اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58751
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180858
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260002
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8462
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53223
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29727
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32391
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38748 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 73 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • أسبابُ الوُقوعِ في اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ 1- الجَهلُ باللهِ سُبحانَه وتعالى:
      قال الرَّازيُّ: (القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ تعالى لا يحصُلُ إلَّا عِندَ الجَهلِ بأُمورٍ:
      أحَدُها: أن يجهَلَ كونَه تعالى قادِرًا عليه.
      وثانيها: أن يجهَلَ كونَه تعالى عالِمًا باحتياجِ ذلك العَبدِ إليه.
      وثالثُها: أن يجهَلَ كونَه تعالى مُنَزَّهًا عنِ البُخلِ والحاجةِ.
      والجَهلُ بكُلِّ هذه الأُمورِ سَبَبٌ للضَّلالِ؛ فلهذا المَعنى قال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56] ) .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (الكبائِرُ:... القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوحِ اللهِ ... وتَوابعُ هذه الأُمورِ إنَّما تَنشَأُ مِنَ الجَهلِ بعُبوديَّةِ القَلبِ، وتَركِ القيامِ بها) .
      2- الغُلوُّ في الخَوفِ مِنَ اللهِ سُبحانَه وتعالى:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (لا يَدَعُ الخَوفَ يُفضي به إلى حَدٍّ يوقِعُه في القُنوطِ واليأسِ مِن رَحمةِ اللهِ؛ فإنَّ هذا الخَوفَ مَذمومٌ، وسَمِعتُ شَيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ رَحِمَه اللهُ يقولُ: حَدُّ الخَوفِ ما حَجَزك عن مَعاصي اللهِ، فما زادَ على ذلك فهو غَيرُ مُحتاجٍ إليه، وهذا الخَوفُ الموقِعُ في الإياسِ إساءةُ أدَبٍ على رَحمةِ اللهِ تعالى التي سَبقَت غَضَبَه، وجَهلٌبها) .
      ولغَلَبةِ هذا الخَوفِ على قَلبِ اليائِسِ أسبابٌ؛ منها: (إدراكُ قَلبِه مِن مَعاني الأسماءِ والصِّفاتِ ما يدُلُّ على عَظَمةِ اللهِ وجَبَروتِه، وسُرعةِ عِقابِه، وشِدَّةِ انتِقامِه، وحَجبِ قَلبِه عنِ الأسماءِ الدَّالَّةِ على الرَّحمةِ، واللُّطفِ، والتَّوبةِ، والمَغفِرةِ... إلخ، فيُسَيطِرُ على القَلبِ الخَوفُ، فيُسلِمُه ذلك إلى اليأسِ مِن رَوحِ اللهِ، والقُنوطِ مَن رَحِمَته) .
      3- أن يظُنَّ برَبِّه تعالى غَيرَ الحَقِّ، ويتَّهِمَ قَدَرَه، ويَذهَلَ عن كونِ اللهِ تعالى أنظَرَ له مِن نَفسِه، فيجزَعُ إذا تَعَذَّرَت عليه أُمورُ دُنياه، مَعَ ما قد يكونُ له في الشِّدَّةِ مِن مَنافِعَ؛منها: أن تَكونَ سَبَبًا في امتِناعِه مِن سَيِّئاتٍ كان يعمَلُها لو كان في نِعمةٍ أو بَلاءٍ يندَفِعُ عنه في نَفسِه ومالِه .
      4- الذُّهولُ عن كونِ رَحمةِ اللهِ تعالى سَبَقَت غَضَبَه وأنَّها وسِعَت كُلَّ شَيءٍ؛ فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللهَ خَلقَ الرَّحمةَ يومَ خَلقَها مِائةَ رَحمةٍ، فأمسَك عِندَه تِسعًا وتِسعينَ رَحمةً، وأرسَل في خَلقِه كُلِّهم رَحمةً واحِدةً، فلو يَعلَمُ الكافِرُ بكُلِّ الذي عِندَ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ لم يَيأسْ مِنَ الجَنَّةِ)) .
      5- سوءُ التَّربيةِ وعَدَمُ تَعويدِ النَّشءِ على عُبوديَّةِ القَلبِ، كالإخلاصِ والتَّوكُّلِ والرِّضا والرَّجاءِ وغَيرِها، فإذا ذَهَبتِ النِّعمةُ وكانتِ الشِّدَّةُ وقع التَّبَرُّمُ والإحباطُ.
      6- مُصاحَبةُ اليائِسينَ والقانِطينَ والمُقنِّطينَ والمُثَبِّطينَ المُخَذِّلينَ أهلَ الإرجافِ:
      فإنَّ مُصاحبةَ هؤلاء تُورِثُ اليأسَ والقُنوطَ مِن رَحمةِ اللهِ، إمَّا مُشابَهةً أوعُقوبةً للاختِلاطِ بهم.
      7- التَّعَلُّقُ بالأسبابِ:
      قال فخرُ الدِّينِ الرَّازيُّ: (الكافِرُ يعتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصولِ تلك النِّعمةِ سَبَبٌ اتِّفاقيٌّ، ثُمَّ إنَّه يستَبعِدُ حُدوثَ ذلك الاتِّفاقِ مَرَّةً أُخرى، فلا جَرَمَ يستَبعِدُ عودَ تلك النِّعمةِ، فيقَعُ في اليأسِ. وأمَّا المُسلمُ الذي يعتَقِدُ أنَّ تلك النِّعمةَ إنَّما حَصَلت مِنَ اللهِ تعالى وفضلِه وإحسانِه وطَولِه؛ فإنَّه لا يحصُلُ له اليأسُ، بل يقولُ: لعَلَّه تعالى يرُدُّها إليَّ بَعدَ ذلك أكمَلَ وأحسَنَ وأفضَلَ ممَّا كانت، وأمَّا حالَ كونِ تلك النِّعمةِ حاصِلةً فإنَّه يكونُ كَفورًا؛ لأنَّه لمَّا اعتَقدَ أنَّ حُصولَها إنَّما كان على سَبيلِالاتِّفاقِ أو بسَبَبِ أنَّ الإنسانَ حَصَّلها بسَبَبِ جِدِّه وجُهدِه، فحينَئِذٍ لا يشتَغِلُ بشُكرِ اللهِ تعالى على تلك النِّعمةِ) .
      8- التَّشَدُّدُ في الدِّينِ وتَركُ الأخذِ بالرُّخَصِ المَشروعةِ:
      قال الغَزاليُّ: (أخبَرَ أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تُؤتى عَزائِمُه؛تَطييبًا لقُلوبِ الضُّعَفاءِ حتَّى لا ينتَهيَ بهمُ الضَّعفُ إلى اليأسِ والقُنوطِ، فيترُكونَ المَيسورَ مِنَ الخَيرِ عليهم بعَجزِهم عن مُنتَهى الدَّرَجاتِ، فما أُرسِل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا رَحمةً للعالَمينَ كُلِّهم على اختِلافِ أصنافِهم ودَرَجاتِهم) .
      9- قِلَّةُ الصَّبر واستِعجالُ النَّتائِجِ:
       إنَّ ضَعفَ النُّفوسِ عن تَحَمُّلِ البَلاءِ والصَّبرِ عليه، واستِعجالَ حُصولِ الخَيرِ يُؤَدِّي إلى الإصابةِ باليأسِ والقُنوطِ، لاسيَّما مَعَ طولِ الزَّمَنِ واشتِدادِ البَلاءِ على الإنسانِ؛ فعن أبي هُرَيرةَ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((لا يزالُ يُستَجابُ للعَبدِ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يستَعجِلْ، قيل: يا رَسولَ اللهِ، ما الاستِعجالُ؟ قال: يقولُ: قد دَعَوتُ وقد دَعَوتُ، فلم أرَ يَستَجيبُ لي؛ فيستَحسِرُ عِندَ ذلك ويدَعُ الدُّعاءَ)) .
