدُه؛ ليكونَ ما يُلْقى إلى الملائكةِ في السَّنَةِ مُقَدَّرًا بمقدارٍ يَحصُره عِلْمُهم)( .
      وقال الرَّازي: (اختلفوا في أنَّه لمَ سُمِّيَت هذه اللَّيلةُ ليلةَ القَدْرِ، على وُجوهٍ:
      أحَدُها: أنها ليلةُ تقديرِ الأمورِ والأحكامِ، قال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ قدَّر ما يكونُ في كُلِّ تلك السَّنَةِ من مَطَرٍ ورِزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى مِثلِ هذه الليلةِ من السَّنَةِ الآتيةِ، ونظيرُه قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4] ، واعلَمْ أنَّ تقديرَ اللهِ لا يحدُثُ في تلك الليلةِ، فإنَّه تعالى قدَّر المقاديرَ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ في الأزَلِ، بل المرادُ إظهارُ تلك الليلةَ المقاديرِ للملائكةِ... وهذا القَولُ اختيارُ عامَّةِ العُلَماءِ)( .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (قال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميُّ: يُقَدَّرُ أمرُ السَّنَةِ كُلِّها في ليلةِ القَدْرِ، وهذا هو الصَّحيحُ، إنَّ القَدْرَ مصدَرُ قَدَر الشَّيءَ يَقدُره قَدْرًا، فهي ليلةُ الحُكمِ والتقديرِ. وقالت طائفةٌ: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ الشَّرَفِ والعَظَمةِ، من قَولهم: لفلان قَدْرٌ في النَّاسِ، فإن أراد صاحِبُ هذا القولِ أنَّ لها قَدْرًا وشَرَفًا، مع ما يكونُ فيها من التقديرِ، فقد أصاب، وإن أراد أن معنى القَدْرِ فيها هو الشَّرَفُ والخَطَرُ، فقد غلط؛ إنَّ اللهَ سُبحانَه أخبر أنَّ فيها يُفرَقُ، أي: يَفصِلُ اللهُ ويُبَيِّنُ ويُبرِمُ كلَّ أمرٍ حَكيمٍ)( .
      وقال ابنُ باز: (يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، وهو ما يكونُ في السَّنَةِ، تُقَدَّرُ فيها حوادِثُ السَّنَةِ تفصيلًا من القَدَر السَّابقِ، وهذا من آياتِ اللهِ وحِكمتِه سُبحانَه وتعالى)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (التقديرُ الحَوليُّ: وهو الذي يكونُ في ليلة القَدْرِ، يُكتَبُ فيها ما يكونُ في السَّنَةِ؛ قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] )( .
      5- التقديرُ اليَوميُّ وهو سَوقُ المقاديرِ المكتوبةِ وتنفيذُ كُلِّ ذلك في مواضِعِه المُحَدَّدةِ ووَقْتِه المكتوبِ سابِقًا.
      دليلُه:
      قَولُ اللهِ سُبحانَه: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29].
      قال الثعلبي: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شُؤونٌ يُعيدُها، لا شُؤونٌ يُبدِيها، ومجازُ الآيةِ: سَوقُ المقاديرِ إلى المواقيتِ)( .
      وقال البغوي: (قال المفسِّرون: مِن شأنِه أن يحييَ ويميتَ ويَرزُقَ، ويُعِزَّ قَومًا ويُذِلَّ قَومًا، ويشفيَ مريضًا ويَفُكَّ عانيًا ويُفَرِّجَ مَكروبًا، ويجيبَ داعيًا ويعطيَ سائِلًا ويَغفِرَ ذنبًا، إلى ما لا يُحصى مِن أفعالِه وإحداثِه في خَلْقِه ما يشاءُ)( .
      وقال ابنُ عطية: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: يُظهِرُ شأنًا من قُدرتِه التي قد سبقت في الأزَلِ في ميقاتِه من الزَّمَنِ من إحياءٍ وإماتةٍ ورِفعةٍ وخَفضٍ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي لا يَعلَمُ نهايَتَها إلَّا هو تعالى)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (ومنها التقديرُ اليوميُّ: كما ذكره بعضُ أهلِ العِلْمِ، واستدَلَّ له بقَولِه تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، فهو كُلَّ يومٍ يُغني فقيرًا، ويُفقِرُ غَنِيًّا، ويُوجِدُ مَعدومًا، ويُعدِمُ مَوجودًا، ويَبسُطُ الرِّزقَ ويَقْدِرُه، ويُنشِئُ السَّحابَ والمطَرَ، وغيرَ ذلك)( .



      الفرعُ الثَّالِثُ: معنى المَحْوِ والإثباتِ في الصُّحُفِ

      قال اللهُ تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39] .
      قال السَّعديُّ: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الأقدارِ وَيُثْبِتُ ما يشاءُ منها، وهذا المحوُ والتغييرُ في غيرِ ما سبق به عِلْمُه وكَتَبه قَلَمُه؛ فإنَّ هذا لا يقَعُ فيه تبديلٌ ولا تغييرٌ؛ لأنَّ ذلك محالٌ على اللهِ أن يقَعَ في عِلمِه نَقصٌ أو خَلَلٌ؛ ولهذا قال: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أي: اللَّوحُ المَحفوظُ الذي ترجِعُ إليه سائِرُ الأشياءِ، فهو أصلُها، وهي فُروعٌ له وشُعَبٌ.
      فالتغييرُ والتبديلُ يقعُ في الفُروعِ والشُّعَبِ، كأعمالِ اليومِ واللَّيلةِ التي تكتُبُها الملائكةُ، ويجعَلُ اللهُ لثبوتها أسبابًا ولمحوِها أسبابًا، لا تتعدَّى تلك الأسبابُ ما رُسِمَ في اللَّوحِ المَحفوظِ، كما جعل اللهُ البِرَّ والصِّلَةَ والإحسانَ منْ أسبابِ طُولِ العُمُرِ وسَعةِ الرِّزقِ، وكما جعل المعاصِيَ سَبَبًا لمحْقِ بركةِ الرِّزقِ والعُمُرِ، وكما جعل أسبابَ النجاةِ من المهالِكِ والمعاطِبِ سَببًا للسلامةِ، وجعَل التعَرُّضَ لذلك سببًا للعَطَبِ، فهو الذي يدَبِّرُ الأمورَ بحسَبِ قدرتِه وإرادتِه، وما يُدَبِّرُه منها لا يخالِفُ ما قد عَلِمَه وكتبه في اللَّوحِ المَحفوظِ)( .
      وقال اللهُ سُبحانَه حكايةً لِقَولِ نُوحٍ عليه السَّلامُ لقَومِه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: 3-4] .
      قال ابنُ كثيرٍ: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى أي: يُمِدَّ في أعمارِكم ويدرَأْ عنكم العذابَ الذي إن لم تنزَجِروا عمَّا نهاكم عنه أوقعه بكم.
      وقد يَستدِلُّ بهذه الآيةِ من يقولُ: إنَّ الطاعةَ والبِرَّ وصِلةَ الرَّحِمِ، يُزادُ بها في العُمُرِ حقيقةً، كما ورد به الحديثُ)( .
      عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من سَرَّه أن يُبسَطَ عليه رِزقُه أو يُنسَأَ في أَثَرِه( فلْيَصِلْ رَحِمَه ))( .
      إنَّ الأقدارَ المكتوبةَ كالرِّزقِ والعُمُرِ على نوعينِ: نوعٌ كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفوظِ، فهذا لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، ونوعٌ أعلَمَ اللهُ به ملائكتَه فهو في صُحُفِهم يزيدُ ويَنقُصُ بحسَبِ الأسبابِ، فالمَلَكُ لا يَعلَمُ أيزادُ له في ذلك أم يُنقَصُ، لكِنَّ اللهَ يَعلَمُ بسابقِ عِلمِه ما يستقِرُّ عليه الأمرُ.
      قال ابنُ العربيِّ في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه... ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ، ويُقالُ له: اكتُبْ عَمَلَه ورِزْقَه وأجَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ ))( : (قَولُه: ((ويُؤمَرُ)) هذه الفائِدةُ العُظمى؛ لأنَّه لو أخبر فقال: أجَلُه كذا ورِزْقُه كذا، وهو شَقِيٌّ أو سعيدٌ، ما تغيَّرَ خَبَرُه أبدًا؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ لا يجوزُ أن يُوجَدَ بخِلافِ مُخبَرِه؛ لوجوبِ الصِّدقِ له، ولكنَّه يأمُرُ بذلك كُلِّه، وللهِ سُبحانَه أن يَنسَخَ أمْرَه ويُقَلِّبَ ويُصَرِّفَ العِبادَ فيه من وَجهٍ إلى وَجهٍ، فافهَموا هذا؛ فإنَّه نفيسٌ وفيه يقَعُ المحوُ والتبديلُ، وأمَّا في الخبرِ فلا يكونُ ذلك أبدًا، وكذلك يقَعُ المحْوُ في صحائِفِ المَلَكِ ويُرفَعُ إلى ما في أمِّ الكِتابِ، وهو تأويلُ قَولِه: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)( .
      وقال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ اللهَ يكتُبُ للعبدِ أجَلًا في صُحُفِ الملائكةِ، فإذا وصل رَحِمَه زاد في ذلك المكتوبِ. وإن عَمِل ما يوجِبُ النَّقصَ نقص من ذلك المكتوبِ. ونظيرُ هذا ما في الترمذيِّ وغيره عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ آدمَ لَمَّا طلب من اللهِ أن يُريَه صورةَ الأنبياءِ من ذرِّيَّتِه فأراه إيَّاهم فرأى فيهم رجلًا له بصيصٌ، فقال: من هذا يا رَبِّ؟ فقال: ابنُك داودَ. قال: فكم عُمُرُه؟ قال: أربعون سنةً. قال: وكم عمري؟ قال: ألفُ سنةٍ. قال: فقد وهبتُ له من عُمُري سِتِّين سنةً. فكُتِب عليه كِتابٌ وشَهِدت عليه الملائكةُ، فلما حضرَتْه الوفاةُ قال: قد بَقِيَ من عمري ستون سنةً. قالوا: وهَبْتَها لابنِك داودَ. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتابَ. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فنَسِيَ آدَمُ فنَسِيَت ذُرِّيتُه، وجحد آدمُ فجَحَدت ذرِّيَّتُه ( ، ورُوِيَ أنَّه كمَّل لآدَمَ عُمُرَه ولداودَ عُمُرَه. فهذا داودُ كان عمُرُه المكتوبُ أربعين سنةً ثمَّ زادَه سِتِّينَ، وهذا معنى ما رُوِيَ عن عُمَرَ أنَّه قال: اللَّهمَّ إن كنتَ كتَبْتَني شقيًّا فامحُني واكتُبْني سعيدًا؛ فإنَّك تمحو ما تشاءُ وتُثبِتُ( . واللهُ سُبحانَه عالمٌ بما كان وما يكونُ وما لم يكُنْ لو كان كيف كان يكونُ؛ فهو يَعلَمُ ما كتبه له وما يزيدُه إيَّاه بعد ذلك، والملائكةُ لا عِلمَ لهم إلَّا ما عَلَّمهم اللهُ، واللهُ يَعلَمُ الأشياءَ قبل كَونِها وبعد كَونِها؛ فلهذا قال العُلَماءُ: إنَّ المحوَ والإثباتَ في صُحُفِ الملائكةِ، وأمَّا عِلمُ اللهِ سُبحانَه فلا يختَلِفُ)( .
      وقال ابنُ القَيِّمِ مشيرًا إلى هذه المسألةِ في سياقِ حديثِه عن النَّسْخِ في الشريعةِ: (بَيَّن ذلك سُبحانَه وتعالى بقَولِه: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: 106، 107].
      فأخبر سُبحانَه أنَّ عُمومَ قُدرتِه ومُلكِه وتصَرُّفِه في مملكَتِه وخَلْقِه لا يمنَعُه أن ينسَخَ ما يشاءُ، ويُثبِتَ ما يشاءُ، كما أنَّه يمحو من أحكامِه القَدَريَّةِ الكَونيَّةِ ما يشاءُ ويُثبِتُ، فهكذا أحكامُه الدِّينيَّةُ الأمرِيَّةُ، يَنسَخُ منها ما يشاءُ، ويُثبِتُ منها ما يشاءُ)( .
      وقال ابنُ حجَرٍ: (إنَّ الذي سبق في عِلمِ اللهِ لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، وإنَّ الذي يجوزُ عليه التغييرُ والتبديلُ ما يبدو للنَّاسِ مِن عَمَلِ العامِلِ، ولا يَبعُدُ أن يتعلَّقَ ذلك بما في عِلمِ الحَفَظةِ والموكَّلين بالآدَميِّ، فيقَعُ فيه المحوُ والإثباتُ، كالزِّيادةِ في العُمُرِ والنَّقصِ، وأمَّا ما في عِلمِ اللهِ فلا محْوَ فيه ولا إثباتَ، والعِلْمُ عند اللهِ)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (هنا مسألةٌ: هل الكتابةُ تتغَيَّرُ أو لا تتغيَّرُ؟
      الجوابُ: يقولُ رَبُّ العالَمينَ عزَّ وجَلَّ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39] . أي: اللَّوحُ المَحفوظُ ليس فيه محوٌ ولا كتابٌ، فما كُتِب في اللَّوحِ المَحفوظِ فهو كائِنٌ ولا تغييرَ فيه، لكِنْ ما كُتِبَ في الصُّحُفِ التي في أيدي الملائكةِ فهذا: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، قال عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: 114] .
      وفي هذا المقامِ يُنكَرُ على من يقولون: «اللهُمَّ إني لا أسألُك رَدَّ القَضاءِ، ولكِنْ أسألُك اللُّطفَ فيه» فهذا دعاءٌ بِدعيٌّ باطِلٌ،... فالإنسانُ يسألُ اللهَ عزَّ وجَلَّ رَفْعَ البلاءِ نهائيًّا، فيقولُ مَثَلًا: اللهُمَّ عافِنِي، اللهُمَّ ارزُقْني، وما أشبهَ ذلك. وإذا كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شِئْتَ ))( ، فقولك: «اللهُمَّ إني لا أسألُك رَدَّ القَضاءِ، ولكِنْ أسألُك اللُّطفَ فيه» أشَدُّ.
      واعلَمْ أنَّ الدُّعاءَ قد يَرُدُّ القَضاءَ، كما جاء في الحديثِ: لا يَرُدُّ القَدَرَ إلَّا الدُّعاءُ( ، وكم من إنسانٍ افتقر غايةَ الافتقارِ حتى كاد يَهلِكُ، فإذا دعا أجاب اللهُ دعاءَه! وكم من إنسانٍ مرض حتى أَيِسَ من الحياةِ، فيدعو فيستجيبُ اللهُ دُعاءَه! قال اللهُ تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] ، فذكر حالَه يريد أنَّ اللهَ يكشِفُ عنه الضُّرَّ، قال الله: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء: الآية 84])( .






