اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58263
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180704
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8358
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53121
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32221
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13118
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38563 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 157 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • يعاني كثير من المطورين وأصحاب التطبيقات من رفض التطبيقات رغم جاهزيتها تقنيًا، وغالبًا لا تكون المشكلة في الكود، بل في نوع حساب النشر أو حداثته.   تقدّم Tech Soft حلًا عمليًا لهذه المشكلة من خلال:   نشر التطبيقات على حسابات شركة موثوقة   معالجة مشاكل حسابات Apple الفردية   تجاوز قيود حسابات Google Play الجديدة   نقل ملكية التطبيق للعميل بعد النشر بشكل رسمي   الخدمة مناسبة للمطورين، الشركات الناشئة، وأصحاب المنتجات الرقمية الذين يبحثون عن نشر آمن ومتوافق مع سياسات Apple و Google.   🔗 تفاصيل خدمة نشر التطبيقات: https://tec-soft.net/app-publishing-services.php   🌐 الموقع الرسمي: https://www.tec-soft.net   📲 واتساب للدعم: 00201277773580
    • تفسير الربع الثاني عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 189:﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾ وتغيُّر أحوالِها على مَدَى الشهر، وعن الحِكمة من ذلك، والأهِلّة: جمع هِلال، ﴿ قل هي مواقيتُ للناس والحَجّ ﴾: يعني: علامات يَعرفُ بها الناس أوقات عباداتِهم المُحددة بوقتٍ؛ مثل: الصيام، والحج،وأيضًا يعرفون بها أوقات معاملاتِهم؛ مثل: وقت سداد الدَّيْن، وغير ذلك، وقد خَصَّ اللهُ تعالى الحَجَّ بالذِّكر؛ لأنه يقع في أشهُر معلوماتٍ - وهي: شوّال، وذو القعدة، وعشر مِن ذي الحِجّة -، ويستغرقُ أوقاتًا كثيرة، ﴿ وليس البرُّ ﴾ ما تعوَّدتُم عليه - في الجاهلية وأوّل الإسلام - حِينَ كنتم تُحْرِمُون بالحَجّ أو العُمرة ﴿ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾، فقد كنتم تتسلقون سُور جِدَار البيتِ الحرام، وتدخلونَ مِن ظَهْر البيت، ظانِّينَ أنّ ذلك يُقَرِّبُكُم إلىالله تعالى، فهذا ليسَ من البِرِّ؛ لأنّ الله تعالى لم يشرع لكم ذلك، وَكُلّ مَن تعبّدَ للهِ بعبادةٍ لم يَشرَعْها اللهُ ولا رسولُهُ، فهو مُتعَبِّدٌ ببِدْعَة، ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ﴾: أي: ولكنّ الخيرَ هُو فِعْلُ مَنِ اتقى اللهَ، واجتنبَ مَعَاصِيَه، ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ المعتادة؛ لِما في ذلك مِن السهولةِ، التي هي أصْلٌ من أصول الشرع، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾: أي:لِتفوزوا بكل ما تحبون مِن خَيرَي الدنيا والآخرة).

      الآية 190: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ﴾:ِ أي: لأجل نُصرَةِ دين اللهِ تعالى عليكم أن تقاتلوا﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ من المشركين، ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾: أي: ولا ترتكبواالمَنَاهي مِن: التمثيل بِجُثَثِهم - يعني: تشويهها بعد موتها -، وقَتْلِ مَن لا يَحِلُّ قتلُهُ مِن النساءِ والصِّبيانوالشيوخ، ومَن في حُكمِهِم،والغُلول - وهو سرقة شيء مِن الغنِيمة قبلَ توزيعِها - ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ الذين يُجَاوزُونَ حُدُودَهُ، فيَستَحِلّونَ ماحَرَّم اللهُ ورسولُهُ).

      الآية 191: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾: أي: حيثُ وجدتمُوهُم، ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾: يعني مِن مَكّة، ﴿ والفتنة ﴾ وهي الشركُ بالله، وَصَدّ الناس عن الدخول في الإسلام ﴿ أشَدّ مِن الْقَتْلِ ﴾: أي:أشَدّ مِن قتلِكُم إياهم، ﴿ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ تعظيمًا لِحُرُماتِهِ ﴿ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾: أي:حتىيَبدؤوكُم بالقتال فيه، ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ ﴾ في المسجد الحرام﴿ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ فيه ﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ ﴾: أي:مِثل ذلكالجزاء الرادع يكون جزاء ﴿ الْكَافِرِينَ ﴾.