      قال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: (والقائِلُ: قد دَعَوتُ فلم أرَ يُستَجابُ لي، ويترُكُ قانِطًا مِن رَحمةِ اللهِ، وفي صورةِ المُمتَنِّ على رَبِّه، ثُمَّ إنَّه جاهلٌ بالإجابةِ؛ فإنَّه يظُنُّها إسعافَه في عَينِ ما طَلبَ، فقد يعلمُ اللهُ تعالى أنَّ في عَينِ ما طَلبَ مَفسَدةً) .
      عن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ، قال: ((شَكَونا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهُو مُتوسِّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكَعْبةِ، قُلنا له: ألَا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألَا تَدْعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرَّجلُ فيمَنْ قبلَكم يُحفَرُ له في الأرْضِ، فيُجعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثْنتَينِ، وما يصُدُّه ذلك عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمْشاطِ الحَديدِ ما دُونَ لَحمِه مِن عظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يصُدُّهُ ذلك عن دِينِه، واللهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ، لا يَخافُ إلَّا اللهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تَستعجِلونَ)) .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (مَنِ استَطال الطَّريقَ ضَعُف مَشيُه.
      وما أنت بالمُشتاقِ إن قُلتَ بَينَنا
      طُوالُ اللَّيالي أو بَعيدُ المَفاوِزِ) .
      وقال أبو الفرَجِ بنُهندوا:
      لا يُؤيسَنْك مِن مَجدٍ تَباعُدُه
      فإنَّ للمَجدِ تَدريجًا وتَرتيبَا
      إنَّ القَناةَ التي شاهَدتَ رِفعَتَها
      تَسمو فتُنبِتُ أُنبوبًا فأُنبوبَا
      7- تَعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا:
      فمِن أسبابِ اليأسِ والقُنوطِ الأساسيَّةِ تَعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا، والفرَحُ بأخذِها، والحُزنُ والتَّأسُّفُ على فواتِها بكُلِّ ما فيها مِن جاهٍ وسُلطانٍ، وزَوجةٍ وأولادٍ، ومالٍ وعافيةٍ، قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36].
      8- دُنوُّ الهمَّةِ والاستِسلامُ للواقِعِ وضَعفُ الرَّغبةِ في التَّغييرِ:
       فإنَّ (اليأسَ مِنَ الإصلاحِ يقَعُ فيه كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فإذا عاينَ الشُّرورَ المُتَراكِمةَ والمَصائِبَ، والمِحَنِ والفِتَنَ، ومِنَ الفُرقةِ والتَّناحُرِ والاختِلافِ الذي يسري في صُفوفِ المُسلمينَ، يَئِسَ مِنَ الإصلاحِ،... ومِثلُ ذلك في شَأنِ كثيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّن يُسرِفُ على نَفسِه بالمَعاصي، ويَتيهُ في أوديةِ الرَّذيلةِ، فتَجِدُه يَيأسُ مِن إصلاحِ حالِه، والرُّقيِّ بها إلى الأمثَلِ، بل رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّغييرَ مُستَحيلٌ... وهذا كُلُّه مَظهَرٌ مِن مَظاهرِ دُنوِّ الهمَّةِ، وصِغَرِ النَّفسِ، والعَجزِ عن مواجَهةِ المَتاعِبِ والمَصاعِبِ) .
      9- تَمَنِّي المَوتِ:
      قال السَّعديُّ: (ورَد النَّهيُ عن تَمَنِّي المَوتِ للضُّرِّ الذي يَنزِلُ بالعَبدِ مِن مَرَضٍ أو فقرٍ أو خَوفٍ، أو وُقوعٍ في شِدَّةٍ ومَهلَكةٍ، أو نَحوِها مِنَ الأشياءِ؛ فإنَّ في تَمَنِّي المَوتِ لذلك مَفاسِدَ...منها: أنَّه يُضعِفُ النَّفسَ، ويُحدِثُ الخَورَ والكسَلَ، ويوقِعُ في اليأسِ، والمَطلوبُ مِنَ العَبدِ مُقاومةُ هذه الأُمورِ، والسَّعيُ في إضعافِها وتَخفيفِها بحسَبِ اقتِدارِه، وأن يكونَ مَعَه مِن قوَّةِ القَلبِ وقوَّةِ الطَّمَعِ في زَوالِ ما نَزَل به. وذلك موجِبٌ لأمرَينِ: اللُّطفُ الإلهيُّ لمَن أتى بالأسبابِ المَأمورِ بها، والسَّعيُ النَّافِعُ الذي يوجِبُه قوَّةُ القَلبِ ورَجاؤُه... فيَجعَلُ العَبدُ الأمرَ مُفوَّضًا إلى رَبِّه الذي يعلمُ ما فيه الخَيرُ والصَّلاحُ له، الذي يَعلمُ مِن مَصالحِ عَبدِه ما لا يعلمُ العَبدُ، ويُريدُ له مِنَ الخَيرِ ما لا يُريدُه، ويَلطُفُ به في بَلائِه كما يَلطُفُ به في نَعمائِه)
    • قِصَصٌ ونَماذِجُ في عَدَمِ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ أ- نَماذِجُ مِنَ الأنبياءِ 1- قِصَّةُ نَبيِّ اللهِ يعقوبَ عليه السَّلامُ:
      فقِصَّةُ نَبيِّ اللهِ يعقوبَ عِندَ فقدِ ابنِه يوسُفَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ دَرسٌ عَظيمٌ في تَركِ اليأسِ، وحُسنِ الظَّنِّ باللهِ، والصَّبرِ على البَلاءِ، ورَجاءِ الفرَجِ مِنَ اللهِ، في عِدَّةِ مَواضِعَ؛منها:
      عِندَما جاءَه نَعيُ أحَبِّ أولادِه إليه يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -وهذا أعظَمُ المَصائِبِ على قَلبِ الأبِ- لم يفقِدْ صَوابَه، بل قابَل قدَرَ اللهِ النَّازِلَ بالصَّبرِ والحِلمِ، والاستِعانةِ باللهِ سُبحانَه على رَفعِه: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] .
      ولمَّا عَظُمَتِ المُصيبةُ بفقدِ ابنِه الثَّاني ازدادَ صَبرُه، وعَظُمَ رَجاؤُه في الفرَجِ مِنَ اللهِ سُبحانَه، فقال لأبنائِه: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: 83] .
      حينَ عوتِبَ في تَذَكُّرِ يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعدَ طولِ الزَّمانِ، وانقِطاعِ الأمَلِ، وحُصولِ اليأسِ في رُجوعِه، قال بلسانِ المُؤمِنِ الواثِقِ في وعدِ اللهِ برَفعِ البَلاءِ عنِ الصَّابرينَ، وإجابةِ دَعوةِ المُضطَرِّينَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: 86] .
      وأخَذَ بالأسبابِ في السَّعيِ والبَحثِ عن يوسُفَ وأخيه، فقال لأبنائِه: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87] .
      فكانتِ العاقِبةُ لمَن صَبرَ وأَملَ ورَضِيَ ولم يتَسَخَّطْ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُمِن عِندِ الحَبيبِ مُبَشِّرًا باللِّقاءِ القَريبِأَلْقَاهُ قَميصَ يوسُفَعَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا فرَجَعَ البَصَرُ، وبَلغَ الأمَلُ، وزال الكَربُ، وحَصَل الثَّوابُ لمَن صَبَرَ ورَضِيَ وأنابَ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: 96] .