      من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بمشيئةِ اللهِ النَّافِذةِ

      فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا حركةَ ولا سكونَ في السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا بمشيئته سُبحانَه، ولا يكونُ في مُلكِه إلَّا ما يشاءُ، لا يخرُجُ عن ذلك شيءٌ.
      وقد وردت أدِلَّةٌ كثيرةٌ لهذه المرتبةِ من الكِتابِ والسُّنَّةِ.
      أوَّلًا: الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ:
      1- ورد في القُرآنِ الكريمِ تعليقُ الأنبياءِ الأمورَ بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى.
      فلمعرفةِ الأنبياءِ يقينًا بأنَّ مشيئةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ نافذةٌ، كانوا يُرجِعون الأمرَ إلى مشيئتِه سُبحانَه.
      ومن ذلك قَولُ اللهِ تعالى إخبارًا عن نبيِّه شُعَيبٍ عليه السَّلامُ أنَّه قال لقَومِه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: 89] .
      قال السَّعديُّ: (إنَّ عَودَهم فيها -بعد ما هداهم اللهُ- من المحالاتِ بالنَّظَرِ إلى حالتِهم الرَّاهنةِ، وما في قلوبهم من تعظيمِ اللهِ تعالى والاعترافِ له بالعبوديَّةِ، وأنَّه الإلهُ وَحْدَه الذي لا تنبغي العبادةُ إلَّا له وَحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ آلهةَ المُشرِكين أبطَلُ الباطِلِ، وأمحَلُ المحُالِ. وحيث إنَّ اللهَ مَنَّ عليهم بعُقولٍ يعرفون بها الحَقَّ والباطِلَ، والهُدى والضَّلالَ.
      وأمَّا من حيث النَّظَرُ إلى مشيئةِ اللهِ وإرادتِه النَّافذةِ في خَلْقِه، التي لا خروجَ لأحَدٍ عنها، ولو تواترت الأسبابُ وتوافقت القُوى، فإنهم لا يَحكُمون على أنفُسِهم أنهم سيفعلون شيئًا أو يتركونه؛ ولهذا استثنى وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا أي: فلا يمكِنُنا ولا غيرَنا الخروجُ عن مشيئتِه التابعةِ لعِلْمِه وحِكمتِه، وقد وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فيعلَمُ ما يصلُحُ للعبادِ وما يُدَبِّرُهم عليه)( .
      ومن الأمثلةِ على ذلك أيضًا قولُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لقَومِه: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام: 80] .
      قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ: ولكِنْ خوفي من اللهِ الذي خلقَني وخلق السَّمَواتِ والأرضَ؛ فإنَّه إن شاء أن ينالَني في نفسي أو مالي بما شاء من فَناءٍ أو بقاءٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ أو غيرِ ذلك، نالني به؛ لأنَّه القادِرُ على ذلك)( .
      وقال ابنُ عاشور: (وجملةُ: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّه قد يختلِجُ في نفوسِهم: كيف يَشاءُ ربُّك شيئًا تخافُه وأنت تزعُمُ أنَّك قائِمٌ بمرضاتِه ومُؤَيِّدٌ لدينِه؟! فما هذا إلَّا شكٌّ في أمرِك؛ فلذلك فُصِلَت، أي: إنما لم آمَنْ إرادةَ اللهِ بي ضُرًّا وإن كنتُ عبدَه وناصِرَ دينِه؛ لأنَّه أعلَمُ بحِكمةِ إلحاقِ الضُّرِّ أو النَّفعِ بمن يشاءُ من عبادِه. وهذا مقامُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى، فلا يأمَنُ مَكْرَ اللهِ إلَّا القومُ الخاسِرونَ)( .
      وقد أمر اللهُ عزَّ وجَلَّ رسولَه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن لا يقولَ لشَيءٍ إنَّه فاعِلُه في المستقبَلِ حتى يستثنيَ بمشيئةِ اللهِ؛ فإنَّه إن شاء اللهُ فعَلَه، وإن شاء لم يفعَلْه. قال اللهُ تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: 23] ( .
      قال ابنُ القَيِّمِ: (الذي أجمع عليه المفسِّرون: أنَّ أهلَ مكَّةَ سألوا النبيَّ عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكَهفِ، وعن ذي القَرنَينِ، فقال: أُخبِرُكم غدًا. ولم يقُلْ: إن شاء اللهُ. فتلبَّثَ الوحيُ أيَّامًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ)( .
      2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] .
      3- قال اللهُ سُبحانَه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * آل عمران: 6*.
      4- قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] .
      5- قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 36] .
      6- قال اللهُ سُبحانَه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39] .
      7- قال اللهُ تعالى: وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253] .
      8- قال اللهُ سُبحانَه: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس: 99] .
      9- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: 45] .
      ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
      1- عن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كان رسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا جاءه السَّائِلُ أو طُلِبَت إليه حاجةٌ، قال: ((اشفعوا تؤجَروا، ويقضي اللهُ على لسانِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاء ))( .
      2- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ قُلوبَ بني آدَمَ كُلَّها بين أُصبُعَينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، كقَلبٍ واحدٍ يُصَرِّفُه حيث يشاءُ، ثم قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتِك ))( .
      وأمَّا ما جاء عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شِئتَ، ارحمني إن شِئتَ، ارزقني إن شِئتَ، ولْيَعْزِمْ مسألتَه؛ إنَّه يفعَلُ ما يشاءُ لا مُكرِهَ له ))( .
      فقال النوويُّ: (معنى الحديثِ: استحبابُ الجَزمِ في الطَّلَبِ، وكراهةُ التعليقِ على المشيئةِ، قال العُلَماءُ: سَبَبُ كراهتِه أنَّه لا يتحقَّقُ استعمالُ المشيئةِ إلَّا في حَقِّ من يتوجَّهُ عليه الإكراهُ، واللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلك، وهو معنى قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في آخِرِ الحديثِ: فإنَّه لا مُستكرِهَ له. وقيل: سَبَبُ الكراهةِ أنَّ في هذا اللَّفظِ صُورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه)( .
      وقال ابنُ حَجَر: (المرادُ: أنَّ الذي يحتاجُ إلى التعليقِ بالمشيئةِ ما إذا كان المطلوبُ منه يتأتى إكراهُه على الشَّيءِ، فيُخفَّفُ الأمرُ عليه ويُعلَمُ بأنَّه لا يُطلَبُ منه ذلك الشَّيءُ إلَّا برضاه، وأمَّا اللهُ سُبحانَه فهو مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ فليس للتعليقِ فائدةٌ. وقيل: المعنى أنَّ فيه صورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه. والأوَّلُ أَولى)( .
      ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مرتبةِ المَشيئةِ الإلهيَّةِ:
      1- قال مالِكٌ: (ما من شيءٍ أبيَنُ في الرَّدِّ على أهلِ القَدَرِ مِن قَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 30، 31]، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف: 155]، وقال: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] )( .
      وقال ابنُ وَهبٍ: (سَمِعتُ مالِكًا يقولُ لرَجُلٍ: سألْتَني أمسِ عن القَدَرِ؟ قال: نعم، قال: إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] ، فلا بُدَّ من أن يكونَ ما قال اللهُ تعالى)( .
      2- قال الشَّافعيُّ: (وأنَّ للهِ إرادةً، وأنَّه لا يكونُ إلَّا ما أراده عزَّ وجَلَّ، وقضاه وقدَّره، وأنَّ المشيئةَ له دونَ عبادِه بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30] ، فأعلمَ خلْقَه أنَّ المشيئةَ له، وأنشد:
      ما شِئتَ كان وإنْ لم أشَأْ وما شِئتُ إن لم تشَأْ لم يَكُنْ
      خَلَقْتَ العِبادَ على ما عَلِمْتَ ففي العِلمِ يجري الفتى والمُسِنّْ)(
      3- قال ابنُ قُتَيبةَ: (أصحابُ الحديثِ كُلُّهم مُجمِعون على أنَّ ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لا يكونُ)( .
      4- قال حربٌ الكرماني: (من زعم أنَّ اللهَ تبارك وتعالى شاء لعبادِه الذين عَصَوه الخيرَ والطَّاعةَ، وأنَّ العبادَ شاؤُوا لأنفُسِهم الشَّرَّ والمعصيةَ، فعَمِلوا على مشيئتِهم، فقد زعم أنَّ مشيئةَ العِبادِ أغلَبُ من مشيئةِ اللهِ تبارك وتعالى ذِكْرُه، فأيُّ افتراءٍ على اللهِ أكثَرُ مِن هذا؟!)( .
      5- قال ابنُ بطة: (وعليه اتَّفق أهلُ التوحيدِ ممَّن أقرَّ للهِ بالربوبيَّةِ وعلى نَفْسِه بالعبوديَّةِ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ونبيٍّ مرسَلٍ منذ كان الخَلْقُ إلى انقضائِه؛ مجمِعون على أنَّه ليس شيءٌ كان ولا شيءٌ يكونُ في السَّمَواتِ ولا في الأرضِ إلَّا ما أراده اللهُ عزَّ وجَلَّ وشاءه وقضاه)( .
      وقال أيضًا: (اعلموا -رحمكم اللهُ- أنَّ هذه طريقةُ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وبذلك تعَبَّدهم اللهُ، وأخبَرَ به عنهم في كتابِه أنَّ المشيئةَ للهِ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه ليس أحدٌ يشاءُ لنَفسِه شيئًا من خيرٍ وشرٍّ ونَفعٍ وضُرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، إلَّا أن يشاءها اللهُ، وبالتبَرِّي إليه من مشيئتِهم ومِن حَولِهم وقوَّتِهم ومِن استطاعتِهم، بذلك أخبر عن نوحٍ عليه السَّلامُ حين قال له قَومُه: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32] ، فقال نوحٌ عليه السَّلامُ مجيبًا لهم: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود: 33، 34]، فلو كان الأمرُ كما تزعُمُ القَدَريَّةُ كانت الحُجَّةُ قد ظهرت على نوحٍ مِن قَومِه، ولقالوا له: إن كان اللهُ هو الذي يريدُ أن يُغوِيَنا فلِمَ أرسَلَك إلينا؟ ولمَ تَدعُونا إلى خلافِ مُرادِ اللهِ لنا؟ ولو كان الأمرُ كما تزعُمُ هذه الطائفةُ بقَدَرِ اللهِ ومشيئتِه في خَلقِه، وتزعمُ أنَّه يكونُ ما يريدُه العبدُ الضَّعيفُ الذَّليلُ لنَفسِه، ولا يكونُ ما يريدُه الرَّبُّ القَويُّ الجليلُ لعبادِه، فلِمَ حكى اللهُ عزَّ وجَلَّ ما قاله نوحٌ لِقَومِه مُثنيًا عليه وراضِيًا بذلك من قَولِه؟!)( .
      6- قال أبو منصورٍ البغداديُّ: (أجمع أصحابُنا على نفوذِ مشيئةِ اللهِ تعالى في مراداتِه على حَسَبِ عِلْمِه بها، فما عَلِمَ منه حدوثَه أراد حدوثَه، خيرًا كان أو شرًّا، وما عَلِم أنَّه لا يكونُ أراد ألَّا يكونَ، وكُلُّ ما أراد كونَه فهو كائِنٌ في الوقتِ الذي أراد حدوثَه فيه على الوَجهِ الذي أراد كونَه عليه، وكُلُّ ما لم يُرِدْ كَونَه فلا يكونُ، سواءٌ أمر به، أو لم يأمُرْ به)( .
      7- قال ابنُ أبي العِزِّ بعد أن أورد نصوصًا كثيرةً في إثباتِ مشيئةِ اللهِ تعالى: (إلى غيرِ ذلك من الأدِلَّةِ على أنَّه ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. وكيف يكونُ في مُلكِه ما لا يشاءُ؟ ومَن أضَلُّ سبيلًا وأكفَرُ ممَّن يزعُمُ أنَّ اللهَ شاء الإيمانَ من الكافِرِ، والكافِرَ شاء الكُفرَ، فغلبت مشيئةُ الكافِرِ مَشيئةَ اللهِ؟! تعالى اللهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا)( .
      8- قال ابنُ الهُمامِ في تقريرِ أنَّ مشيئةَ اللهِ تعالى عامَّةٌ وشاملةٌ لكُلِّ الحوادثِ: (ولنا إطباقُ الأُمَّةِ من عَهدِ النبُوَّةِ على هذه الكَلِمةِ: (ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ) فانعقد إجماعُ السَّلَفِ على قولِنا؛ ولنا قَولُ اللهِ تعالى: أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: 31]، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: 13] ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] )( .
      9- قال الشنقيطيُّ: (قَولُه تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا الآية.
      صرَّح تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّه لو شاء إيمانَ جميعِ أهلِ الأرضِ لآمنوا كُلُّهم جميعًا، وهو دليلٌ واضِحٌ على أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بمشيئتِه الكَونيَّةِ القَدَريَّةِ، وبَيَّن ذلك أيضًا في آياتٍ كثيرةٍ، كقَولِه تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا الآية، وقَولِه: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وقَولِه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)( .
      وينبغي التنَبُّهُ إلى تَركِ الإتيانِ بعِباراتٍ تَنسُبُ المشيئةَ للقَدَرِ والإرادةِ ونَحوِها.
      قال ابنُ باز: (قَولُ بَعضِ النَّاسِ: «شاءت الأقدارُ» أو: «شاء القَدَرُ» أو: «شاءت إرادةُ اللهِ» أو: «عنايةُ اللهِ» فكلامٌ لا يجوزُ، وفيه سوءُ تعبيرٍ، والصَّوابُ أن يقالَ: «شاء اللهُ سُبحانَه» أو: «شاء ربُّنا سُبحانَه» أو نحو ذلك من العباراتِ التي فيها إسنادُ المشيئةِ للهِ لا إلى صفاتِه)( .
      وقال ابنُ عثيمين: (قول: «شاءت الأقدارُ»، و«شاءت الظُّروفُ» ألفاظٌ مُنكَرةٌ؛ لأنَّ الظروفَ جمعُ ظرفٍ، وهو الزمَنُ، والزَّمَنُ لا مشيئةَ له، وكذلك الأقدارُ جمعُ قَدَرٍ، والقَدَرُ لا مشيئةَ له، وإنما الذي يشاءُ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. نعم لو قال الإنسانُ: «اقتضى قَدَرُ اللهِ كذا وكذا». فلا بأسَ به. أمَّا المشيئةُ فلا يجوزُ أن تضافَ للأقدارِ؛ لأنَّ المشيئةَ هي الإرادةُ، ولا إرادةَ للوَصفِ، إنما الإرادةُ للموصوفِ)( .
      وقال أيضًا: (لا يصِحُّ أن نقولَ: «شاءت قُدرةُ اللهِ» لأنَّ المشيئةَ إرادةٌ، والقُدْرةَ معنًى، والمعنى لا إرادةَ له، وإنما الإرادةُ للمُريدِ، والمشيئةُ لِمن يشاءُ، ولكِنَّنا نقولُ: اقتضت حِكمةُ اللهِ كذا وكذا، أو نقولُ عن الشَّيءِ إذا وقع: هذه قدرةُ اللهِ، أي: مَقدورُه، كما تقولُ: هذا خَلقُ اللهِ، أي: مخلوقُه. وأمَّا أن نضيفَ أمرًا يقتضي الفِعلَ الاختياريَّ إلى القُدْرةِ، فإنَّ هذا لا يجوزُ.
      ومِثلُ ذلك قَولُهم: «شاء القَدَرُ كذا وكذا»، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ القَدَرَ والقُدْرةَ أمرانِ معنويَّانِ ولا مشيئةَ لهما، وإنما المشيئةُ لمن هو قادِرٌ ولِمن هو مُقَدِّرٌ. واللهُ أعلَمُ)( .
      وسُئلت اللجنةُ الدائمةُ عن قصيدةٍ بعنوانٍ: «هي الأقدارُ» جاء فيها:
      هي الأقدارُ تَطعَنُ من تشاءُ برُمحِ الدَّهرِ يُرسِلُه البَلاءُ
      يصيبُ المرءَ في الأوداجِ حِينًا فيَصرَعُه تُضَرِّجُه الدِّماءُ
      هي الأقدارُ نَعرِفُها جميعًا تُدمدِمُها على الأرضِ السماءُ
      لها وَقعٌ على القَلبِ المُعنَّى فيَجثو المرءُ حِيلَتُه البُكاءُ
      هي الأقدارُ إن رَضِيَت علينا سقَتْنا العَذْبَ وانتَفَضَ النَّماءُ
      وإن غَضِبَت علينا لا تُبالي إذا جَفَّت وأجدَبَت السَّماءُ
      فأجابت اللجنةُ: (هذا الكلامُ المذكورُ في هذه القصيدةِ لا يجوزُ؛ لأنَّه يُسنِدُ أفعالَ اللهِ إلى القَدَرِ، والواجِبُ إسنادُ الأمورِ إلى اللهِ مُقَدِّرِ الأقدارِ مع الرِّضا بقضائِه وقَدَرِه، ومحاسبةِ النَّفسِ، والتوبةِ مِنَ الذُّنوبِ؛ لأنها هي التي تُسَبِّبُ العقوباتِ، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)( .