      الآية 192: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ عَمّا هُم فيه مِن الكُفر وعن قتالِكُم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

      الآية 193: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾: أي:واستمِروا في قتال المشركين المُعتدين؛ ﴿ حَتَّى لا تَكُونَ ﴾ هناك ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ للمسلمين عن دينهم، وحتى لا يكونَ هناك شركٌ باللهِ تعالى، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾: يعني: ويَبقى الدينُ للهِ وحده - خالصًا - لا يُعْبَدُمعه غيرُه، ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾: يعني: فالعقوبة لا تكون إلاعلى الظَّالِمِينَالمستمرين على كُفرهِم وعُدوانِهم).

      الآية 194: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَام ﴾:ِ أي: قتالكُم للمشركين في الشهر الذي حَرَّم اللهُ القتالَ فيه، هوجزاءٌ لقتالِهم لكم في الشهر الحرام، واعلم أنّ الأشهر الحُرُم هي: رجب، وذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّم، وقد كانَ العَربُ يُحَرِّمُونَ القتالَ في هذه الأشهُر - وذلك في الجاهليةِ قبلَ الإسلام - فلما جاءَ الإسلامُ أقرَّ ذلك، بل وَعَظَّمَ المَعصِية في هذه الأشهُر، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]،﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾: يعني: والذي يعتدي على ما حَرَّم اللهُ من المكان والزمان، يُعاقَبُ بمثل فِعلِهِ، ومِن جِنسِ عَمَلِه، ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عليكم ﴾ ولا حرجَ عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعُدوان، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهََ ﴾ بعدم تجاوُز المُماثلة في العقوبة، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.

      الآية 195: ﴿ وَأَنْفِقُوا ﴾ مِن أموالِكم ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: أي: في الطرق المُوصلة إلى اللهِ تعالى، وهي كُلّ طرق الخير، مِن صدقةٍ على مسكين، أو قريب، وأعظمُ ذلك - وأوّل ما دَخَلَ في ذلك - هو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله؛ لتقويَة المسلمين، وإضعافِ المشركين، فإنّ النفقة فيهِ جهادٌ بالمال، وهو فرضٌ كالجهادِ بالبَدَن، ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاقفيه، ولَمّا كانت النفقة في سبيل الله نوعًا من أنواع الإحسان، أمَرَ اللهُ تعالى بالإحسان عمومًا، فقال: ﴿ وأحسِنوا ﴾: أي:في كل أمُوركُم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، والإحسانُ - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مُسلِم -: ((أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكنْ تراهُ، فإنه يَراك))).