      2- نَبيُّ اللهِ أيُّوبُ عليه السَّلامُ:
      ووقَعَ على أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الضُّرُّ والمَرَضُ في بَدَنِه، وابتُليَ بذَهابِ الأهلِ والمالِ والولدِ، فلم ينقَطِعْ طَمَعُه في رَحمةِ اللهِ وفَرَجِه، بل نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] ، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] في كُلِّ بَلاءٍ نَزَل بهم؛ ليتَأسَّوا به في الصَّبرِ ورَجاءِ الفَرَجِ والأجرِ ، ولم يكُنْ ما ابتُليَ به أيُّوبُ مِن هَوانِه على اللهِ تعالى، ولكِنَّ اللهَ أرادَ كرامَتَه بذلك، وجَعَل ذلك عَزاءً للعابدينَ بَعدَه فيما يُبتَلونَ به .

      3- نَبيُّ اللهِ يونُسُ عليه السَّلامُ:
      لم يستَولِ اليأسُ على يونُسَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا ارتَفعَ عنه الرَّخاءُ ووقَعَت عليه الشِّدَّةُ، ورَغم أنَّه حُبِسَ في بَطنِ حوتٍ يُعاني ثَلاثَ ظُلُماتٍ: ظُلمةَ البَحرِ، وظُلمةَ اللَّيلِ، وظُلمةَ بَطنِ الحوتِ، إلَّا أنَّه لم يشعُرْ بالإحباطِ ولم يستَسلِمْ للهَمِّ والغَمِّ، بل نادى رَبَّه: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] ، يُريدُ فيما خالف فيه مِن تَركِ مُداومةِ قَومِه والصَّبرِ عليهم ، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 88] ، وكما أنجَينا يونُسَ مِن كَربِ الحَبسِ في بَطنِ الحوتِ في البَحرِ إذ دَعانا، كذلك نُنجي المُؤمِنينَ مِن كَربِهم إذا استَغاثوا بنا ودَعَونا) .