      من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ


      لا يقَعُ في هذا الكونِ شَيءٌ إلَّا واللهُ خالِقُه، ومن ذلك أفعالُ العِبادِ.
      أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القرآنِ الكريمِ:
      1- قال اللهُ تعالى: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16] .
      2- قال اللهُ سُبحانَه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62] .
      3- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: 62] .
      4- قال اللهُ تعالى حكايةً لقَولِ إبراهيمَ عليه السَّلام لقَومِه: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 95-96] .
      ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
      عن حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يصنَعُ كُلَّ صانعٍ وصَنْعَتَه)) وفي لفظٍ: ((إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ صانعٍ وصَنعَتِه ))( .
      قال البخاري: (فأخبر أنَّ الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ)( .
      وأمَّا قَولُ اللهِ تعالى: ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:78-79] ، فقال ابنُ أبي العز: (إن قيل: فكيف الجَمعُ بين قَولِه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قَولِه: فَمِنْ نَفْسِكَ، قيل: قَولُه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: الخِصْبُ والجَدْبُ، والنَّصرُ والهزيمةُ، كُلُّها من عند اللهِ، وقَولُه: فَمِنْ نَفْسِكَ: أي: ما أصابك من سيئةٍ من اللهِ فبذَنبِ نَفْسِك عقوبةً لك، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] . يدُلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه قرأَ: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وأنا كتبتُها عليك.
      والمرادُ بالحسنةِ هنا النِّعمةُ، وبالسَّيِّئةِ البَلِيَّةُ، في أصَحِّ الأقوالِ. وقد قيل: الحسنةُ الطاعةُ، والسيئةُ المعصيةُ. وقيل: الحسنةُ ما أصابه يومَ بدرٍ، والسيئةُ ما أصابه يومَ أحُدٍ. والقولُ الأوَّلُ شامِلٌ لمعنى القولِ الثالثِ. والمعنى الثاني ليس مرادًا دون الأولِ قطعًا، ولكِنْ لا منافاةَ بين أن تكونَ سَيِّئةُ العَمَلِ وسَيِّئةُ الجزاءِ مِن نَفْسِه، مع أنَّ الجميعَ مُقَدَّرٌ، فإنَّ المعصيةَ الثانيةَ قد تكونُ عقوبةَ الأُولى، فتكونُ من سيِّئاتِ الجزاءِ، مع أنها من سَيِّئاتِ العَمَلِ، والحسَنةَ الثانيةَ قد تكونُ من ثوابِ الأُولى، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ. وليس للقَدَريَّةِ أن يحتَجُّوا بقَولِه تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ، فإنهم يقولون: إنَّ فِعْلَ العبدِ -حسنةً كان أو سيئةً- فهو منه لا من اللهِ! والقرآنُ قد فَرَّق بينهما، وهم لا يُفَرِّقون، ولأنَّه قال تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فجعل الحسناتِ من عند اللهِ، كما جعل السيِّئاتِ من عندِ اللهِ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمالِ، بل في الجزاءِ. وقَولُه بعد هذا: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، ومِنْ سَيِّئَةٍ مِثْلُ قَولِه: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.
      وفَرَّق سُبحانَه وتعالى بين الحسَناتِ التي هي النِّعَمُ، وبين السيِّئاتِ التي هي المصائِبُ، فجعل هذه من اللهِ، وهذه من نَفسِ الإنسانِ؛ لأنَّ الحسنةَ مُضافةٌ إلى اللهِ؛ إذ هو أحسَنَ بها من كُلِّ وجهٍ، فما من وَجهٍ من أوجُهِها إلَّا وهو يقتضي الإضافةَ إليه، وأمَّا السَّيِّئةُ فهو إنما يخلُقُها لحِكمةٍ، وهي باعتبارِ تلك الحِكمةِ من إحسانِه، فإنَّ الرَّبَّ لا يفعَلُ سَيِّئةً قطُّ، بل فِعْلُه كُلُّه حَسَنٌ وخيرٌ)( .
      ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مَرتبةِ الخَلْقِ:
      1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ العبدَ مع أعمالِه وإقرارِه ومعرفتِه مخلوقٌ، فلمَّا كان الفاعِلُ مخلوقًا، فأفعالُه أَولى أن تكونَ مخلوقةً)( .
      2- قال الشَّافعي: (النَّاسُ لم يخلُقُوا أعمالَهم، بل هي خَلقٌ من اللهِ تعالى، فِعلٌ للعِبادِ)( .
      3- قال حَنبلٌ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبلٍ، قلتُ: أفاعيلُ العبادِ مخلوقةٌ؟ قال: نعم، مُقَدَّرةٌ عليهم بالشَّقاءِ والسَّعادةِ، قُلتُ له: الشقاءُ والسعادةُ مكتوبان على العبدِ؟ قال: نعم، سابِقٌ في علمِ اللهِ، وهما في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَه، والشقاءُ والسعادةُ من اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
      4- قال البخاري: (سمعتُ عُبيدَ اللهِ بنَ سعيدٍ يقولُ: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: ما زلتُ أسمعُ أصحابَنا يقولون: إنَّ أفعالَ العِبادِ مَخلوقةٌ. قال أبو عبدِ اللهِ يعني: البخاريَّ: حركاتُهم وأصواتُهم واكتسابُهم وكتابتُهم مخلوقةٌ)( .
      5- قال الطحاوي: (أفعالُ العبادِ خَلقُ اللهِ وكَسبٌ من العبادِ)( .
      6- قال أبو الحسنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم)( .
      7- قال أبو بكرٍ الإسماعيليُّ في اعتقادِ أهلِ السُّنَّة: (يقولونَ: إنَّه لا خالِقَ على الحقيقةِ إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ، وأنَّ أكسابَ العبادِ كُلَّها مخلوقةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ يهدي من يشاءُ ويُضِلُّ من يشاءُ، لا حُجَّةَ لِمن أضلَّه اللهُ عزَّ وجَلَّ، ولا عُذرَ، كما قاله اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149] )( .
      8- قال ابنُ أبي زَمَنين: (المقاديرُ كُلُّها: خَيرُها وشَرُّها، حُلوُها ومُرُّها من اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّه خَلَق الخَلْقَ، وقد علم ما يعملون، وما إليه يصيرون، فلا مانِعَ لِما أعطى، ولا معطِيَ لِما منع)( .
      9- قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه لا شريكَ له خالِقُ كُلِّ شَيءٍ غيرِه... خلق الأشياءَ كُلَّها كما شاء)( .
      10- قال البيهقيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ هو الإيمانُ بتقَدُّمِ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بما يكونُ من أكسابِ الخَلْقِ وغَيرِها من المخلوقاتِ، وصُدورِ جميعِها عن تقديرٍ منه، وخلْقٍ لها خيرِها وشرِّها)( .
      11- قال البغويُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ فَرضٌ لازمٌ، وهو أن يعتقِدَ أنَّ اللهَ تعالى خالِقُ أعمالِ العِبادِ، خيرِها وشَرِّها، كتبها عليهم في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَهم، قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49])( .
      12- قال يحيى بنُ أبي الخيرِ العُمرانيُّ في بيانِ عقيدةِ أصحابِ الحديثِ: (وأنَّ اللهَ خلق أفعالَ العبادِ وأقوالَهم، ونيَّاتِهم وخَطَراتِهم في الطَّاعةِ والمعصيةِ، وأنَّه أمرهم بالطَّاعةِ، ونهاهم عن المعصيةِ)( .
      13- قال ابنُ تيميَّةَ: (أفعالُ العِبادِ مَخلوقةٌ باتِّفاقِ سَلَفِ الأُمَّة وأئِمَّتها، كما نَصَّ على ذلك سائِرُ أئمَّةِ الإسلامِ: الإمامُ أحمدُ ومَن قَبلَه وبَعدَه حتى قال بعضُهم: من قال: إنَّ أفعالَ العِبادِ غيرُ مخلوقةٍ، فهو بمنزلةِ من قال: إنَّ السماءَ والأرضَ غيرُ مخلوقةٍ)( .
      14- قال ابنُ أبي العزِّ: (قال أهلُ الحقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحقُّ سُبحانَه وتعالى منفرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( .
      15- قال صُنْعُ اللَّهِ الحلبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه: بأن َّكلًّا منهما بخَلقِه تعالى وإرادتِه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ، فالكُفرُ والمعاصي بخَلقِه تعالى وإرادتِه، وكذا الطاعاتُ وفِعلُ الخيراتِ؛ إذ لا خالِقَ غيرُه، قال جَلَّ ذِكرُه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62] ، وهَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: 3] )( .
      16- قال حُسينُ بنُ غنَّامٍ الأحسائيُّ: (إنَّ اللهَ خلق أفعالَ عبادِه كُلَّها من الكُفرِ والإيمانِ والطاعةِ والعِصيانِ)( .
      17- قال الشنقيطيُّ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 119] : (أي: خلقهم لأن يختَلِفوا إلى مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وشَقيٍّ وسعيدٍ؛ لِيَصرِفَ كلًّا إلى ما كُتِب له في الأزَلِ، ولتظهَرَ فيهم آثارُ صِفاتِ اللهِ تعالى وأسمائِه؛ من رحمةٍ ورِضًا، وثوابٍ للمُطيعين، وقَهرٍ وجَبَروتٍ وشِدَّةِ عذابٍ للعاصين)( .
      18- قال ابنُ عثيمين: (إنَّ اللهَ تعالى خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنْ لا خالِقَ إلَّا اللهُ؛ فيَجِبُ الإيمانُ بعُمومِ خَلقِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وأنَّه خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، حتى أعمالِ العِبادِ؛ لقَولِه تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وعَمَلُ الإنسانِ مِنَ الشَّيءِ، وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ... والآياتُ في هذا كثيرةٌ)( .
      وللعبادِ قُدرةٌ وإرادةٌ ومشيئةٌ واختيارٌ.
      فمع اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُ العِبادِ وأفعالِهم؛ فإنهم يعتَقِدون أنَّ للعبادِ قُدرةً ومشيئةً على أعمالِهم، ويُفَرِّقون بين ما يفعله العبدُ اضطِرارًا وما يفعَلُه اختيارًا.
      فللعبدِ قُدرةٌ ومشيئةٌ على فِعْلِه، واللهُ عزَّ وجَلَّ هو الذي خلق في العبدِ قُدرتَه ومشيئتَه.
      ومن الأدِلَّةِ على ذلك:
      قَولُ اللهِ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر: 37] .
      وقَولُ اللهِ سُبحانَه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: 29] .
      وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: 19] .
      وقَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا [النبأ: 39] .
      وقَولُ اللهِ سُبحانَه: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس: 11، 12].
      وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29].
      قال ابنُ قُتيبةَ: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون)( .
      وقال الخطابي: (اللهُ سُبحانَه وتعالى خالِقُ الخيرِ والشَّرِّ جميعًا، لا يكونُ شيءٌ منهما إلَّا بمشيئتِه، فهما مضافان إليه سُبحانَه وتعالى خَلْقًا وإيجادًا، وإلى الفاعِلينَ لهما من عبادِه فِعلًا واكتِسابًا)( .
      وقال نجمُ الدِّينِ النَّسفيُّ: (للعبادِ أفعالٌ اختياريَّةٌ يُثابون بها ويُعاقبون عليها)( .
      وقال يحيى بن أبي الخيرِ العمرانيُّ: (على هذا القَصدِ والاختيارِ وقع المدحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، إلَّا أنَّ اللهَ هو الخالِقُ لقَصْدِنا ومشيئتِنا؛ لأنَّه شيءٌ، وقد قال اللهُ تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ومَشيئَتُنا وقعت بمشيئةِ اللهِ. قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( .
      وقال القرطبيُّ: (إنَّ المهتَدِينَ من المؤمنين إنما هداهم اللهُ تعالى إلى الإيمانِ والطَّاعةِ على طريقِ الاختيارِ، حتى يصِحَّ التكليفُ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارًا لا جبرًا، قال اللهُ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، وقال: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان: 29] ، ثمَّ عقَّب هاتين الآيتينِ بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] فوقع إيمانُ المؤمنين بمشيئتِهم، ونفى أن يشاؤوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ؛ ولهذا فَرَّطَت المُجْبِرةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ اللهِ تعالى، فقالوا: الخَلْقُ مجبورون في طاعتِهم كُلِّها، التفاتًا إلى قَولِه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وفَرَّطت القَدَريَّةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ العِبادِ، فقالوا: الخَلْقُ خالِقون لأفعالِهم، التفاتًا منهم إلى قَولِه تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، ومَذهَبُنا هو الاقتصادُ في الاعتقادِ، وهو مَذهَبٌ بين مَذهَبيِ المُجْبِرة والقَدَريَّةِ، وخيرُ الأمورِ أوساطُها، وذلك أنَّ أهلَ الحَقِّ قالوا: نحن نُفَرِّقُ بين ما اضطُرِرْنا إليه وبين ما اختَرْناه، وهو أنَّا نُدرِكُ تَفرِقةً بين حركةِ الارتعاشِ الواقعةِ في يَدِ الإنسانِ بغيرِ محاولتِه وإرادتِه، ولا مقرونةٌ بقُدرتِه، وبين حركةِ الاختيارِ إذا حرَّك يدَه حركةً مماثِلةً لحركةِ الارتعاشِ، ومن لا يُفَرِّقُ بين الحركتينِ: حَرَكةِ الارتعاشِ وحَركةِ الاختيارِ، وهما موجودتان في ذاتِه، ومحسوستان في يدِه بمشاهَدتِه وإدراكِ حاسَّتِه، فهو معتوهٌ في عَقلِه، ومختلٌّ في حِسِّه، وخارجٌ مِن حزبِ العُقَلاءِ، وهذا هو الحَقُّ المُبِينُ، وهو طريقٌ بين طريقَيِ الإفراطِ والتفريطِ، وكِلا طَرَفيْ قَصدِ الأمورِ ذَميمٌ)( .
      وقال ابنُ حمدان الحنبليُّ: (فِعلُ العَبدِ مختارٌ مُيَسَّرٌ في كَسبِ الطاعةِ واكتسابِ المعصيةِ، غيرُ مُكرَهٍ ولا مجبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، واللهُ الخالِقُ ما كسبه العبدُ واكتسبه وفعَلَه)( .
      وقال ابنُ تيميَّةَ: (وممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه. وأوَّلُ من ظَهَر عنه إنكارُ ذلك هو الجَهمُ بنُ صَفوانَ وأتباعُه، فحُكِيَ عنهم أنهم قالوا: إنَّ العبدَ مجبورٌ وإنَّه لا فِعْلَ له أصلًا وليس بقادرٍ أصلًا)( .
      وقال أيضًا: (إنَّ أهلَ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ العبدَ له مشيئةٌ وقُدرةٌ وإرادةٌ، وهو فاعِلٌ لفِعلِه حقيقةً، وينهَون عن إطلاقِ "الجَبْرِ"؛ فإنَّ لَفظَ "الجبرِ" يُشعِرُ أنَّ اللهَ أجبر العبدَ على خلافِ مُرادِ العبدِ كما تُجبَرُ المرأةُ على النِّكاحِ، وليس كذلك، بل العبدُ مختارٌ يفعَلُ باختيارِه ومشيئتِه ورِضاه ومحبَّتِه، ليس مجبورًا عديمَ الإرادةِ، واللهُ خالِقُ هذا كُلِّه)( .
      وقال أيضًا: (إنَّ المشهورَ إطلاقُ لفظِ الجبرِ والإجبارِ على ما يُفعَلُ بدونِ إرادةِ المجبورِ، بل مع كراهتِه، كما يجبرُ الأبُ ابنَتَه على النِّكاحِ، وهذا المعنى منتَفٍ في حقِّ اللهِ تعالى؛ فإنَّه سُبحانَه لا يخلُقُ فِعْلَ العبدِ الاختياريِّ بدونِ اختيارِه، بل هو الذي جعله مُريدًا مختارًا، وهذا لا يَقدِرُ عليه أحَدٌ إلَّا اللهُ.