      الآية 196: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾: يعني: وأدُّوا الحَجّ والعُمرة تامَّيْنِ، خالِصَيْن لوجهِ اللهِ تعالى،﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾: يعني: فإنْ مَنَعَكُم مانعٌ عنالذهاب لإتمامِهمَا (كالعَدُوّ والمرض)، وذلكَ بعد أن نويتم الدخولَ في النُّسُك، ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾: يعني: فالواجب عليكم ذَبْحُما تيَسَّرَ لكم من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وأقل ما يُجزئ في الهَدْي شاة (يعني: ضأن أو ماعز، ذكر أو أنثى)، أو سُبع بقرة (يعني: يُشاركُ سِتَّة غيره في ثمنِها)، أو سُبع جَمَل؛ وذلك لكي تَخْرُجوا وتتحَلّلوا مِن إحرامِكُم بحَلق شعر الرأس أو تقصيره، ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ ﴾ إذا كنتم مُحصَرين - أي:مَمنُوعين -﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾: يعني: حتى يَذبح المُحصَرُ هَدْيَهُ في المَوضِع الذي مُنِعَ فيه مِن إتمام النُّسُك، كما نَحَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في "الحُدَيْبيَة"، ثم حلق رأسه، وأما غير المُحصَر فلايَنحَر الهَدْي إلا في الحَرَم، وذلك في يوم العِيد، والثلاثة الأيام التي تلِي يوم العِيد، ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ﴾: يعني: فإذا حصل الضرر، بأنْ كانَ هذا المُحصَرُ مَريضًا، ويُرجَى شفاؤهُ إذا حلقَ رأسَهُ، ﴿ أو ﴾ كانَ ﴿ به أذًى مِن رأسِهِ ﴾ مِثل الجُرُوح، والحَشَرة المعروفة بـ (القمل)، ونحو ذلك مِمَّا يجعله يحتاجُ إلىالحَلق وهو مُحْرِم، قبل أن يَنحر الهَدْي، فإنه يحلِقُ وعليه الفِديَة، وهذه الفِديَة هي: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ﴾: يعني: يصوم ثلاثة أيام، ﴿ أَوْ صَدَقَةٍ ﴾: يعني: أو يتصدق علىسِتة مساكين، يُعطي لِكل مسكين منهم نصفَ صاعٍ من طعام، والصَّاع: هو ما يُقَدّر بـ 2.5 كيلو جرام تقريبًا، ﴿ أَوْ نُسُكٍ ﴾: يعني: أو يذبح شَاة، ويُوَزِّعها على فقراء الحَرَم (هكذا على سبيل التخيير، وحَسَب الأيْسَر له؛ إما الصيام، أو الصدقة، أو الذبْح)، ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُم ﴾ْ: يعني: فإذا كنتمفي أمْنٍ وصِحَّة، ولم تُمنَعُوا عن إتمام النُّسُك: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾: يعني: فمَن استمتعَ منكم بالعمرة إلى الحج، وذلك بأن أحرَمَ بعُمرةٍ في أشهُر الحج، ثم تحَلّلَ بعد انتهاء عُمرَتِه - وذلك باستباحَة ما كانَ مُحَرَّمًا عليهبسبب الإحرام - ثم بقِيَ في مكة ينتظرُ الحَجّ، وَحَجَّ فِعلاً: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾: يعني: فعليه ذبْحُ ما تيَسَّرَ مِن الهَدْي (سواء مِن الإبل، أو البقر، أو الغنم)، ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ هَدْيًا يذبحه:﴿ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ﴾ أشهر﴿ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ إلى أهلِيكُم، ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ لا بُدَّ مِن صيامِها، ﴿ ذَلِكَ ﴾: يعني: ذلك الهَدْيُ وماترَتّبَ عليه من الصيام يكونُ﴿ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾: أي: ليسَ أهلُهُ مِن سُكَّان مَكّة، (واعلم أنّ المُقِيمِين في مَكّة لِعَمَلٍ أو تجارةٍ أو نحو ذلك، فأولئك أيضًا ليسُوا مِن حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ)، ﴿ وَاتَّقُوااللَّهَ ﴾ في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومِن ذلكَ امتثالكم لهذه المأمورات، واجتناب هذه المَحظورات المذكورة في هذه الآية، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لِمَنخالفَ أمْرَه وَعَصَاه).

      الآية 197: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾: أي:وقتُ الحَج أشهرٌ معلومات، ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾: أي: فمَن أوْجَبَ على نفسِهِ الحَجّ في هذه الأشهر، وذلك بالإحرام (وهو نِيَّة الدخول في النُّسُك)، ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾: أي: فيَحرُمُ عليه الجِمَاعُ، ومُقدِّماتهُ القولية والفِعليَّة،﴿ وَلا فُسُوقَ ﴾: يعني: ويَحرُمُ عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي،﴿ وَلا جِدَالَ ﴾: يعني: ويَحرُمُ عليه الجدالُ الذييؤدي إلى الغضب والكراهية، كلُّ ذلك مُحَرَّمٌ ﴿ فِي الْحَجِّ ﴾؛ إذ إنّ المقصود مِن الحَجّ: الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكنَ مِن القرُبَات، والتنزّه عن فِعل السيئات، فإنه بذلك يكونُ حَجًّا مَبرورًا، والحَجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة، واعلم أنّ هذه الأشياء - وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان - فإنها تكونُ أعظمَ إثمًا في الحج، ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾، وهذا يتضمن غاية الحَثّ على أفعال الخير، وخصوصًا في تلك البِقاع الشريفة، فإنه ينبغي تدارُك ما أمكَنَ تداركُهُ فيها مِن صلاةٍ، وصدقةٍ، وطوافٍ، وإحسان قولِيّ وفِعلِيّ، وغير ذلك، وقد صَحّ عن النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم أنّ الصلاة في المسجد الحرام تُعادِلُ مائة ألفِ صلاةٍ في غيره، ﴿ وَتَزَوَّدُوا ﴾: يعني: وخذوا لأنفسِكم زادًا مِن الطعام والشراب والمال لسَفر الحَج؛ فإنّ التزوّدَ فيه الاستغناءُ عن المخلوقين، والكَفّ عن سؤالِهم أموالَهُم، ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾: أي: وخذوا أيضًا زادًا مِن صالِح الأعمال للدار الآخرة، فإنّ خيرَ الزادِ تقوى الله، فهذا هو الزاد الحقيقي، المستمرُّ نفعُهُ لِصَاحِبهِ في دُنياهُ وآخِرَتِه، وهو المُوصلُ لأكْمَلِ لذةٍ، وأسْعَدِ حياةٍ، وأجَلّ نعيمٍ دائِم، ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ﴾.