      4- نَبيُّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ:
      خَرَجَ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ببَني إسرائيلَ حتَّى إذا قابَله البَحرُ ولم يكُنْ له عنه مُنصَرَفٌ، طَلعَ فِرعَونُ في جُندِه مِن خَلفِهم، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشُّعَراء: 61] ، قالت بَنو إسرائيلَ: هذا فِرعَونُ وقَومُه لحِقونا مِن ورائِنا، وهذا البَحرُ أمامَنا قد غَشِيَنا ولا مُنقِذَ لنا منه !قال موسى لقَومِه:كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62] ، ليس الأمرُ كما ذَكرتُم، كَلَّا لن تُدرَكوا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، يقولُ: سَيهدينِ لطَريقٍ أنجو فيه مِن فِرعَونِ وقَومِه) .   ب- نَماذِجُ مِنَ السَّلَفِ والعُلَماءِ - حَجَّ أبو المُظَفَّرِ السَّمعانيُّ على البَرِّيَّةِ أيَّامَ انقَطَعَ الرَّكبُ، فأخذه الأعرابُ هو وجَماعةً، يقولُ: (أسَرونا، فكُنت أرعى جِمالَهم، فاتَّفقَ أنَّ أميرَهم أرادَ أن يُزَوِّجَ بنتَه، فقالوا: نَحتاجُ أن نَرحَلَ إلى الحَضَرِ لأجْلِ مَن يعقِدُ لنا، فقال رَجُلٌ مِنَّا: هذا الذي يرعى جِمالَكم فقيهُ خُراسانَ! فسَألوني عن أشياءَ، فأجَبتُهم وكَلَّمتُهم بالعَرَبيَّةِ، فخَجِلوا واعتَذَروا، فعَقدتُ لهمُ العَقدَ، وقُلت الخُطبةَ، ففرِحوا، وسَألوني أن أقبَل منهم شَيئًا فامتَنَعتُ، فحَمَلوني إلى مَكَّةَ وسَطَ العامِ) .

      - وعن أبي عَبدِ اللهِ الباقطائيِّ، قال: سَمِعتُ عُبَيدَ اللهِ بنَ سُلَيمانَ يقولُ في وِزارَتِه، قال لي أبي: (كُنتُ يومًا في حَبسِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ الزَّيَّاتِ في خِلافةِ الواثِقِ، آيَسَ ما كُنتُ مِنَ الفرَجِ، وأشَدَّ مِحنةً وغَمًّا، حتَّى ورَدَت عليَّ رُقعةُ أخي الحَسَنِ بنِ وهبٍ، وفيها شِعرٌ له:
      مِحَنٌ أبا أيُّوبَ أنت مَحِلُّها
      فإذا جَزِعتَ مِنَ الخُطوبِ فمَن لها
      إنَّ الذي عَقدَ الذي انعَقدَت به
      عُقَدُ المَكارِه فيك يُحسِنُ حَلَّها
      فاصبِرْ فإنَّ اللهَ يُعقِبُ فُرجةً
      ولعَلَّها أن تَنجَلي ولعَلَّها
      وعسى تَكونُ قَريبةً مِن حَيثُ لا
      تَرجو وتَمحو عن جديدِك ذُلَّها
      قال: فتَفاءَلتُ بذلك، وقَوِيَت نَفسي، فكتَبتُ إليه:
      صَبَّرتَني ووعَظتَني وأنا لها
      وستَنجَلي بل لا أقولُ لعَلَّها
      ويحُلُّها مَن كان صاحِبَ عَقدِها
      ثِقةً به إذ كان يملِكُ حَلَّها
      قال: فلم أُصَلِّ العَتَمةَ ذلك اليومَ حتَّى أُطلِقتُ! فصَلَّيتُها في داري، ولم يمضِ يومي ذاك حتَّى فرَّجَ اللهُ عنِّي، وأُطلِقتُ مِن حَبسي، ورُويَ أنَّ هاتَينِ الرُّقعَتَينِ وقَعَتا بيَدِ الواثِقِ، الرِّسالةُ والجَوابُ، فأمَرَ بإطلاقِ سُليمانَ، وقال: واللهِ، لا تَرَكتُ في حَبسي مَن يرجو الفرَجَ، ولا سيَّما مَن خَدَمَني، فأطلقَه على كُرهٍ مِنِ ابنِ الجَرَّاحِ الزَّيَّاتِ لذلك) .

      - وكان يحيى النَّحويُّ في أوَّلِ أمرِه مَلَّاحًا يَعبُرُ النَّاسُ في سَفينَتِه، وكان يُحِبُّ العِلمَ كثيرًا، فإذا عَبرَ مَعَه قَومٌ مِن إحدى دورِ العِلمِ التي كانت تَدرُسُ العِلمَ بجَزيرةِ الإسكندَريَّةِ فكانوا يتَحاورونَ في مَسائِلَ مِنَ العِلمِ فيسمَعُه وتَهَشُّ نَفسُه للعِلمِ، فلمَّا قَوِيَت رَويَّتُه في العِلمِ فكَّرَ في أمرِه وقال: قد بَلغتُ نَيِّفًا وأربَعينَ سَنةً مِنَ العُمرِ وما ارتَضْتُ بشَيءٍ وما عَرَفتُ غَيرَ صِناعةِ المَلاحةِ، فكيف يُمكِنُني أن أتَعَرَّضَ إلى شَيءٍ مِنَ العُلومِ، فبَينَما هو مُفكِّرٌ إذ رأى نَملةً قد حَمَلت نَواةَ تَمرةٍ، وهي تُريدُ أن تَصعَدَ بها إلى عُلوٍ، وكُلَّما صَعِدَت بها سَقَطَت، فلم تَزَل تُجاهدُ نَفسَها في طُلوعِها وهي في كُلِّ مَرَّةٍ يزيدُ ارتِفاعُها عنِ الأولى، فلم تَزَلْ نَهارَها وهو ينظُرُ إليها إلى أن بَلغَت غَرَضَها وأطلعَتْها إلى غايتِها، فلمَّا رَآها يحيى النَّحويُّ قال لنَفسِه: إذا كان هذا الحَيوانُ الضَّعيفُ قد بَلغَ غَرَضَه بالمُجاهَدةِ فأنا أولى أن أبلغَ غَرَضي بالمُجاهدةِ! فخَرَجَ من وقتِه وباع سَفينتَه ولازَم دارَ العِلمِ، وبَدَأ بعِلمِ النَّحوِ واللُّغةِ والمَنطِقِ، فبَرَعَ في هذه الأُمورِ وبَرزَ، ولأنَّه أوَّلَ ما ابتَدَأ بالنَّحوِ فنُسِبَ إليه واشتَهرَ به، ووَضعَ كُتُبًا كثيرةً منها تَفاسيرُ وغَيرُها .
      (فينبَغي أن نُثابرَ ولا نَيأسَ؛ فإنَّ اليأسَ مَعناه سَدُّ بابِ الخَيرِ، وينبَغي لنا ألَّا نَتَشاءَمَ، بل نَتَفاءَلُ، وأن نَعِدَ أنفُسَنا خَيرًا) .