      ولهذا قال من قال من السَّلَف: اللهُ أعظَمُ وأجَلُّ مِن أن يُجبِرَ، إنما يجبِرُ غَيرُه من لا يَقدِرُ على جَعْلِه مختارًا، واللهُ تعالى يجعَلُ العَبْدَ مُختارًا، فلا يحتاجُ إلى إجبارِه)( .
      وقال ابنُ القَيِّمِ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 26] : (الذي دلَّت عليه الآيةُ مع سائرِ أدِلَّةِ التوحيدِ، وأدِلَّةِ العَقلِ الصريحِ: أنَّ مشيئةَ العِبادِ من جملةِ الكائناتِ التي لا تُوجَدُ إلَّا بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، فما لم يشَأْ لم يكُنِ البتَّةَ، كما أنَّ ما شاء كان ولا بدَّ.
      ولكِنْ هاهنا أمرٌ يجِبُ التنبيهُ عليه، وهو أنَّ مشيئةَ اللهِ سُبحانَه تارةً تتعَلَّقُ بفِعلِه، وتارةً تتعَلَّقُ بفِعلِ العَبدِ.
      فتعَلُّقُها بفِعْلِه سُبحانَه هو أن يشاءَ مِن نَفْسِه إعانةَ عَبدِه وتوفيقَه وتهيئتَه للفِعْلِ، فهذه المشيئةُ تستلزِمُ فِعْلَ العَبدِ ومَشيئَتَه، ولا يكفي في وقوعِ الفِعلِ مَشيئةُ اللهِ لِمشيئةِ عَبْدِه، دون أن يشاءَ فِعْلَه، فإنَّه سُبحانَه قد يشاءُ من عَبدِه المشيئةَ وَحدَها، فيشاءُ العبدُ الفِعلَ ويُريدُه ولا يفعَلُه؛ لأنَّه لم يشَأْ من نفسِه سُبحانَه إعانتَه عليه، وتوفيقَه له.
      وقد دلَّ على هذا وهذا قَولُه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] ، وقَولُه تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 56] .
      وهاتان الآيتان متضَمِّنتانِ: إثباتَ الشَّرعِ والقَدَرِ، والأسبابِ والمُسَبَّباتِ، وفِعْلِ العَبدِ واستِنادِه إلى فِعلِ الرَّبِّ.
      ولكلٍّ منهما عُبوديةٌ تختصُّ بها:
      فعُبوديةُ الآيةِ الأولى: الاجتهادُ، واستفراغُ الوُسعِ، والاختيارُ والسَّعيُ. وعُبوديةُ الثانيةِ: الاستعانةُ باللهِ، والتوكُّلُ عليه، واللَّجَأُ إليه، واستنزالُ التوفيقِ والعونِ منه، والعِلْمُ بأنَّ العبدَ لا يمكِنُه أن يشاءَ ولا يفعَلَ حتى يجعَلَه اللهُ كذلك.
      وقَولُه: رَبُّ الْعَالَمِينَ ينتَظِمُ ذلك كُلَّه ويتضَمَّنُه، فمن عطَّل أحدَ الأمرينِ فقد جحد كمالَ الرُّبوبيةِ وعَطَّلها. وباللهِ التوفيقُ)( .
      وقال الكرمانيُّ في شَرحِ ترجمةِ البخاريِّ (بابُ قَولِ اللهِ تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] 😞 (الترجمةُ مُشعِرةٌ بأنَّ المقصودَ من البابِ إثباتُ نَفيِ الشَّريكِ عن اللهِ تعالى، فكان المناسِبُ ذِكْرَه في أوائِلِ كتابِ التوحيدِ. قلتُ: ليس المقصودُ ذلك، بل هو بيانُ أفعالِ العِبادِ بخَلقِ اللهِ تعالى؛ إذ لو كانت أفعالهم بخَلقِهم لكانوا شُرَكاءَ للهِ تعالى وأندادًا له في الخَلْقِ؛ ولهذا عُطِف وما ذُكِر عليه، وفيه الرَّدُّ على الجَهميَّةِ؛ حيث قالوا: لا قُدرةَ للعَبدِ أصلًا، وعلى المعتَزِلةِ؛ حيث قالوا: لا دَخْلَ لقُدرةِ اللهِ تعالى فيها؛ إذ المَذهَبُ الحَقُّ أنْ لا جَبْرَ ولا قَدَرَ، ولكِنْ أمرٌ بين الأمرينِ، أي: بخَلقِ اللهِ، وكَسْبِ العَبدِ)( .
      وقال ابنُ أبي العزِّ: (اختلف النَّاسُ في أفعالِ العِبادِ الاختياريَّةِ... وقال أهلُ الحَقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعُصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحَقُّ سُبحانَه وتعالى منفَرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( .
      وقال جمال الدين القاسميُّ: (معنا قضيتانِ قطعِيَّتَا الثُّبوتِ:
      إحداهما: كونُ الإنسانِ يَعمَلُ بقُدرةٍ وإرادةٍ يَبعَثُها عِلْمُه على الفِعلِ أو التركِ والكَفِّ، وهي بديهيَّةٌ.
      والثانية: هي أنَّ اللهَ هو الخالِقُ الذي بيَدِه ملَكوتُ كُلِّ شَيءٍ، وهي نظريَّةٌ.
      .... القَضاءُ عِبارةٌ عن تعَلُّقِ عِلمِ اللهِ تعالى أو إرادتِه في الأزَلِ بأنَّ الشَّيءَ يكونُ على الوَجهِ المخصوصِ مِنَ الوُجوهِ المُمكِنةِ، والقَدَرُ وُقوعُ الأشياءِ فيما لا يزالُ على وَفقِ ما سبق في الأزَلِ.
      ومن الأشياءِ التي يتعَلَّقُ بها القَضاءُ والقَدَرُ أفعالُ العِبادِ الاختياريَّةُ، فإذا كان قد سبق القَضاءُ المبرَمُ بأنَّ زيدًا يعيشُ كافرًا ويموتُ كافرًا، فما معنى مطالبتِه بالإيمانِ وهو ليس في طاقتِه، ولا يمكِنُ في الواقِعِ ونَفسِ الأمرِ أن يَصدُرَ منه؛ لأنَّه في الحقيقةِ مجبورٌ على الكُفرِ في صورةِ مُختارٍ له، كما قال بعضُهم؟!
      والجوابُ عن هذا: أنَّ تعَلُّقَ العِلْمِ والإرادةِ بأنَّ فُلانًا يفعَلُ كذا لا ينافي أن يفعَلَه باختيارٍ، إلَّا إذا تعلَّق العِلْمُ بأن يفعَلَه مُضطرًّا كحركةِ المُرتَعِشِ مثلًا، ولكِنَّ أفعالَ العِبادِ الاختياريَّةَ قد سبق في القَضاءِ بأنها تقَعُ اختياريَّةً، أي: بإرادةِ فاعليها لا رغمًا عنهم، وبهذا صَحَّ التكليفُ، ولم يكُنْ التشريعُ عَبَثًا ولا لَغْوًا)( .
      وقال السَّعديُّ: (من أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ:... أنَّ أعمالَ العِبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخلةٌ في قضائِه وقُدرتِه تعالى، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتهم وقدرتهم، ولم يجبِرْهم عليها؛ فإنَّه خلق لهم جميعَ القُوى الظَّاهِرةِ والباطنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارونَ وبها يفعلونَ)( .
      وقال أيضًا: (ومن جملةِ الأشياءِ: أفعالُ العِبادِ طاعتُهم ومعاصيهم، فهو تعالى يَعلَمُها إجمالًا وتفصيلًا قبل أن يَعمَلوها.
      وأعمالهم وأفعالهم داخلةٌ تحت مشيئةِ اللهِ وإرادتِه؛ فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبِرْهم لا على الطَّاعاتِ، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارِهم، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28، 29].
      فهذه الآيةُ فيها: رَدٌّ على القَدَريَّةِ النُّفاةِ، وعلى القَدَريَّةِ المُجْبِرةِ، وإثباتٌ للحَقِّ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، فقَولُه: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أثبتت أنَّه لهم مشيئةً حقيقيَّةً وفِعلًا حقيقيًّا، وهو الاستقامةُ باختيارِهم. فهذا ردٌّ على الجَبْريَّةِ.
      وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أخبر أنَّ مشيئتَهم تابِعةٌ لمشيئةِ اللهِ، وأنها لا توجَدُ بدونِها. فما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. ففيها ردٌّ على القَدَريةِ القائلين: إنَّ مشيئةَ العِبادِ مستقِلَّةٌ، وليست تابعةً لِمشيئةِ اللهِ. بل عندهم: يشاءُ العِبادُ ويفعلون ما لا يشاؤه اللهُ ولا يُقَدِّرُه!
      ودلَّت الآيةُ على الحَقِ الواضِحِ، وهو: أنَّ العِبادَ هم الذين يعملون الطاعاتِ والمعاصيَ حقيقةً، وليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعةٌ لِمشيئةِ اللهِ، كما تقدَّم كيفيَّةُ وَجهِ ذلك، والآياتُ الدَّالَّاتُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا)( .
      وقال أيضًا في حديثِ: ((اعمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له ))( : (توضيحُ ذلك: أنَّ العبدَ إذا صلَّى وصام وعَمِلَ الخيرَ، أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعِلَ لذلك العَمَلِ الصَّالحِ وذلك العمَلِ السَّيِّئ، وفِعلُه المذكورُ بلا ريبٍ واقِعٌ باختيارِه، وهو يحِسُّ ضَرورةً أنَّه غيرُ مجبورٍ على الفِعلِ أو التركِ، وأنَّه لو شاء لم يفعَلْ، وكما أنَّ هذا هو الواقِعُ، فهو الذي نصَّ اللهُ عليه في كتابِه ونصَّ عليه رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حيث أضاف الأعمالَ صالحَها وسيِّئَها إلى العِبادِ، وأخبر أنهم الفاعِلون لها، وأنهم محمودون عليها إن كانت صالحةً ومُثابون عليها ومذمومون إن كانت سيِّئةً ومعاقَبون عليها. فقد تبَيَّن بهذا واتَّضَح أنها واقعةٌ منهم وباختيارِهم، وأنهم إن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنَّ هذا الأمرَ ثابِتٌ عَقلًا وحِسًّا وشرعًا ومشاهَدةً.
      ... اللهُ هو الذي خلق قُدرَتَهم وإرادتَهم، وهو الذي خلق ما به تقعُ الأفعالُ، كما أنَّه الخالِقُ للأفعالِ، وهذا هو الذي يحُلُّ الإشكالَ، ويتمكَّنُ العَبدُ أن يعقِلَ بقَلْبِه اجتماعَ القَدَرِ والقَضاءِ والاختيارِ.
      ومع ذلك فهو تعالى أمدَّ المؤمنين بأسبابٍ وألطافٍ وإعاناتٍ مُتنوِّعةٍ، وصرف عنهم الموانِعَ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أمَّا من كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيَسَّرُ لعمَلِ أهلِ السَّعادةِ ))( ، وكذلك خَذَل الفاسقين ووكَلَهم إلى أنفُسِهم ولم يُعِنْهم؛ لأنهم لم يؤمِنوا به، ولم يتوكَّلوا عليه، فوَلَّاهم ما توَلَّوه لأنفُسِهم)( .
      وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (للعبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم، ولهم مشيئةٌ وإرادةٌ، وأفعالُهم تضافُ إليهم حقيقةً وبحَسَبِها كُلِّفوا، وعليها يُثابون ويُعاقبون، ولم يُكَلِّفْهم اللهُ إلَّا وُسْعَهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ووصفهم به، ولكِنَّهم لا يَقدِرون إلَّا على ما أقدرهم اللهُ عليه، ولا يشاؤون إلَّا أن يشاءَ اللهُ، ولا يفعلون إلَّا بجَعْلِه إيَّاهم فاعلين، كما تقدَّم في نصوصِ المشيئةِ والإرادةِ والخَلْقِ، فكما لم يُوجِدوا أنفُسَهم لم يُوجِدوا أفعالَهم، فقُدرتُهم ومشيئتُهم وإرادتُهم وأفعالُهم تابعةٌ لقدرتِه ومشيئتِه وإرادتِه وفِعْلِه؛ إذ هو خالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم وإرادتِهم ومشيئتِهم وأفعالِهم، وليس مشيئَتُهم وإرادتُهم وقدرتُهم وأفعالُهم هي عَينَ مَشيئةِ اللهِ وإرادتِه وقُدرتِه وأفعالِه، كما ليس هم إيَّاه، تعالى اللهُ عن ذلك، بل أفعالُهم المخلوقةُ للهِ قائمةٌ بهم لائقةٌ بهم مضافةٌ إليهم حقيقةً، وهي من آثارِ أفعالِ اللهِ القائمةِ به اللائِقةِ المضافةِ إليه حقيقةً؛ فاللهُ فاعِلٌ حقيقةً، والعبدُ مُنفَعِلٌ حقيقةً، واللهُ هادٍ حقيقةً، والعبدُ مُهتَدٍ حقيقةً؛ ولهذا أضاف كُلًّا من الفعلينِ إلى من قام به، فقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ [الأعراف: 178] فإضافةُ الهدايةِ إلى اللهِ حقيقةٌ، وإضافةُ الاهتداءِ إلى العَبدِ حقيقةٌ، فكما ليس الهادي هو عَينَ المُهتَدِي، فكذلك ليس الهدايةُ هي عينَ الاهتداءِ، وكذلك يُضِلُّ اللهُ من يشاءُ حقيقةً، وذلك العَبدُ يكونُ ضالًّا حقيقةً، وهكذا جميعُ تصَرُّفِ اللهِ في عبادِه، فمن أضاف الفِعْلَ والانفعالَ إلى العبدِ كَفَر، ومن أضافه إلى اللهِ كَفَر، ومن أضاف الفِعلَ إلى الخالِقِ والانفعالَ إلى المخلوقِ كلاهما حقيقةً، فهو المؤمِنُ حقيقةً)( .
      وقال الشنقيطيُّ: (حاصِلُ هذا أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ الخَلْقَ، وعَلِم أنَّ قومًا صائرون إلى الشَّقاءِ وقومًا صائرون إلى السَّعادةِ، فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السعيرِ. وأقام الحُجَّةَ على الجميعِ ببَعْثِ الرُّسُلِ وتأييدِهم بالمُعجِزاتِ التي لا تَتركُ في الحَقِّ لَبْسًا، فقامت عليهم حُجَّةُ اللهِ في أرْضِه بذلك.
      ثمَّ إنَّه تعالى وفَّق من شاء توفيقَه، ولم يوفِّقْ من سبق لهم في عِلْمِه الشَّقاءُ الأزليُّ، وخَلَق لكُلِّ واحدٍ منهم قدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على تحصيلِ الخيرِ والشَّرِّ، وصَرَف قدرتَهم وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه إلى ما سبق لهم في عِلمِه من أعمالِ الخيرِ المُستوجِبةِ للسعادةِ، وأعمالِ الشَّرِّ المستوجِبةِ للشقاءِ؛ فأَتَوا كُلَّ ما أَتَوا، وفعلوا كُلَّ ما فعلوا، طائعينَ مختارينَ غيرَ مجبورينَ ولا مقهورينَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، وادِّعاءُ أنَّ العبدَ مجبوٌر لا إرادةَ له ضروريُّ السُّقوطِ عند عامَّةِ العُقَلاءِ، ومن أعظَمِ الضرورياتِ الدَّالَّةِ عليه: أنَّ كُلَّ عاقلٍ يَعلَمُ أنَّ بين الحركةِ الاختياريةِ والحركةِ الاضطراريَّةِ كحَركةِ المرتَعِشِ فَرقًا ضروريًّا، لا ينكِرُه عاقِلٌ... ومِن أعظَمِ الأدِلَّةِ القَطعيَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِ مَذهَبِ القَدَريةِ، وأنَّ العبدَ لا يَستقِلُّ بأفعالِه دون قُدرةِ اللهِ ومشيئتِه: أنَّه لا يمكِنُ أحدًا أن ينكِرَ عِلمَ اللهِ بكُلِّ شيءٍ قبل وقوعِه، والآياتُ والأحاديثُ الدَّالَّةُ على هذا لا يُنكِرُها إلَّا مكابِرٌ، وسبْقُ علمِ اللهِ بما يقعُ من العبدِ قبل وقوعِه بُرهانٌ قاطعٌ على بطلانِ تلك الدعوى...
      ولا إشكالَ البتَّةَ في أنَّ اللهَ يخلُقُ للعَبدِ قُدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على الفِعلِ والتركِ، ثمَّ يَصرِفُ اللهُ بقدرتِه وإرادتِه قدرةَ العبدِ وإرادتَه إلى ما سبق به عِلْمُه، فيأتيه العبدُ طائعًا مختارًا غيرَ مقهورٍ ولا مجبورٍ، وغيرَ مُستَقِلٍّ به دونَ قُدرةِ اللهِ وإرادتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] )( .
      وقال ابنُ عثيمين: (قال المؤلِّفُ يعني: ابنَ تيميَّةَ: «وهم وسَطٌ في بابِ أفعالِ اللهِ بين الجَبْريَّةِ والقَدَريَّةِ».
      الشَّرحُ:
      * في بابِ القَدَرِ انقسم النَّاسُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:... والقِسمُ الثَّالِثُ: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، قالوا: نحن نأخذُ بالحَقِّ الذي مع الجانبينِ، فنقولُ: إنَّ فِعلَ العبدِ واقِعٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ، ولا يمكِنُ أن يكونَ في مُلكِ اللهِ ما لا يشاؤه أبدًا، والإنسانُ له اختيارٌ وإرادةٌ، ويُفَرِّقُ بين الفعلِ الذي يُضطَرُّ إليه والفِعلِ الذي يختارُه؛ فأفعالُ العِبادِ باختيارِهم وإرادتِهم، ومع ذلك فهي واقعةٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِه.
      لكنْ سيبقى عندنا إشكالٌ: كيف تكونُ خَلقًا للهِ وهي فِعلُ الإنسانِ؟!
      والجوابُ: أنَّ أفعالَ العَبدِ صدَرَت بإرادةٍ وقدرةٍ، والذي خلق فيه الإرادةَ والقُدْرةَ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. لو شاء اللهُ تعالى لسلبك القُدْرةَ؛ فلم تستَطِعْ، ولو أنَّ أحدًا قادِرًا لم يُرِدْ فِعلًا لم يقَعِ الفِعلُ منه، كُلُّ إنسانٍ قادِرٌ يفعَلُ الفِعلَ؛ فإنَّه بإرادتِه، اللَّهُمَّ إلَّا من أُكرِهَ. فنحن نفعلُ باختيارِنا وقُدرتِنا، والذي خلق فينا الاختيارَ والقُدْرةَ هو اللهُ)(