      الآية 198: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: أي: أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح مِن التجارةِ وغيرها في أيام الحج، ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ ﴾: أي: دفعتُم- مع الزحام - راجعينَ﴿ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ وهي المكان الذي يقف فيهالحُجّاج يومَ التاسع مِن ذي الحِجَّة، ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ بالتسبيح والتلبية والدعاء ﴿ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ وهو المُزدَلفة، ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾: أي:كما مَنَّ عليكم بالهدايةِ بعدَ الضلال، ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ﴾: أي:مِن قبل هذا الهُدى ﴿ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾: أي:كنتم في ضلالٍ لا تعرفونَ معهُ الحق).

      الآية 199: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾: يعني: وَليَكُن اندفاعُكُم مِن مُزدَلفة، التي أفاضَ منها إبراهيمُ عليه السلام، مُخالِفينَ بذلكَمَن لا يقفُ بها مِن أهل الجاهلية،﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ مِن الخَلَل والتقصير الذي وَقَعَ منكم في عبادة الحَجّ ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لعبادِهِ المُستغفِرين التائبين، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم).

      الآية 201: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾: أي: عافية، ورزقًا، وعِلمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وغير ذلك من أمور الدِّين والدنيا، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾: أي:الجنة، ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.

      الآية 202: ﴿ أُوْلَئِكَ ﴾ الداعُون بهذا الدعاء ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ﴾: أي: لهم ثوابٌ عظيم، بسبب ما كَسَبُوهُ من الأعمال الصالحة؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يُكثِرَ مِن قول هذا الدعاء، كما كانَ يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ لا يُعجزُهُ إحصاءُ أعمالِهم، ومُحاسبتهم عليها).




      تفسير الربع الثالث عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 203:﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ تسبيحًا وتحمِيدًا وتهلِيلاً وتكبيرًا ﴿ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾:أي: في أيامٍ قلائِل، وهي أيام التشريق: (الحادي عشر،والثاني عشر، والثالث عشر) مِن شهر ذي الحِجَّة، التي هي: (ثانِي وثالث ورابع) أيام عِيد الأضحى)، ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾: يعني: فمَن أرادَ التعَجُّل، والخروج مِن "مِنى " - وهو المكان الذي يرمي فيه الحُجَّاج الجَمَرَات - فإذا خرج الحاجُّ منها قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رَمْي الجِمَار ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ ﴾ بأنْباتَ بـ "مِنى" حتى يَرمي الجمار في اليوم الثالث عشر ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ اللهَ في حجِّه، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ بعدَ موتِكم للحِساب والجزاء).

      الآية 204: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾: أي: ومِن المنافقينَ ﴿ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ﴾ الفصيح ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾: أي: إذا تحدث في أمْرٍ من أمور الدنيا، بخِلافِ أمُور الآخرة، فإنه يَجْهَلُهَا، ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾: يعني: يُخبرُكَ أنَّ اللهَ يعلمُ ما في قلبهِ مِن مَحَبَّة الإسلام، فيقولُ للرسول صلى الله عليه وسلم: يَعلمُ اللهُ أني مُؤمن، ويَشهَدُ اللهُ أني أحِبُّك، وهو كاذب؛ لأنَّ فِعلهُ يُخالِفُ قوْله، وفي هذا غاية الجُرأة على الله، ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾: أي: وهو شديدُ العَدَاوةِ للإسلام والمسلمين).

      الآية 205: (﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾: أي: وإذا خرجَ مِن عندِكَ أيها الرسول ﴿ سَعَى ﴾: أي: جَدَّ ونَشِطَ ﴿ فِي الأَرْضِ ليُفسِدَ فيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾:يعني: ويُتلِف زروعَالناس، ويَقتل ماشِيَتهُم، ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾).

      الآية 206:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ واحْذرْ عقابَهُ، وكُفَّ عن الفسادِ في الأرض، ﴿ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾: يعني: لم يَقبل النصيحة، بل يَحمِلُهُ الكِبْرُ على مَزيدٍ من الآثام، ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾: أي: يَكفيهِ عذابُ جَهَنَّم، التي هي دار العاصين والمتكبرين، ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾: أي: وهي بِئسَ الفِراش والمُستقَر).

      الآية 207: (﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ﴾: أي: يبيعُ ﴿ نَفْسَهُ ﴾ بالجهادِ في سبيل الله، والتزامِ طاعتِهِ ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه ﴾: أي: طلبًا لرضا اللهِ عنه،﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ يَرحمُ عبادَهُ المؤمنين رحمة واسعة،فيُجازيهم أحسنَ الجزاء).