      - وعن إبراهيمَ بنِ مَسعودٍ قال: (كان رَجُلٌ مِن تُجَّارِ المَدينةِ يختَلفُ إلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ فيُخالِطُه، ويُعَرِّفُه بحُسنِ الحالِ، فتَغَيَّرَت حالُه، فجَعَل يشكو ذلك إلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، فقال جَعفَرٌ:
      فلا تَجزَعْ وإن أعسَرتَ يومًا
      فقد أيسَرتَ في الزَّمَنِ الطَّويلِ
      ولا تَيأسْ فإنَّ اليأسَ كُفرٌ
      لعَلَّ اللهَ يُغني عن قَليلِ
      ولا تَظنُنَّ برَبِّك ظَنَّ سَوءٍ
      فإنَّ اللهَ أولى بالجَميلِ
      قال: فخَرَجتُ مِن عِندِه وأنا أغنى النَّاسِ) .

      - وعن مُحَمَّد بن أبي رَجاء مَولى بَني هاشِم، قال: (أصابَني غَمٌّ شَديدٌ لأمُرّ كُنت فيه، فرَفعَت مَقعَدًا كُنت جالسًا عليه، فإذا رُقعة مَكتوبة، فنَظَرَت فيها فإذا فيها مَكتوب:
      يا صاحِب الهَمِّ إنَّ الهَمَّ مُنقَطِع
      لا تَيأسنَ كأنَّ قد فرَّجَ الله
      قال: فذَهَبَ عنِّي ما كُنت أجِدُ مِنَ الغَمِّ، ولم ألبَث أن فرَّجَ الله) .

      - قال أبو العَبَّاسِ ثَعلبٌ: حَدَّثَني الفضلُ بنُ سَعيدِ بنِ سَلمٍ، قال: (كان رَجُلٌ يطلُبُ العِلمَ فلا يقدِرُ عليه، فعَزَمَ على تَركِه، فمَرَّ بماءٍ ينحَدِرُ مِن رَأسِ جَبَلٍ على صَخرةٍ قد أثَّرَ الماءُ فيها، فقال: الماءُ على لطافتِه قد أثَّرَ في صَخرةٍ على كثافتِها! واللهِ لأطلُبَنَّ العِلمَ. فطَلبَ فأدرَك) .