       
    • مراتِبُ الإيمانِ بالقَدَرِ

      من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بعِلمِ اللهِ الشَّامِلِ المحيطِ

      كثُر في كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقريرُ هذا الأصلِ العظيمِ، فعِلمُ اللهِ محيطٌ بكُلِّ شيءٍ، يعلَمُ ما كان وما سيكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكونُ، فهو يعلَمُ الموجودَ والمعدومَ، والممكِنَ والمستحيلَ.
      وهو عالمٌ بالعبادِ وآجالِهم وأرزاقِهم وأحوالِهم وحَرَكاتِهم وسَكَناتِهم وشَقاوَتِهم وسَعادتِهم، ومَن منهم من أهلِ الجنَّةِ، ومن منهم من أهلِ النَّارِ من قَبْلِ أن يخلُقَهم ويخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ.
      وكُلُّ ذلك مقتضى اتصافِه تبارك وتعالى بالعِلْمِ.
      قال اللهُ تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:22] .
      وقال اللهُ سُبحانَه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] .
      وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] .
      وقال اللهُ تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: 98] .
      وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ مقررًا عِلمَه بما لم يكُنْ لو كان كيف سيكونُ: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . فاللهُ يعلَمُ أنَّ هؤلاء المكَذِّبين الذين يتمَنَّون يومَ القيامةِ الرُّجوعَ إلى الدُّنيا أنَّهم لو عادوا إليها لرَجَعوا إلى تكذيبِهم وضَلالِهم.

      قال الشقنيطي: (هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا الذي أحاط عِلمُه بكُلِّ موجودٍ ومعدومٍ، يعلَمُ المعدومَ الذي سبق في الأزَلِ أنَّه لا يكونُ لو وُجد كيف يكونُ؛ لأنَّه يعلَمُ أنَّ ردَّ الكُفَّارِ يومَ القيامةِ إلى الدُّنيا مرَّةً أُخْرى لا يكونُ، ويعلَمُ هذا الرَّدَّ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به بقَولِه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 6/28، وهذا المعنى جاء مصرَّحًا به في آياتٍ أُخَرَ.



      فمن ذلك أنَّه تعالى سبق في عِلمِه أنَّ المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تَبُوكَ لا يخرجون إليها معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واللهُ ثَبَّطهم عنها لحِكْمةٍ، كما صرَّح به في قَولِه: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الآية، وهو يعلَمُ هذا الخروجَ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به تعالى في قَوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الآية، ومن الآياتِ الدَّالَّةِ على المعنى المذكورِ قَولُه تعالى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)( .



      ومن عِلْمِه تبارك وتعالى بما هو كائِنٌ عِلمُه بما كان الأطفالُ الذين تُوفُّوا صغارًا عاملين به لو أنَّهم كَبِروا قبلَ مماتِهم.
      عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أولادِ المُشرِكين، فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين ))( .
      قال ابنُ تيميَّةَ في شَرحِ قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين)): (أي: اللهُ يَعلَمُ من يؤمِنُ منهم ومن يكفُرُ لو بَلَغوا... فهنالك يظهَرُ فيهم ما عَلِمه اللهُ سُبحانَه، ويجزيهم على ما ظهر من العِلْمِ، وهو إيمانُهم وكفرُهم، لا على مجرَّدِ العِلْمِ)( .
      وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((دُعِيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جنازةِ صَبيٍّ من الأنصارِ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، طوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لم يعمَلِ السُّوءَ ولم يدركْه. قال: أوْغيرَ ذلك يا عائشةُ! إنَّ اللهَ خلق للجنَّةِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم، وخلق للنَّارِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم ))( .
      قال حرب الكرماني: (عِلمُ اللهِ عزَّ وجَلَّ ماضٍ في خَلقِه بمشيئةٍ منه، قد عَلِمَ من إبليسَ ومِن غيره ممَّن عصاه -من لَدُنْ أن عُصيَ ربُّنا تبارك وتعالى إلى أن تقومَ السَّاعة- المعصيةَ وخلقهم لها، وعلم الطَّاعةَ من أهلِ طاعتِه وخلقهم لها، فكُلٌّ يعمَلُ لِما خُلِق له، وصائِرٌ إلى ما قُضِيَ عليه وعُلِمَ منه، ولا يعدو أحدٌ منهم قَدَرَ اللهِ ومشيئتَه، واللهُ الفَعَّالُ لما يريدُ... ومن زعم أن أحدًا من الخَلقِ صائرٌ إلى غيرِ ما خُلِق له فقد نفى قدرةَ اللهِ على خَلقِه، وهذا إفكٌ على اللهِ وكَذِبٌ عليه)( .



      ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ المُتعَلِّقةِ بمَرتبةِ العِلْمِ:
      1- قال حنبلٌ: (سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ يقولُ: عَلِمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ أن آدَمَ سيأكُلُ من الشَّجرةِ التي نهاه عنها قبل أن يخلُقَه)( .
      2- قال المُزَني: (الخَلقُ عاملون بسابِقِ عِلمِه ونافِذون لِما خلقَهم له من خيرٍ وشرٍّ... هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهدى، وبتوفيقِ اللهِ اعتصم بها التابعون قُدوةً ورِضًا)( .
      3- قال عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَصرٍ البغداديُّ المالكيُّ: (قد ورد القرآنُ بأنَّ اللهَ تعالى يَعلَمُ الأشياءَ قبل كونِها، وأنَّه يَعلَمُ ما لا يكونُ لو صَحَّ كونُه كيف يكونُ، وأنَّ عِلمَه سابقٌ في خَلقِه، ودلَّت العقولُ على ذلك، فأمَّا القرآنُ فقَولُه تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: 73] ، وقَولُه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 33] ، وقَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34] )( .
      4- قال الأصبهانيُّ: (قال أهلُ السُّنَّةِ... عِلمُه بكُلِّ مكانٍ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا)( .
      5- قال ابنُ الجوزي: (المعلوماتُ كُلُّها قد أحاط بها عِلمُ اللهِ القديمُ قبل وجودِ المخلوقاتِ كُلِّها)( .
      6- قال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفَق سلفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، على أنَّ اللهَ عالمٌ بما سيكونُ قبل أن يكونَ. وقد نَصَّ الأئمَّةُ على أنَّ من أنكر العِلْمَ القديمَ فهو كافِرٌ)( .
      7- قال ابنُ أبي العزِّ: (الدليلُ العَقليُّ على عِلْمِه تعالى: أنَّه يستحيلُ إيجادُه الأشياءَ مع الجهلِ، ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادتِه، والإرادةُ تستلزِمُ تصَوُّرَ المرادِ، وتصَوُّرُ المرادِ هو العِلْمُ بالمرادِ؛ فكان الإيجادُ مُستلزِمًا للإرادةِ، والإرادةُ مُستلزِمةً للعِلمِ، فالإيجادُ مُستلزِمٌ للعِلمِ.
      ولأنَّ المخلوقاتِ فيها من الإحكامِ والإتقانِ ما يستلزِمُ عِلمَ الفاعِلِ لها؛ لأنَّ الفِعلَ المحكَمَ المُتقَنَ يمتَنِعُ صُدورُه عن غيرِ عِلمٍ.



      ولأنَّ مِن المخلوقاتِ ما هو عالمٌ، والعِلْمُ صِفةُ كَمالٍ، ويمتنِعُ ألَّا يكونَ الخالِقُ عالِمًا. وهذا له طريقانِ:
      أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ الخالِقَ أكمَلُ من المخلوقِ، وأنَّ الواجِبَ أكمَلُ من الممكِنِ، ونعلَمُ ضَرورةً أنَّا لو فرَضْنا شيئينِ أحدُهما عالمٌ والآخَرُ غيرُ عالمٍ، كان العالمُ أكمَلَ، فلو لم يكُنِ الخالِقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكِنُ أكمَلَ منه، وهو ممتَنِعٌ.
      الثاني: أن يقالَ: كُلُّ عِلمٍ في الممكِناتِ التي هي المخلوقاتُ فهو منه، ومن الممتنِعِ أن يكونَ فاعِلُ الكمالِ ومُبدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به. واللهُ تعالى له المثَلُ الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ، لا في قياسٍ تمثيليٍّ، ولا في قياسٍ شُموليٍّ، بل كُلُّ ما ثبت للمخلوقِ من كمالٍ فالخالِقُ به أحَقُّ، وكُلُّ نَقصٍ تنَزَّه عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالِقِ عنه أَولى)( .
      8- قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَنٍ آل الشَّيخِ في تعليقِه على حديثِ ((أوَّلُ ما خلق اللهُ القَلَمُ... ))( : (في هذا الحديثِ ونحوِه: بيانُ شُمولِ عِلمِ اللهِ تعالى وإحاطتِه بما كان ويكونُ في الدُّنيا والآخِرةِ، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] )( .
    • - لا تَجعَلوا بُيوتَكُم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيطانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الذي تُقرَأُ فيه سورةُ البَقَرةِ.

      خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
      الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 780
      | التخريج : من أفراد مسلم على البخاري

      بيوتُ المسلِمينَ يَنبَغي أنْ تُحصَّنَ منَ الشَّيطانِ، وأنْ تُملأَ بالنُّورِ والبَرَكةِ، ويكونَ ذلك بعَملِ الطَّاعاتِ فيها من ذِكرٍ وصَلاةٍ ودُعاءٍ وقِراءةِ القُرآنِ وغَيرِ ذلك، وقِراءةُ القُرآنِ فيها الخَيرُ والبَرَكةُ للمَكانِ الَّذي يُقرَأُ فيهِ؛ فهو حَبْلُ اللهِ المَوصُولُ، وفيهِ طُمَأنينةُ النَّفْسِ، وطَردٌ للشَّياطِينِ مِنَ البُيوتِ الَّتي يُقرَأُ فيها، وخاصَّةً سُورةَ البقَرةِ.

      وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا تَجعَلُوا بُيوتَكُم مَقابِرَ»، أي: لا تَجعَلوها شَبيهةً بالمَقابِرِ خاليةً عنِ الذِّكرِ والطَّاعةِ، واجْعَلوا لها نَصيبًا من قِراءةِ القُرآنِ والصَّلاةِ، كما جاء في الصَّحيحَينِ عنِ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «اجْعَلوا في بُيوتِكم من صَلاتِكم، ولا تَتَّخِذوها قُبورًا».

      ثُمَّ بيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الشَّيطانَ يفِرُّ ويَبتعِدُ مِنَ البَيتِ الَّذي تُقرَأُ فيهِ سُورَةُ البقَرةِ؛ لأنَّه يئِسَ من إغْواءِ أهْلِه ببَرَكةِ هذه السُّورةِ، أو لمَا يَرى من جِدِّهم في الدِّينِ، واجْتِهادِهم في العِبادةِ، فالبَيتُ الَّذي يُقرأُ فيه القُرآنُ بوَجهٍ عامٍّ يتَّسِعُ على أهْلِه، ويَكثُرُ خَيرُه، وتَحضُرُه الملائكةُ، وتُدحَضُ عنه الشَّياطينُ، وإنَّ البَيتَ الَّذي لا يُقرأُ فيه القُرآنُ يَضيقُ على أهْلِه، ويقِلُّ خَيرُه، وتَنفِرُ منه الملائكةُ، وتحضُرُ فيه الشَّياطينُ.

      والحَديثُ يدُلُّ على فَضيلةِ سورةِ البَقرةِ، وتَقْديمِها على غَيرِها، وإنَّها لَكذلكَ؛ فقدْ جمَعَتْ من أحْكامِ الشَّرعِ ما لم تَجمَعْه سورةٌ في القُرآنِ، فهي مُشتمِلةٌ على صِفاتِ المؤمِنينَ، وصِفاتِ المنافِقينَ، وشَرحِ قِصصِ بَني إسْرائيلَ، والزَّجرِ عنِ السِّحرِ والرِّبا، وذِكرِ القِبلةِ والصَّلاةِ والصَّومِ والحَجِّ والعُمرةِ، والطَّلاقِ والعِدَدِ، والدُّيونِ والشُّروطِ، والرَّهنِ والقِصاصِ، وغَيرِ ذلك منَ الأحْكامِ.
      وفي الحَديثِ: الحثُّ على قِراءةِ القُرآنِ، وكَثْرةِ الذِّكرِ في البُيوتِ.
      وفيه: تَوجيهُ النَّاسِ إلى أنَّ القُرآنَ والذِّكرَ يُحْيي البُيوتَ والقُلوبَ ويُعمِّرُها.

      الدرر السنية  
    • الدكتور عثمان قدري مكانسي   تأملات تربوية في سورة هود (1)   الدكتور عثمان قدري مكانسي

      سُورَة هُود : مَكِّيَّة إِلَّا الْآيَات 114 - 17 - 12 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 123 نَزَلَتْ بَعْد يُونُس


      مَكِّيَّة فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة :إلا الآية الرابعة عشرة ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَقِمْ الصلاة طَرَفَيْ النَّهَار. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ شِبْت. قَالَ :" شَيَّبَتْنِي هُود وَالْوَاقِعَة وَالْمُرْسلاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ ". وفي حديث آخر رواه سفيان بن وكيع : قَالُوا يَا رَسُول اللَّه نَرَاك قَدْ شِبْت ! قَالَ : ( شَيَّبَتْنِي هُود وَأَخَوَاتهَا ) .


      فَالْفَزَع يُورِث الشَّيْب وَذَلِكَ أَنَّ الْفَزَع يُذْهِل النَّفْس فَيُنَشِّف رُطُوبَة الْجَسَد , وَتَحْت كُلّ شَعْرَة مَنْبَع , وَمِنْهُ يَعْرَق , فَإِذَا اِنْتَشَفَ الْفَزَع رُطُوبَته يَبِسَتْ الْمَنَابِع فَيَبِسَ الشَّعْر وَابْيَضَّ ; كَمَا تَرَى الزَّرْع الأخْضَر بِسِقَائِهِ , فَإِذَا ذَهَبَ سِقَاؤُهُ يَبِسَ فَابْيَضَّ ;


      وَإِنَّمَا يَبْيَضّ شَعْر الشَّيْخ لِذَهَابِ رُطُوبَته وَيُبْس جِلْده , فَالنَّفْس تَذْهَل بِوَعِيدِ اللَّه , وَأَهْوَال مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَر عَنْ اللَّه , فَتَذْبُل , وَيُنَشِّف مَاءَهَا ذَلِكَ الْوَعِيدُ وَالْهَوْل الَّذِي جَاءَ بِهِ ; فَمِنْهُ تَشِيب . وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَوْمًا يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا " [ الْمُزَّمِّل : 17 ] فَإِنَّمَا شَابُوا مِنْ الْفَزَع . وَأَمَّا سُورَة " هُود " وقد شيبت هودٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل بالأمم من عَاجِل بَأْس اللَّه تَعَالَى , فَأَهْل الْيَقِين إِذَا تَلَوْهَا تَرَاءَى عَلَى قُلُوبهمْ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه قوة ُبطشه بِأَعْدَائِهِ , فَلَوْ مَاتُوا مِنْ الْفَزَع لَحَقَّ لَهُمْ ; وَلَكِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَلْطُف بِهِمْ. وَأَمَّا أَخَوَاتهَا فَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ السُّوَر ; مِثْل " الْحَاقَّة " و " الْمَعَارِج : " و " التَّكْوِير " و " الْقَارِعَة ", فَفِي تلاوة هَذِهِ السُّوَر مَا يَكْشِف لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ سُلْطَانه وَبَطْشه فَتَذْهَل مِنْهُ النُّفُوس , وَتَشِيب مِنْهُ الرُّءُوس .


      وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُورَة " هُود " قَوْله في الآية الثانية عشرة منها: " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت " فهو أمر بالاستقامة والثبات على ذلك ، ولا يصبر على الالستقامة إلا عظماء الرجال .


      - وانظر معي إلى الأسلوب التربوي الأول في هذه السورة الذي نجده في الآية الأولى : التعظيم للقرآن ، فهو " كتاب " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، نزل به الروح الأمين بأمر الله تعالى على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قد " أحكمت آياته " كلّها ، فلا خلل فيها ولا باطل ، نظمت نظماً محكماً في اللوح المحفوظ ، فلا تناقض فيها ولا خطل ، جمعت الأمر والنهي ، فأحكمت المطلوب ، " ثم فُصّلت " بما فيها من الدلائل على وحدانية الله تعالى والنبوة والبعث وما إلى ذلك من الإيمانيات ، وذكرت الوعد والوعيد والثواب والعقاب . فليكن القرآن عظيماً في قلوبنا ، عظيماً في نفوسنا ، عظيماً في أعمالنا فنلتزمه فهماً وعملاً ، فنعظم عند الله تعالى وعند الناس كما كان السلف الصالح رضوان الله عليهم .


      - أما الأسلوب الثاني فهو التسلسل المنطقي ، فالإحكام والترتيب والتنظيم أولاً ، والتفصيل والتوضيح والبيان ثانياً . .. ولا يكون العمل سليماً وناجحاً إلا بهذين الأمرين .


      فما المطلوب بعد ذلك يا رب؟ إنه


      إنه : 1- عبادة الله وحده فهو الخالق البارئ المستحق للعبادة .


      2- الإيمان بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، فهو البشير النذير.


      3- استغفار الله والتوبة إليه والعبودية له وحده .


      4- الاعتقاد بيوم القيامة ، والعمل للقاء الله تعالى ، فلا بد منه " إلى الله مرجعكم "


      فإذا تم هذا كان العيشُ الهانئ في الدنيا " يمتعْكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمّى " والتكريم في الآخرة " ويُؤتِ كل ذي فضل فضله " وإلا كان التهديد والوعيد بعذاب الآخرة الدائم " وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير " . وأسلوب الترغيب والترهيب واضح في تفاعل النفس الإنسانية الواعية مع الأمور . وهذا هو الأسلوب الثالث الذي يدق على الوتر الحساس في الإنسان ويعيش معه في كل آن ... فبعد الحياة حساب ، فإما ثواب وإما عقاب .وما يلتزم الصراط السويّ إلا ذوو الألباب.


      - الإنكار والصلف والعتو سبيل الجاهلين الذي يظلمون أنفسهم أولاً وآخراً ،


      1- إنهم ينكرون البعث ويسخرون منه ابتداءً " ولئن قلتَ : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ! "


      2- يتحدّون بكبرياء كل تهديد ووعيد وينكرون العذاب الذي ينتظرهم هازئين " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ، ليقولنّ : ما يحبسه!! " .


      3- الإنسان سريع اليأس إن لم ينل بغيته ، أو نزعت منه النعمة . والبعدُ عن الصبر مقتل يقع فيه الكثرة الكاثرة – فالإنسان خلق من عجل – ولا بد من التحلي بالصبر وعمل الصالحات كي يزداد المؤمن إيماناً ، ويتجاوز ضعفه . وعلى رأس هذه السمات : اللجوء إلى الله والاتكال عليه :" ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إن ليؤوس كفور ، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عني ، إنه لفرح فخور" فتراه ينسى مشاقه ويرفع رأسه خيلاء ، وينسب الفضل لنفسه " لفرحٌ فخور " وينسى الخالق المنعم ، ويتجبر على أمثاله من البشر ، وكأنه من طينة أخرى غير طينتهم . " إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير"... إن الإنسان العاقل من يعرف قدر نفسه، ويأرز إلى الحق، ويقر به . وهذا هو التأمل الرابع الذي ينبغي أن نقف عند نتائجه وآثاره وقوف المتأملين المتدبرين ليكونوا من المفلحين . إن هؤلاء الصابرين العاملين خيراً نماذجُ راقية من البشر ، وجودهم نادر ندرة َالمعدن النفيس بين المعادن الأخرى


      - أما التامل الخامس فوقفة متأنية أمام الآية الكريمة " فلعلك تاركٌ بعضَ ما يوحى إليك ، وضائق به صدرك أن يقولوا : لولا أُنزل عليه كنز أو جاء معه ملَك! إنما أنت نذير ، والله على كل شيء وكيل " .. ترينا الداعية يجد في سبيل دعوته الكثير من المتاعب ، والكثير من السخرية والاستهزاء ، والكثير من المثبطات فهل تفتر همته ويتكاسل عن أدائها ؟! وهل يتنازل عن بعض ما فيها ويتخفف منه لإرضاء أهل الأمزجة والأهواء ؟! وهل تضيق نفسه فيقول : لِمَ أتحمل هذا العبء وأسير عكس التيار ؟! .. عقبات كثيرة ومعوقات عديدة تعترض مسيرة الدعوة والدعاة . فما ينبغي لحامل الدعوة المؤمن بها أن يعتريه ضعف ، أو تضيق نفسه بشرف حملها والنفحِ عنها وبذلِ ما يستطيع في سبيل الوصول إلى نجاحها. ..عليه فقط أن يبذل جهده وأن يخلص نيته ،فهوالأداة البشرية التي اختارها الله تعالى للتعامل مع أمثاله من الناس ، أما الهداية وقلوب البشر فبيد الله يهديها إليه سبحانه إن شاء ، ويضلها حين تستكبر وتجحد وتُعرض عن منهجـه القويـم . " والله على كل شيء وكيل " .


      - والتأمل السادس يتجلى في نفسية الكفارالواحدة التي لا تتغير في الأزمنة والأمكنة وإن تغيرت الأزمنة والأمكنة نفسها... إن أول الأنبياء نوح ، وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام يلقـَون من المشركين " سيمفونية واحدة " هي التكذيب بالأنبياء وما جاءوا به ، فهذا الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام يتهمه كفار العرب ومشركوهم أنه افترى القرآن الكريم ، مع أن دعواهم ساقطة من أساسها . فهم قومه ولغته لغتهم ، فلو كان القرآن تأليفه لاستطاعوا المجيء بمثله ، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك ، ولن يستطيعوا المجيء بعشر سور مثله ، ولا بسورة واحدة ، وإن جهدوا ، وإذا عجزوا عن ذلك فالقرآن –إذاً- من عند الله تعالى" فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أُنزل بعلم الله ، وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ؟ ..." .. نعم يا رب : نحن بفضلك مسلمون . ..وهذا النبي الكريم نوح يلقى من قومه اتهاماً بأنه يفتري على الله هذا الدين " أم يقولون افتراه ؟! قل : إن افتريته فعليّ إجرامي ، وأنا بريء مما تجرمون " .. وهذا الاتهام لأول الأنبياء وآخرهم يندرج تحته وصم الكفار للأنبياء جميعاً بهذه الفرية ... وهذا هود عليه السلام الذي سميت السورة باسمه يرد على الكفار بأنه ليس مفترياً بل إنهمم هم المفترون " ... إن أنتم إلا مفترون.." . وقوم صالح يعزفون اللحن التكفيريّ نفسه فيقولون : " وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب " . فهم بهذا يتهمونه بالافتراء ... وهؤلاء قوم لوط لما دعاهم إلى العفة ، والزواج الحلال من الفتيات الطاهرات كشفوا جانب الفجور، وأظهروا المستور دون رادع من أخلاق " قالو : لقد علمت مالنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد " وتراهم يرفضون مع شعيب التعامل بالمال الحلال ، ولا ينتهون عن تطفيف الكيل والميزان ، ويهددونه بالقتل لولا رهطه الذين يمنعونه ...


      فإذا أطل التأمل السابع – وهو مقولة الأنبياء الواحدة على مر الدهور – الدعوة ُ إلى الله وإفراده بالعبادة والتوبة والإنابة إليه وجدنا المقولة عند نوح عليه السلام " أن لا تعبدوا إلا الله ، إن أخاف عليكم عذاب يوم أليم " ورأيناها نفسها عند هود عليه السلام " قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ، إن أنتم إلا مفترون " وألفيناها نفسها عند صالح عليه السلام " قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " وكذلك نجد المقولة نفسها عند شعيب عليه السلام " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .." .


      كما أن الجميع يرددون الطلب إلى قومهم أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه " فالله تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام في الآية الثالثة أن يذكر قومه بالاستغفار والتوبة " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه .. " وكذلك يقول النبي هود عليه السلام في الآية الثانية والحمسين ، والنبي صالح عليه السلام في الآية الواحدة والستين ، والنبي شعيب عليه السلام في الآية التسعين ،


      ونتيجة الاستغفار والتوبة في الآية الثالثة الحياة الطيبة في الدنيا والفضل العميم في الآخرة ، ونتيجته في الآية الثانية والخمسين الحياة الرغيدة والقوة العظيمة . ونتيجته في الآية الواحدة والستين التمكن في الأرض ورضاء الله تعالى ، ونتيجته في قصة شعيب الخير والنماء ، والرحمة والود ، والأمان من العذاب .


      ونجد مقولة الأنبياء واحدة في تطمين الناس أنهم لا يريدون منهم جزاء ولا شكوراً وأنهم لا يبتغون من ذلك الكسب الدنيوي ولن يكلفوا الناس شيئاً ،وهم ينتظرون الأجر العظيم من الله تعالى ، فنوح عليه السلام يقول لهم في الآية التاسعة والعشرين : " ويا قوم لا أسألكم عليه مالاُ إن أجري إلا على الله .." ويكرر هود عليه السلام المقولة ذاتها في الآية الواحدة والخمسين " يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني .." كما أن المشركين عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم المال الكثير والزعامة والسيادة والنساء والطب ، فأخبرهم أنه لا يريد منهم إلا أن يشهدوا لله بالوحدانية .


      - فإذا توقفنا عند التأمل الثامن- وهو مقارنة بين خاتمة المجرمين والمؤمنين - وجدنا الكافرين – والعياذ بالله – في النار، 1- ليس لهم أولياء يدفعون عنهم العقاب الأليم ، بل إن العذاب يضاعف ، فيزداد بلاؤهم .


      2- خسروا أنفسهم في جهنم خالدين ، فلم ينفعهم آلهتهم


      المزعومة .