      - وقال ابنُ أبي الفوارِسِ: سَمِعتُ القاضيَ أبا بَكرِ بنَ عَبدِ الباقي يقولُ: (كُنت مُجاوِرًا بمَكَّةَ -حَرَسَها اللهُ تعالى- فأصابَني يومًا جوعٌ شَديدٌ لم أجِدْ شَيئًا أدفعُ به عنِّي الجوعَ، فوجَدتُ كيسًا مِن إبريسَمَ مَشدودًا بشرابةِ إبريسَمَ أيضًا، فأخَذتُه وجِئتُ إلى بَيتي، فحَلَلتُه فوَجَدتُ فيه عِقدًا مِن لُؤلُؤٍ لم أرَ مِثلَه، فخَرَجتُ فإذا شَيخٌ يُنادي عليه ومَعَه خِرقةٌ فيها خَمسُمِائةِ دينارٍ، وهو يقولُ: هذا لمَن يرُدُّ علينا الكيسَ الذي فيه اللُّؤلُؤُ، فقُلتُ: أنا مُحتاجٌ، وأنا جائِعٌ، فآخُذُ هذا الذَّهَبَ فأنتَفِعُ به، وأرُدُّ عليه الكيسَ، فقُلتُ له: تَعالَ إليَّ، وجِئتُ به إلى بيتي، فأعطاني عَلامةَ الكيسِ، وعَلامةَ الشَّرابةِ، وعَلامةَ اللُّؤلُؤِ، وعَدَدَه، والخَيطَ الذي هو مَشدودٌ به، فأخرَجتُه ودَفعتُه إليه. فسَلَّمَ إليَّ خَمسَمِائةِ دينارٍ، فما أخَذتُها، وقُلُت: يجِبُ أن أُعيدَه إليك ولا آخُذَ له جَزاءً! فقال لي: لا بُدَّ أن تَأخُذَ، وألحَّ عليَّ كثيرًا، فلم أقبَلْ، فتَرَكني ومَضى، وخَرَجتُ مِن مَكَّةَ ورَكِبتُ البَحرَ، فانكسَرَ المركَبُ وغَرِقَ النَّاسُ وهَلكَت أموالُهم، وسَلِمتُ أنا على قِطعةٍ مِنَ المَركَبِ، فبَقِيتُ مُدَّةً في البَحرِ لا أدري أينَ أذهَبُ، فوصَلتُ إلى جَزيرةٍ فيها قَومٌ، فقَعَدتُ في بَعضِ المَساجِدِ، فسَمِعوني أقرَأُ، فلم يَبقَ أحَدٌ إلَّا جاءَني وقال: عَلِّمْني القُرآنَ، فحَصَل لي منهم شَيءٌ كثيرٌ مِنَ المالِ. ثُمَّ رَأيتُ في ذلك المَسجِدِ أوراقًا مِن مُصحَفٍ، فأخَذتُها، فقالوا: تُحسنُ تَكتُبُ؟ فقُلتُ: نَعَم، فقالوا: عَلِّمْنا الخَطَّ، وجاؤوا بأولادِهم مِنَ الصِّبيانِ والشَّبابِ، وكُنتُ أُعَلِّمُهم، فحَصَل لي أيضًا مِن ذلك شَيءٌ كثيرٌ، فقالوا لي بَعدَ ذلك: عِندَنا صَبيَّةٌ يتيمةٌ ولها شَيءٌ مِنَ الدُّنيا نُريدُ أن تَتَزَوَّجَ بها، فامتَنَعتُ، فقالوا: لا بُدَّ، وألزَموني، فأجَبتُهم، فلمَّا زَفُّوها مَدَدتُ عَيني أنظُرُ إليها فوجَدتُ ذلك العِقدَ بعَينِه مُعَلَّقًا في عُنُقِها! فما كان لي حينَئِذٍ شُغلٌ إلَّا النَّظَرُ إليه، فقالوا: يا شَيخُ كسَرتَ قَلبَ هذه اليتيمةِ مِن نَظَرِك إلى هذا العِقدِ، ولم تَنظُرْ إليها، فقَصَصتُ عليهم قِصَّةَ العِقدِ، فصاحوا بالتَّهليلِ والتَّكبيرِ، حتَّى بَلغَ إلى جَميعِ أهلِ الجَزيرةِ، فقُلتُ:
      ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشَّيخُ الذي أخَذَ منك العِقدَ أبو هذه الصَّبيَّةِ، وكان يقولُ: ما وَجَدتُ في الدُّنيا مُسلِمًا كهذا الذي رَدَّ عليَّ هذا العِقدَ، وكان يدعو ويقولُ: اللَّهمَّ اجمَعْ بَيني وبَينَه حتَّى أُزَوِّجَه بابنَتي، والآنَ قد حَصَلت، فبَقِيتُ مَعَها مُدَّةً ورُزِقتُ منها ولدَينِ.
      ثُمَّ إنَّها ماتَت فورِثتُ العِقدَ أنا وولدايَ، ثُمَّ ماتَ الوَلَدانِ، فحَصَل العِقدُ لي فبِعتُه بمِائةِ ألفِ دينارٍ، وهذا المالُ الذي تَرَونَ مَعي مِن بَقايا ذلك المالِ!) .  
    • دروس من قصة نبي الله أيوب -عليه السلام

                  
      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


      مقدمة وتعريف:
      - تعريف بالنبي: هو أيوب بن موص الذي يمتد نسبه إلى نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ... ) (الأنعام:83- 84).
      - نبي يُوحَى إليه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)(النساء:163).
      - كثر الأنبياء في بني إسرائيل، ولذا كان بعضهم يعالج خللاً في القوم بعد نبي قبله، ولعل أيوب-عليه السلام- كان كذلك؛ مثال: يوشع بن نون كان يعالج الخلل الإيماني في قومه بعد موسى وهارون -عليهما السلام-.


      1- أيوب وقصة الصبر الجميل:


      - ملخص قصته في القرآن: قال -تعالى-:(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:41-44).


      - قال الحافظ في الفتح:
      "أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِلا رَجُلانِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: "أَتَعْلَمُ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ"، قَالَ صَاحِبُهُ: "وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفُ عَنْهُ"، فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: "لا أَدْرِي مَا يَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرِّجْلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلا فِي حَقٍّ"، قَالَ: وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأُوحِيَ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، فَاسْتَبْطَأَتْهُ، فَلَقِيَتْهُ يَنْتَظِرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلاءِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: "أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا"، قَالَ: "فَإِنِّي أَنَا هُوَ"، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ)" (ورواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني).
      وذكر المفسرون أن أيوب ابتلي في كل شيء من أمر الدنيا، فابتلي بالمرض في كل بدنه، فلم يبقَ شيء سليم إلا لسانه، وابتلي بموت كل ولده فلم يبقَ منهم واحد، وابتلي بفقد ماله، فلم يبقى له زرع ولا ضرع ولا درهم ولا مُلك، حتى جعلت امرأته تخدم الناس حتى تطعمه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

      دروس من القصة 1- الابتلاء سنة الله في أوليائه المؤمنين:
      - هكذا المؤمن في الدنيا: قال- تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(البقرة:155).
      - هكذا طريق الجنة: قال-تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).
      - ليس البلاء علامة على هوان العبد على ربه كما ظن صاحب أيوب: فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟" قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
      وليست العافية من البلاء علامة على الكرامة، بل قد يكون الأمر على العكس: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟" قَالَ:(حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، قَالَ:(فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّدَاعُ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا هَذَا الصُّدَاعُ؟"، قَالَ: (عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ:(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
      - البلايا والمحن منح وعطايا في حق المؤمن: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) (رواه البخاري).
      - البلايا والمحن تطهير وتزكية: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
      - عظيم البلاء عظيم الدين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ)(رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).
      - البلايا والمحن تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (رواه مسلم).


      2- فضل الصبر والرضا بقضاء الله:
      - الصابرون أهل ذكر الله في الملأ الأعلى، وأهل رحمته وهدايته: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(البقرة:155-157).
      - الصابرون أهل محبة الله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).
      - الصابرون لهم أجر غير ممنون: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(الزمر:10).
      - الصابرون هم الفائزون: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ)(المؤمنون:111).
      - الصبر أعظم عطية: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)(متفق عليه).
      - صبر أيوب على البلاء كان طلبًا للدرجات العلى: وهذا الصبر الاختياري هو أفضل من الاضطراري؛ فهو اختيار الأشد والعزيمة لمن علم من نفسه القدرة على ذلك، وعن عطاء قال: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ). قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا. (متفق عليه).


      3- فضل الدعاء:
      - كان أيوب يدعو ربه صابرًا، ثم دعا ربه كالمقسم على ربه لما كان أمر قومه من سوء الظن به، وإلا فإنه لا يظن تركه للدعاء، وقد كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي... ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) (رواه البخاري).
      - دعاء أيوب العظيم: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83)، (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص:41).
      - جاء عند بعض المفسرين: "فجزع أيوب من قولهما... وخر ساجدًا، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: "اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني".
      - السميع المجيب يجيب الصادقين: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)(الأنبياء:84)، (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) (الصافات:75).


      4- الجزاء من جنس العمل:
      - الولد ولدان في الآخرة: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء:84).
      - المال الوافر كالمطر: قال -صلى الله عليه وسلم-: (...وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ).
      وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ. فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ)(رواه البخاري)، قال -تعالى-: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90).
      - وكذلك امرأة أيوب لما أحسنت، جعل الله من أمرها مخرجًا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2)، (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) (ص:44)، وكان حلف ليضربن امرأته مائة سوط، واختلف المفسرون في السبب.


      5- أسباب معينة على الصبر:
      قال الله -تعالى- في أيوب -رمز الصبر-: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44).
      1- تدبر ما ورد من آيات وأحاديث في فضل الصبر والرضا، والتصبر حتى يصبر، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه).
      2- أن يعلم أن هذا قدر الله الذي قدره من قبل خلق السماوات والأرض: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22).
      3- أن ينظر إلى من هو أشد منه ابتلاءً فتهون عليه مصيبته أو يقدر أنها كانت أشد من ذلك.
      4- أن يقدر أن ذلك المكروه قد يكون هو الخير العظيم: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:216).
      5- أن ينظر في النعم الباقية عنده ويقدر قيمتها: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34).
      - ذكر في ترجمة عروة بن الزبير -رضي الله عنه-: أنه قد أصابت رجله الأكلة وهو في أثناء سفره، فجاء الطبيب ورأى قطعها فقطعت، ثم وهو في طريقه أخبر بموت ولده ركضته بغلة في إسطبل، فما زاد عن قوله: "اللهم إنه كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة؛ فإن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت فقد أبقيت" مواقف إيمانية ص:299.
        صوت السلف
    • لفظ (التقوى) في القرآن
        يروى عن بعض طلبة العلم أنه قال لشيخه: أوصني، قال: أوصيك بما أوصى الله تعالى الأولين والآخرين، وهو قوله: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} (النساء:131). فالتقوى كنز عزيز، إذا ظفر به المرء، وجد فيه خيراً كثيراً، ورزقاً كريماً. فهي الخصلة التي تجمع خيري الدنيا والآخرة. والمتأمل مواقعها في القرآن الكريم يجد كم رتب عليها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضيف إليها من سعادة.

      ولفظ (التقوى) من حيث اللغة يدل على دفع شيء عن شيء بغيره. تقول: وقيته أقيه وقياً. والوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. واتق الله: توقه، أي: اجعل بينك وبينه كالوقاية.


      ولفظ (التقوى) توارد في القرآن الكريم في ثمانية وخمسين ومائتي موضع
      جاء في اثنين وثمانين ومائة موضع بصيغة الفعل، من ذلك قوله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} (البقرة:24)، وجاء بصيغة الاسم في ستة وسبعين موضعاً، من ذلك قوله سبحانه: { فإن خير الزاد التقوى} (البقرة:197).


      ولفظ (التقوى) ورد في القرآن الكريم علن خمسة معان، هي:

      بمعنى التوحيد والإيمان، من ذلك قوله سبحانه: {وألزمهم كلمة التقوى} (الفتح:26)، قال الطبري: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال مجاهد: {كلمة التقوى} الإخلاص. ونحو هذا، قوله سبحانه: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} (الحجرات:3)، أي: أخلص قلوبهم لتوحيده.

      بمعنى الإخلاص، من ذلك قوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} (الحج:32)، أي: من يقدر شعائر الله التي شرعها حق قدرها، ويؤديها حق الأداء، فإن ذلك دليل على الإخلاص، وسلامة القصد.

      بمعنى العبادة والطاعة، من ذلك قوله عز وجل: {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون} (الشعراء:106)، قال الشوكاني: ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن هذا القبيل، قوله سبحانه: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} (النحل:2).

      بمعنى الخشية، من ذلك قوله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } (النساء:131)، قال الطبري: احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه. ونحو ذلك، قوله سبحانه: {وإياي فاتقون} (البقرة:41)، أي: فاخشوني.

      بمعنى ترك المعصية، من ذلك قوله عز من قائل: {وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله} (البقرة:189)، أي: البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها. ونحو هذا، قوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} (البقرة:197)، قال الطبري: خافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم، تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي. وأكثر ما ورد لفظ (التقوى) في القرآن الكريم على هذا المعنى.

      قال بعض أهل العلم: حقيقة (التقوى) تنزيه القلب والجوارح عن الذنوب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} (النور:52)، ذكر (الطاعة) و(الخشية) ثم ذكر (التقوى)، فعُلم بهذا أن حقيقة (التقوى) بمعنى غير (الطاعة) و(الخشية)، وهي الابتعاد عن المعاصي.