      3- قد يخسر الإنسان ماله فيعوضه ، وقد يخسر أهله ، فيجد


      غيرهم .. ، لكنه إن خسر نفسه فقد خسر كل شيء.


      أما المؤمنون الذين عملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، وكانوا عباداً مرضيين فـ " أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " . نسأل الله تعالى أن نكون منهم . فالفريق الأول – الكفار – مثلهم كمثل الأعمى الأصم ، والفريق الثاني – المؤمنون – كالبصير السميع ، وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء :" .. هل يستويان مثلاً ؟ أفلا تَذَكّرون ؟ " .


      - ونصل إلى التأمل التاسع فنرى الكبر عند الكفار الذين يأنفون أن يؤمنوا بما آمن به الضعفاء من الناس " وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي .." ويطلبون إليه أن يطردهم ، ولن يؤمنوا بالله الواحد ولا نبوة نوح ولو طرد الضعفاء والفقراء . وهذا يذكرنا بالشيء نفسه الذي احتج به كفار قريش ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد البسطاء من ضعفاء المسلمين فكان رد القرآن سريعاً وحاسماً في سورة الكهف : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً " فاحتفى بهم النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في إكرامهم . وكذلك فعل النبي نوح عليه السلام حين قال للملأ الكافرين من قومه : " وما أنا بطارد الذين آمنوا ، إنهم ملاقوا ربهم ، " ثم أنحى على الكافرين باللائمة ، ونعتهم بما يستحقون من توبيخ فقال : " ولكني أراكم قوماً تجهلون " .


      - التأمل العاشر القدوة الصالحة . فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل قال : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " فهو يأمر بالمعروف ويبدأ بنفسه ، وينهاهم عن المنكر ، وينتهي عنه أولاً .. وهكذا الداعية الصدوق ، ورحم الله الشاعر القائل :


      يا أيها الرجل المعلم غيره هلاّ لنفسك كـان ذا التعليـم


      ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فانت حكيم


      لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم


      وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدّم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرّت الحِدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون أحد أقربَ إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية بدأ بدم ابن عمه .. وكان تلميذه النجيب عمر الفاروق رضي الله عنه حين يأمر أو ينهى يجمع أهل بيته فيأمرهم وينهاهم أولاً ، ويلوّح بالعقوبة المضاعفة لهم إن خالفوا .. ومن هنا نجد قوله تعالى في الآية الثانية عشرة بعد المئة أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم – وهو قدوتنا – بالاستقامة " فاستقم كما أمرت ، ومن تاب معك ، ولا تطغَوا إنه بما تعملون بصير " فإذا استقام الرأس استقام ما بعده ، وإن فسد الرأس فسد ما دونه . ولن يتبع أحد أحداً ولن يصدقه مالم يره يبدأ بنفسه قبل الآخرين في كل شيء ، وما لم يكن صادقاً في نفسه يتعهدها بالصلاح والتزكية قبل إصلاح الآخرين وتزكيتهم ، ولن يثبت على الاستقامة إلا عظماء الرجال .


        تأملات تربوية في سورة هود ( 2)   الدكتور عثمان قدري مكانسي

      طوفان نوح


      - لا تكون العقوبة إلاّ بعد الإنذار والتحذير ، والله سبحانه وتعالى يرسل الرسل يعلمون الناس السبيل المستقيم ، وينذرونهم الخروج عن الحق واتباع الأهواء " ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين " فيرشدونهم إلى عبادة الله ورضاه ، وإلا كان الهلاك مصيرهم ، وحلت العقوبة بساحتهم في الدنيا والآخرة " ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم " .


      - ومضت السنون العجاف - المئات التسعُ والخمسون- قاسية على النبي نوح عليه السلام وعلى من آمن به – وعادة ماتُذكر السنة للجدب والتعب والنصب ، ويُذكر العام للخصب والنماء ، والدليل على ذلك في لغة العرب " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً " فلم يشعر نوح بالراحة إلا بعد القضاء على القوم الكافرين في الخمسين عاماً الباقية من عمره بعد الطوفان ، كما يروي المفسرون .


      - وتحق العقوبة حين يغلق الكافرون قلوبهم ، ويستكبرون على الحق ، ويصرون على العصيان ، فقد روي أن الرجل كان يأتي بابنه إلى حيث نوحٌ عليه السلام ، ويشير إليه ويقول لابنه : هذا كذاب أشر ، نبهَني منه جدك وحذرني ، وأنا أحذرك من اتباعه وتصديقه ، فيتألم النبي الكريم عليه السلام ، ويرفع يديه إلى السماء " فدعا ربه : أني مغلوب فانتصر" ، ثم يدعو عليهم ، فقد طفح الكيل ، وازدادوا عتـُوّاً وفساداً " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً ، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجراً كفـّاراً "


      - ويوحي الله تعالى إلى نوح أن القوم استغلقت قلوبهم وتبلدت أحاسيسهم ، ولن يصدقه إلا من كان قد آمن به فقط " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فتنتهي مهمته في الدعوة بينهم ، وينصرف عن دعوتهم ، فلا زراعة في الصخور ، ولا إنبات في الأرض المالحة ، ولا يجوز لنبي داعية أن يجتهد في ترك قومه دون إذن من الله كما فعل يونس عليه السلام ، فعوقب ، ثم تاب الله عليه ونجّاه من الغم .


      - لا شك أن الداعية يُسَرُّ حين يستجيب له قومه ، ويتألم حين ينصرفون عن دعوته .ونشعر بعميق ألم نوح عليه السلام إذ عاداه قومه ، وكذبوه " رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ، وأصرّوا ، واستكبروا استكباراً " وسورة نوح في الجزء التاسع والعشرين تصور حزنه الشديد وحسرته أنْ لم يكونوا مؤمنين ،وفي سورة هود يخفف الله تعالى عنه كي لا يحزن ويغتم : " فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " ونوحٌ ليس بدعاً من الرسل ، فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يحزن لتكذيب قريش له ، فيخفف الله تعالى عنه قائلاً " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " وينبهه إلى تحمل ذلك " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً " وموسى عليه السلام يكاد يحس بالإحباط ، فيعبر عن ذلك بقوله " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "


      - والأنبياء – ومن بعدهم الدعاة ُ – رحماء بقومهم ، لا يريدون الهلاك لهم ، ولو آذَوهم . ولئن نذّ عن الدعاة في لحظة ضعف وألمٍ غضبٌ ودعاء بهلاك الكافرين منهم ، فدعوا عليهم ، إنهم سرعان ما تتحرك الشفقة والعطف ، فتظهر فيهم الرحمة ، فنوح عليه السلام يدعو عليهم في سورة غضب من سوئهم وتكذيبهم وشدة كفرهم : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديـّاراً " إلا أننا نلمح رحمته بهم في قول الله تعالى له " ولا تخاطبني في الذين ظلموا ، إنهم مغرقون " فلولا علم ُالله تعالى رحمة َ نوح بقومه ما نبهه ابتداءً في عدم الشفاعة بهم . كما أن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله أصحابه أن يدعو على أهل الطائف وهو يحاصرهم " اللهم اهدِ ثقيفاً وائتِ بهم " وحين ينزل عليه ملَك الجبال بأمر الله تعالى – وقد طردته قريش وثقيف - ويقول له : يار سول الله لو شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبَين يقول الرحيم بقومه " اللهم اهد قومي ، فإنهم لا يعلمون " أما آخر آية من سورة التوبة ، فإنها وسام في جبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم " لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتـّم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم .. "


      - هلاك الكفار بيد الله تعالى – أمر لا شك فيه – وهو القدير يقرر الطريقة التي يعاقبهم بها حين يتمردون ، ويجترئون " فكُلاّ أخذنا بذنبه ، فمنهم مَن أرسلنا عليه حاصباً ، ومنهم من أخذتـْه الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا " وكان في الغرق هلاك قوم نوح . ولن يُجمعوا فيساقوا إلى البحر ، ولكنّ المياه بإذن الله ستجتاحهم ولا تبقي منهم أحداً ، ولا بدّ من نجاة نوح والمؤمنين ، ومع أن الله تعالى رب الأسباب يفعل مايشاء إلا أنه يعلمنا أن نتخذ الأسباب ، ونعتمد عليه بعد اتخاذ الأسباب ، فلا بد – إذاً - من سبب للنجاة ... فلتكن السفينة التي تقل المؤمنين جاهزة ، وسيصنعها النبي نوح والمؤمنون معه بإذن الله تعالى . " فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا " .


      - ويبدأ نوح عليه السلام والمؤمنون معه يصنعون سفينة النجاة بتوفيق من الله ، يدل على هذا التوفيق تلكما الكلمتان( الأعين والوحي) فرعاية الله تحفظهم ، ووحيه يرشدهم ، ومن كان الله معه فهو الفائز الراشد أبداً . ألم يبدأ الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بناء المسجد النبوي وتبعه المسلمون يعملون بجد ونشاط قائلين :


      لئن جلسنا والنبي يعمل لَذاك من العمل المضلل


      وكان صلى الله عليه وسلم يحفر الخندق مع المسلمين .. ويشارك في صنع طعام أصحابه ، وهو القائل حين أزمع أصحابه الطبخ في سفرهم وقالوا استرح يا رسول الله ، فنحن نكفيك : " وعليّ جمع الحطب " .. صلى الله عليه وسلم .


      - الثقة بالنفس والإيمان بالدعوة يبث القوة في الداعية ، ويدعّم موقفه أمام اللآخرين . فهؤلاء الكفار يسخرون من نوح عليه السلام وأصحابه حين يرونهم يصنعون السفينة ، فيرد عليهم نبي الله نوح إن كنتم الآن منا تسخرون ، فنحن نسخر منكم الآن وحين تقع الواقعة ، ويحين هلاككم ، ومن يضحك أخيراً فهو الفائز في الدنيا والآخرة ...


      " ويصنع الفلك ......


      وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ........


      قال : إن تسخروا منا ، فإنا نسخر منكم كما تسخرون ....


      فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ، ويحل عليه عذاب مقيم "


      - وقد كان نوح عليه السلام ينتظر انفجار الماء من الأرض ونزوله العظيم من السماء ، وينبه أهله وأتباعه أن يكونوا لأمره يقظين ، ولإشارته منتبهين ، فإذا ما بدأت لحظة الصفر جاء الأمر بركوب السفينة ، ولن يركبها إلا السعيد بالإيمان من أهله وأتباعه . أما الكفار - مهما كانت قرابتهم منه عليه السلام - فهم من الهالكين . وقد يكون للأنساب في الدنيا مكان وتمكين ، أما في الآخرة فالعمل الصالح والإيمان بالله يرفع صاحبه . ولا تنفع الأنساب مالم يكن هناك إيمان وتقوى" فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " . وقد كان أصحاب نوح قليلين ، بضعاً وثمانين ، والعبرة بالنوع والكيف لا بالعدد والكمية . منهم تعود البشرية إلى التكاثر والنماء " ذريـّة من حملنا مع نوح ، إنه كان عبداً شكوراً " .


      - ويركبون السفينة وعين الله ترعاها ، والمؤمن تكلؤه عناية المولى سبحانه وتحميه وتنقذه من البلاء وتسمو به إلى النجاة والهناء " بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم " .. بدأت المياه تتفجروتندفع من كل شبر من الأرض بقوة ، ونزلت أنهار السماء وبحارها تتدفق تدفقاً لا يوصف ، والماء يعلو بسرعة متناهية .. وهرب الناس بأنفسهم إلى الروابي والجبال ظانين أنهم بذلك ينجون من الغرق !!.. ولكن قدر الله يحيط بهم وهم حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم سادرون في الضلالة لا يرعوون ... سقط الضعفاء في السهول والوديان ، وتركت الأمهات أطفالهن ينجون بأنفسهن وانطلق الرجال دون المال والأطفال والنساء لا يلوون على شيء ، كلهم يسأل النجاة لنفسه فقط .كما يفعل الناس يوم القيامة " يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ،وصاحبته وبنيه ،لكل منهم يومئذ شأن يغنيه "


      - ويرى الأب الرحيم نوح أحد أولاده – وكان كافراً كأمه - يغالب الموج والماء منطلقاُ إلى جبل قريب يعتصم به من الموت المحقق ، فتتحرك الرأفة والرحمة الأبوية ، فيناديه: " يا بني ؛ اركب معنا ، ولا تكن مع الكافرين " .. أقول : : لو أنه قال له اركب معنا لركب – ربما – ولكن نوحاً اشترط الهادية والإيمان لركوب السفينة والنجاة من الغرق حين قال " ولا تكن مع الكافرين " فأخذت الولدَ العزةُ بالإثم وانطلق مبتعداً إلى الجبل ، فلم يمهله الموج أن لطمه وجرّه إلى حيث الموتُ والهلاك السريع .. كيف ينجو ؟! والموج كالجبال علوا وحجماً وارتفاعاً وقوة ، وكالريح الشديدة سرعة وحركة وأخذاً ؟! .. إنّ من غالب الله هُزم ، ومن عاداه قـُصِم ، ومن اجترأ عليه ندم .. ندم حيث لا ينفع الندم ، ولا يجدي الألم ...


      - كل عمل لا يُبدأ فيه ببسم الله أبتر كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكرُ الله عنوانُ الإيمان وسِمَة المسلم لعلمِه أن كل شيء بيده سبحانه ، يصرف الأمور كيف يشاء . فمن لجأ إلى الله تعالى فقد لاذ بالأمن والنجاة ، (وتصور أخي الحبيب السفينة مهما كانت كبيرة تمشي بين موج كالجبال لا يحفظها من هذا الموج سوى الله ) وفي تفسير القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم : "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضتُه يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ." " بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم " "


      - لو أمعنا النظر في قوله تعالى يخاطب الأرض والسماء " وقيل يا أرض : ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي " بهذا الجمال والوضوح مع الاختصار ما وجدنا أجمل منه ولا أوضح تعبيراً .. جملتان قصيرتان خضعت لهما السماء والأرض ، فقد التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر ، فأمَر اللهُ تعالى الماءَ النازلَ من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الارض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط ، فما جاوزت ذلك . وانتهى الأمر بجملتين صغيرتين أُخريين " وغيض الماء ، وقُضي الأمر " فعاد كل شيء كما كان .... وأماكن السفن في البحر، ترسو على الشطآن ، أما سفينة الإيمان فقد رست أعلى الجبل ، وبقيت آية تدل على عظمة الله وقدرته سبحانه .


      - ألم يقل الله تعالى لنوح عليه السلام " قلنا احمل فيها زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ، ومن آمن "؟ وظن نوح عليه السلام أن ابنه من أهله . فقال بعد أن نزل من السفينة وهدأت نفسه ونفوس المؤمنين معه من صعوبة هذه الرحلة الشاقة وحنّ إلى البنه الغارق " ربِّ إن ابني من أهلي ، وإن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين " فهو يستنجز وعد الله الحق أن ينجي ابنه فهو من أهله !. فينبهه الله تعالى أن الإيمان والكفر لا يجتمعان ، وأن الصلة الحقيقية بين الناس صلة الإيمان بالله تعالى فلئن كان الغارقُ ابنـَه ومن صلبه – نعم من صلبه ، فنساء الأنبياء لا يزنين فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما " ما بغتْ امرأة نبي قط " أما قوله تعالى في زوجتي نوح ولوط " ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، كانتا تحت عبدين من عبادنا فخانتاهما .." إن خيانتهما في أنهما لم تؤمنا بهما وكانتا مع قومهما عليهما - إلا أنه لم يؤمن ولم يعمل صالحاً ، فلـْتنقطعِ العلاقة ُ إذاً! " قال : يا نوح ؛ إنه ليس من أهلك ، إنه عملٌ غيرُ صالح " . من هذا نفهم كيف كان قتال بين أبي عبيدة رضي الله عنه وبين أبيه الجراح في معركة بدر فقتل عامر أباه . وكيف كان رأي الفاروق رضي الله عنه أن يُقتل الأسرى من أهل بدر ولو كان بعضهم لبعض رحِماً وقريباً وخالفه بعضهم فنزلت الآية من سورة الأنفال تؤيد رأي الفاروق عمر " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا ، والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم " .


      - ونوح عليه السلام مثال المؤمن الذي يمتثل لأمر الله ، ويعترف بخطئه ، ويستغفر الله إن أخطأ ،ويسرع إلى مرضاة الله والرغبة في عفوه ورحمته . فلما حذره الله تعالى أن يكون من الجاهلين فيسأل ما ليس له به علم استعاذ بالله أن يزل أو يقع في الخطأ وتذلل لله وخضع له ، " قال ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ، وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " فشكر الله له هذا التذلل والخضوع ، وأكرمه بالسلامة على الأرض مع قومه والبركات منه سبحانه للجميع " " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك .." وكانت العاقبة للمؤمنين الصادقين ..


      اللهم إنا نسألك الهداية ونسألك النجاة من كل سوء لنا وللمسلمين جميعاً .. يا رب العالمين . اللهم آمين آمين


        تأملات تربوية في سورة هود(3)   الدكتور عثمان قدري مكانسي

      - السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة :" ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، قالوا سلاماً . قال : سلام " ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها " وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " .. فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟ والجواب أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيـَّوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ، ورد عليهم بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت . والثبوت أقوى من الحدوث ، فكان رد النبي إبراهيم عليه السلام بأحسن من تحيتهم .


      - وتحية المسلمين " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما " صباح الخير ، أو أو مساؤه ، وما تلقفناه عن الغرب هذه الأيام من " هاي ، باي ، مورننج " فليس من تحية المسلمين ، لقد دخل عمرو بن وهب الجمحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ولأصحابه " أنعموا صباحاً " - وكانت تحية أهل الجاهلية – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أكرمنا الله بتحية خيرٍ من تحيتك يا عمير ، تحية أهل الجنة "


      - ومن حسن الاستقبال : أ- أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة ،


      ب - وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة – وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً " فما لبث أن جاء بحجل حنيذ " وفي سورة الذاريات " فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين " وكلمة راغ توحي بأنه كان حريصاً على قـِراهم ، فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي .


      ج - كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : "الضيافة ثلاثة أيام ، وجائزته يوم وليلة ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة " .والمقصود بالجائزة : الهبة والعطيّة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " :: ومن كان يمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " فـ" ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .


      د – ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام ، فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون ؟"


      هـ - ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب


      - ومن جمال التعبير في الآية " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " أنهم لم يتحركوا ولم يهتموا بالطعام . وعملهم هذا في العرف الاجتماعي أنهم أعداء يستهينون بمن دخلوا عليه داره . ويخيف صاحب الدار أن عدوه يتحداه في عقر داره ، ويرفض الصلح ، وكأنه ما جاء إلا عن قوة ليفرض ما يريد " فنَكِرهم وأوجس منهم خيفة " وهنا يفصحون عن أنفسهم . فهم ملائكة الله جاءوه مبشرين بإسحاق نبياً من الصالحين وبحفيده من إسحاق يعقوب عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، فيرتاح قلبه وتهدأ نفسه " قالوا : لا تخف ." ... " فبشرناه بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب " .


      وقد يمتنع الضيف عن قبول الضيافة إلا أن يطلب حاجة من ضائفه ، ويجيبه هذا إليها ، فيمد يده إلى قراه . وهذا معروف عند أهل البدو والأرياف .


      - من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ،وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك . فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط – ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط عليه السلام : وَهَذِهِ الْمُجَادَلَة رَوَاهَا حُمَيْد بْن هلال عَنْ جُنـْدُب عَنْ حُذَيْفَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا : " إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة " قَالَ لَهُـمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أتُهلكونهم ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَأَرْبَعُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فثلاثون ؟ قَالُوا :لا . قَالَ : فَعِشْرُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَة - أَوْ خَمْسَة " شَكَّ حُمَيْد " - قَالُوا : لا . وَقـيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُل مُسْلِم أتـُهلكونها ؟ قَالُوا : لا . فَقَالَ إِبْرَاهِيم عِنْد ذَلِكَ : " إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لـَنـُنـَجـّينـّه وَأَهْله إلا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ " الْعَنْكَبُوت : 32 . وهذا النبي لوط عليه السلام ينصح قومه بزواج الفتيات الطاهرات ويأمرهم بتقوى الله تعالى وعدم معصيته " قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله " ويرشدهم إلى احترام الضيف وحفظ مروءته وعدم التعرض له بما يسيء له ولمن ضافه " ولا تُخزونِ في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد؟ " .


      - من سمات الفاسقين المنحرفين قومِ لوط أنهم كانوا :


      أ – سفهاء ، يهرعون حيث تقودهم شهواتهم ، فإنهم لما علموا بوجود شباب صِباح الوجوه أسرعوا إلى بيت لوط عليه السلام يريدون عمل الفحشاء بهم " وجاءه قومه يُهرعون إليه ..." .


      ب – منغمسين في الفحشاء مَردوا عليها ، ومن كان منقاداً لهواه غارقاً بفساده ضاع الحياء منه وجاهر بالمعصية " ومن قبلُ كانوا يعملون السيئات "


      ج – اختلـّتْ مفاهيمهم وفسدتْ أذواقهم ، فرأوا الخبيث طيباً والطيب خبيثاً " قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد " بل زجروه في سورة الحجر وكأنه المخطئ وهم أصحاب الحق والسداد بأن لا يتدخل فيما لا يعنين ، ولا يدافع عن أحد " أولم ننهَك عن العالمين ؟ ؟ وهذا وهدة السفالة والانحطاط حين يرى الفاجر نفسه على صواب وغيره على خطأ فيعلو عليه ويهدده .


      - قد يضعف المرء لحظة مهما كان حازماً وحكيماً حين يرى الخطب يشتد عليه " وخلق الإنسان ضعيفاً " فهذا لوط عليه السلام حين رأى من جواب قومه التعنت واندفاعهم إلى ضيوفه ، ولم يستطع ردهم قال : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " فقد خاف على ضيوفه أن يفحش الفسقة فيهم وهو لا يعرف كنههم ، وَمُرَاد لُوط بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَة , وَالْمَنَعَة بالكثرة - وهو المهاجر إلى بلدتهم من العراق مع عمه إبراهيم ، وما صاروا قومه إلا لأنه عاش فيهم وتزوج منهم - . وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيح فِعْلهمْ إِلَى قَوْله هَذَا مَعَ عِلْمه بِمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلائِكَة وَجَدَتْ عَلَيْهِ حين قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَات , وَقَالُوا بعد أن عرّفوه بانفسهم : إِنَّ رُكْنك لَشَدِيد . وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذاب غَيْر مَرْدُود , وَإِنَّا رُسُل رَبّك ; فَافْتَح الْبَاب وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ ; فَفَتَحَ الْبَاب فَضَرَبَهُمْ جبْرِيل بِجَنَاحِهِ . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد " .


      - الله تعالى القوي يفعل ما يشاء ، فيرشد ، وينبه ، ويحذر ، ثم يهدد وينفذ .. هذا ما وجدناه في قوله تعالى يهدد قوم لوط ويتوعدهم " إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسوّمة عند ربك " ووجدنا ذلك في عقوبة قوم صالح حين عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم " فعقروها ، فقال : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب " وأخذتهم الصيحة فقطعت أوصالهم وجففت أجسادهم فماتوا لفورهم . وأخذت الصيحة – كذلك قوم شعيب ، فكانت نهايتهم عيرة لمن يعتبر. .. وأغرق الله فرعون وقومه ، فلم تقم لهم قائمة . وإذا أهلك الله تعالى الناس بكفرهم فهم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم واستكبارهم فلن ينفعهم أحد فعذاب الله الشديد إن وقع لا مردّ له " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب." .. لكنّ العاقل من يتعظ


      - يطلب مشركو قريش آيات تدل على نبوة الحبيب المصطفى ، مع أن القرآن كان أقوى آية أوتيها المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان الدليل العظيم على نبوّته صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون الإتيان بمثله ولا بعشر سور من مثله ولا بسورة واحدة " وقالوا : لولا أنزل عليه آيات من ربه " فلما قال صلى الله عليه وسلم " سبحان ربي ؛ هل كنت إلا بشراً رسولاً " طلبوا آية واحدة " ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه؟" فكانت آية انشقاق القمر : ،" اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر . " .. طلبوا منه الآية فلما جاءت كذبوه كما طلب قوم صالح عليه السلام منه آية فأرسل الله تعالى الناقة ، فظلموا بها ، وازدادوا عتواً وكفراً فعقروها . وما دام هذا دأبهم فلا آيات بعد ذلك . لماذا ؟ لأنهم أحفاد قوم صالح ، وملة الكفر سبيلها معروف " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة فظلموا بها " ومهمة الآيات الإنذار والتخويف من الكفر والتحذير من العناد ، وما لم تفلح في قلوب قدت من صخر فلِمَ تكرارُها ؟ " وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً " .


      - وفي آخر مطافنا السريع في سورة هود نقف على بعض الأركان التي فيها صلاح المجتمع أولها الاستقامة في الحياة على الدين ،والسير على الصراط المستقيم فهو ملاك الأمر، والهادي إلى الخاتمة السعيدة . " فاستقم كما أمرتَ ومن تاب معك ...." وحين يسير المجتمع على تقوى من الله تستقيم الحياة باستقامته . وقد روى سفيان بن عبد الله الثقفيّ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ؛ قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك . قال " قل آمنت بالله ، ثم استقم " . فإن استقام الإنسان عرف حده فلم يتجاوزه وابتعد عن الطغيان ، فلم يظلم أحداً ، جاء دور القسم الثاني من الآية السابقة " ... ولا تطغَوا إنه بما تعملون بصير " . وثانيها الانصراف عن الظالمين وعدم إطاعتهم وصحبتهم وعدم الميل إليهم والرضا بأعمالهم ، بل يجب الإنكارُ عليهم ظلمَهم وفسادَهم ، فمن ركن إليهم كان منهم ، وناله ما ينالهم من السخط والعذاب ، وهذا أمر خطير لا ينتبه إليه كثير من النابهين فضلاً عن العوام والدهماء . " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ، فتمسّكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تُنصَرون " . وثالثها الاجتهاد في عبادة الله تعالى وأداء الصلاة المكتوبة على أتم وجه ، فإن ذلك يورث الحسنات ويمحو السيئات " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين "


      إضاءة أولى : هذه الآية ( وأقم الصلاة ...) من الآيات الدالة على الصلوات الخمس صلاة الفريضة طرف النهار الأول صلاة الفجر . وفي طرف النهار الثاني صلاتا الظهر والعصر . أما صلاتا زلف الليل ( ساعات الليل الأولى) فالمغرب والعشاء .


      إضاءة ثانية : ومثلها قوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ، وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهوداً " والدلوك ( زوال الشمس عن كبد السماء ) وهنا تبدأ صلاة الظهر ثم العصر ، وفي غسق الليل ( ساعاته الأولى) صلاتا المغرب والعشاء ، ولمقصود بقرآن الفجر صلاة الفجر نفسها .


      إضاءة ثالثة : ومثلها قوله تعالى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون " فصلاتا المساء المغربُ والعشاء ، وصلاة الفجر عند الصباح ، والإظهارُ صلاة الظهر ، أما العشيّ (فساعات ما قبل الغروب ) صلاة العصر .


      والصلاة جماعة ً هُوية المسلم الاجتماعي المندمج بإخوانه المسلمين . الحريص على وصالهم . ورابعها الصبر على العبادات والصبر في مرضاة الله تعالى والصبر عن المفاسد المؤدي إلى درجة الإحسان " واصبر فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين " ومن صبر على الناس فخالطهم وتحمل أذاهم ، ثم أمسك بأيديهم يسير معهم في درب الحب في الله ، وأحسن إليهم فقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم له بالخيرية " المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ." وخامسها إيجابية المسلم الذي يصلح ويأمر بالإصلاح ، وينهى عن الفساد وهذا دأب المسلم الغيور على دينه الذي يقوّم الاعوجاج ويدعو إلى الاستقامة " فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض " " ونتيجة الإصلاح عمار الأرض وكسب رضاء الله تعالى " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " . ألم يهلك الله تعالى القرى التي كثر الفساد فيها وحكم القائمون عليها بغير ما أنزل الله ؟ " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ، ففسقوا فيها ، فحق عليها القول ، فدمّرناها تدميراً "


      اللهم أحينا سعداء ، واجعلنا إخوة متحابين وارزقنا رضاك والجنة واجعلنا من أهل التقوى والرشاد :


      إن الإنـسـان بـتـقـــواهُ *** يعـلـو ويُـبـارَكُ مسـعـاهُ


      والعملُ الصالح يرفعـهُ *** في النـاس ويُكـرمـه اللهُ


      فاعملْ خيراً تلقَ الأجرا *** تـُرفـع عند المولى ذكـرا


      وتعـاهدْ إخوانـَك دومـاً *** فإذا عُسرُك يصبح يسرا
    • أقسامُ الظُّلمِ
        (الظُّلمُ ثَلاثةٌ:    الأوَّلُ: ظُلمٌ بَينَ الإنسانِ وبَينَ اللهِ تعالى، وأعظَمُه: الكُفرُ، والشِّركُ، والنِّفاقُ؛ ولذلك قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: أَلَا لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمينَ [هود: 18] ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31] ، في آيٍ كثيرةٍ، وقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر: 32] ،  وَمَنْ أَظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: 93] .    والثَّاني: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ النَّاسِ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا إلى قَولِه: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية، وبقَولِه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى: 42] ، وبقَولِه: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء: 33] .   والثَّالثُ: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ نَفسِه، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32] ، إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: 64] ، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] ، أي: مِن الظَّالمينَ أنفُسَهم وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: 231] . وكُلُّ هذه الثَّلاثةِ في الحَقيقةِ ظُلمٌ للنَّفسِ؛ فإنَّ الإنسانَ في أوَّلِ ما يَهُمُّ بالظُّلمِ فقد ظَلمَ نَفسَه، فإذًا الظَّالمُ أبَدًا مُبتَدِئٌ في الظُّلمِ؛ ولهذا قال تعالى في غَيرِ مَوضِعٍ: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 33] ، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: 57] ، وقَولُه: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] ) . وقال ابنُ رَجَبٍ في أقسامِ الظُّلمِ: (وهو نَوعانِ: أحَدُهما: ظُلمُ النَّفسِ، وأعظَمُه الشِّركُ، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ؛ فإنَّ المُشرِكَ جَعل المَخلوقَ في مَنزِلةِ الخالقِ، فعَبدُه وتَألهَه، فهو وضعُ الأشياءِ في غَيرِ مَوضِعِها... ثُمَّ يليه المَعاصي على اختِلافِ أجناسِها مِن كبائِرَ وصَغائِرَ. والثَّاني: ظُلمُ العَبدِ لغَيرِه)
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182996
    • إجمالي المشاركات
      2537995
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6531

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×