      وقد ذكر الرازي أن لفظ (التقوى) يأتي أيضاً بمعنى (التوبة)، ومثَّل له بقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم} (الأعراف:96)، أي: تابوا. ولم نجد غير الرازي من المفسرين من ذكر هذا المعنى للفظ (التقوى).

      بقي أن نقول: إن ما ذكرناه من معاني لفظ (التقوى) في القرآن، وما سقناه من آيات تدل على هذا المعنى أو ذاك، لا يمنع أن يكون للفظ (التقوى) معنى آخر، فتعيين المفسر لمعنى ما أمر عائد لما يرجحه من دليل، وقد يرجح غيره معنى آخر لدليل يراه، ولا حرج في ذلك، ما دام اللفظ يحتمل هذه المعاني. ويبقى في المحصلة أن معاني لفظ (التقوى) في القرآن تندرج في تلك المعاني الخمسة التي ذكرناها.
       
    • مكارم الأخلاق (8) التودد

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      مقدمة:
      الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

      من مكارم الأخلاق المنشودة "التودد":
      عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا. وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) (رواه مسلم).

      المقصود بالتودد:

      التَّودُّد لغةً: من الوُدِّ، والوُدُّ مصدر الموَدَّة. والوُدُّ هو الحُبُّ ويكون في جميع مداخل الخير، والتواد التحاب.

      واصطلاحًا: قال ابن حجر -رحمه الله-: "هو تقرُّب شخصٍ من آخر بما يحب"، وقال ابن أبي جمرة: "التَّوَادُد هو التَّواصل الجالب" (فتح الباري).

      حاجتنا إلى التودد في زمان كثرت فيه الخلافات والخصومات والاعتداد بالنفس:
      قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم).

      أنواع التودد:

      التودد نوعان:
      تودد محمود: وهو ما كان ناشئًا من محبة معتدلة لأهل الخير والصلاح(1).
      قال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة: 71).

      تودد مذموم: وهو التودد إلى الكفار والظالمين وفسقة الناس.
      قال -تعالى-: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة: 22).

      التودد منه فطري وكسبي:
      الفطري: من الناس من عنده ذلك طبيعة وفطرة ووراثة أحيانًا.
      الكسبي: يكون بالتعلم والتدرب.
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ) (رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وحسنه الألباني).

      من صور التودد:
      التزاور:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

      التهادي:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (رواه البخاري في الأدب المفرد ومالك، وصححه الألباني).

      الإعانة والمعاونة:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم).

      التبسط والانبساط عند اللقاء:
      عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

      التواصل بالوسائل العصرية الحديثة: مثل الهاتف، الإنترنت بفروعه، البرقيات والبوستات (أحبك في الله - بارك الله لك في أهلك ومالك - ...).

      شواهد التودد في القرآن والسنة:

      التودد بين الزوجين:
      قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

      المرأة الودود الولود:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

      محبة الصالحين:
      قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم:96).

      تحمل الأذى:
      عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه مسلم).

      ومن كلام السلف في التودد:
      قال عمر -رضي الله عنه-: "ثلاثٌ يُصفّينَ لك وُدَّ أخيك: أن تُسَلِّمَ عليه إذا لقيته أولًا، وتوسِّعَ له في المجلس، وتدعوه بأحبِّ أسمائه إليه".
      وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "التَّقدير نصف الكسب، والتَّودُّد نصف العقل" (إحياء علوم الدين).

      النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة في التودد:

      تودُّد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وهو صاحب المقام العالي: عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: "ما حَجَبَني النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّمَ في وجهي" (متفق عليه). "وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمرُّ بالصِّبيان فيُسلِّم عليهم" (متفق عليه).
      وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ سِنِينَ، وَشَمِمْتُ الْعِطْرَ كُلَّهُ، فَلَمْ أَشُمَّ نَكْهَةً أَطْيَبَ مِنْ نَكْهَتِهِ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَامَ مَعَهُ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ‌فَتَنَاوَلَ ‌أُذُنَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْهَا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا مِنْهُ" (أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، وحسنه الألباني).
      وعن سهل بن حنيف -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ‌يَأتِي ‌ضُعَفَاءَ ‌الْمُسْلِمِينَ، ‌وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ" (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

      عوامل اكتساب خلق التوادد في عناوين:
      1- التواضع: (المتكبِّر لا يتودَّد، وله تأويلات كثيرة: يقلل من شخصيَّتي ومكانتي - أنا أعلى منه قدرًا - ...).
      2- لين القول وحسنه: (فالغلظة والفظاظة حاجز في طريق التودد).
      3- إغلاق باب الجدال والمراء: (فالخلاف الكثير يغير القلوب ويفسد الوُد).
      4- السخاء والجود والإيثار: (فالبخيل والشحيح يحسب كل شيء بالمقابل المادي).
      5- بسط الوجه، وبذل العون عند المعاملة: (فهي مفاتيح للقلوب لتأليفها).
      نسأل الله الغفور الودود، أن يمنَّ علينا بودِّه، وأن يجعل بيننا وإخواننا الود.
      والحمد لله رب العالمين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
      (1) والذين نتودد إليهم أنواع، وحكم التودد إليهم أنواع؛ فمنهم: الآباء والأمهات، ومنهم الأبناء والقرابات والأرحام، ومنهم الأزواج والأصهار، ومنهم الأصحاب والمشايخ والعلماء، ومنهم الجيران والزملاء.
      فمنهم مَن يكون التودد إليه واجبًا، ومنهم من يكون مستحبًا.
      وبالجملة: يتفاوت الحكم بين الواجب والمستحب في حق مَن يشرع لنا التودد إليهم.

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182982
    • إجمالي المشاركات
      2537817
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×