      الآية 208: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾ - وهو الإسلامِ - ﴿ كَافَّةً ﴾: أي: ادخلوافي جميع شرائع الإسلام، عاملينَ بجميع أحكامِه، ولا تتركوا منها شيئًا، ﴿ وَلاتَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾: أي: ولاتتبعوا طرُقَ الشيطان فيما يَدعوكُم إليهِ من المعاصي، ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ فاحذرُوه، وأغلِقوا عليهِ أيَّ بابٍ يأتِيكُم مِنه).

      الآية 209: (﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ ﴾: يعني: فإن انحرفتم عن طريق الحق، مِن بعد ما جاءتكم الحُجَج الواضحة مِن القرآن والسنة، ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيز ﴾: أي: قاهِرٌ لِكُل شيءٍ، فهو سبحانهُ صاحبُ العِزَّةِ القاهرة، والسلطان العظيم، الذي دانتْ له جميعُ الأشياء، ولكنهُ معَ عِزَّتِهِ سُبحانهُ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في تصرفِهِ وَشَرعِهِ وتدبيره، يضعُ كُلَّ شيءٍفي مَوضِعِه المُناسِبِ له)، وفي هذا مِن الوَعيد الشديد والتخويفِ ما يُوجِبُ ترْكَ الزلل، فإنَّ العزيزَ الحكيمَ إذا عَصَاهُ العاصِي - ولم يَتُب - قهَرَهُ بقوِّتِهِ، وَعَذبَهُ بعَدلِهِ وحِكْمَتِهِ، فإنَّ مِن حِكمتِهِ سُبحانه: تعذيب العُصاةِ والكافرين.

      الآية 210: (﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾: أي: ما ينتظرُ هؤلاء المعانِدونَ الكافرونَ ﴿ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ عَزَّ وَجَلَّ يومَ القيامةِ لِيَفصِلَ بينهم بالقضاءِ العادل - إتيَانًا حقيقيًّا بذاتِهِ على الوَجْهِ اللائق بهِ سُبحانه - وليسَ كما يقولُ بعضهم بأنه يأتِي أمرُهُ فقط، ففي صحيح مُسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال - وهو يتحدث عن يوم القيامة -: ((حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أدنَى صورةٍ مِن التي رأوهُ فيها،.... الحديث)، ﴿ في ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ ﴾: أي: معَ ظُللٍ - وهي جَمْع ظُلَّة - مِن السَّحاب الأبيض الرقيق، ﴿ وَالْمَلائِكَةُ ﴾: أي: وستأتي الملائكةُ الكِرَام، فتحِيطُ بالخَلائق، ﴿ وَقُضِيَ الأَمْرُ ﴾: أي: وحينئذ يَقضي اللهُ تعالى فيهم أمرَهُ وقضاءَهُ، ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾: أي: ومَصِير جميعالخلائق إليهِ وَحدَهُ، فيُجازي كُلاًّ على قدْر استحقاقِه، إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ).

      الآية 211: (﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ المُعاندينَ لك: ﴿ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾: يعني: علاماتٍ واضحاتٍ كثيرة فيكُتُبِهِم تهدِيهِم إلى الحق، فكفروا بها كلها، وأعرضوا عنها، وحَرَّفوها عن مَوَاضِعِهَا، ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ - وهي دِينهُ - ويَكفر بها ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ﴾:أي: مِن بعدِ مَعرفتِها، وقيام الحُجَّةِ عليهِ بها، ﴿ فإنَّ الله شديدُ العقابِ ﴾ له).

      الآية 212: (﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ وما فيها من الشهوات والمَلذات الفانِيَة، ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾: أي: وهؤلاء الذين اتقوْا رَبَّهُم - مِن المؤمنين - فوقَ جميع الكفاريوم القيامة، حيثُ يُدخلهم الله أعلى درجات الجنة، ويُنزلُ الكافرين أسفل دَرَكَاتالنار، ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾: أي: بغير عدد ولا حَدٍّ، وذلك لِوَاسِعِ فضلِهِ سُبحانهُ وتعالى).

      الآية 213: (﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾: أي: جماعة واحدة متفقين على الإيمان بالله، ثم اختلفوا في دِينِهم، ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾: أي: الكُتب السماوية ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ الذي اشتملت عليه ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾: أي: لِيَحكُمَ النَّبِيِّونَ - بما في هذه الكتب - بين الناس فيما اختلفوا فيه، ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾: أي: في أمر محمد صلى اللهعليه وسلم وكتابه ﴿ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾: أي: إلا الذين أعطاهُمُ اللهُ الكتاب (التوراة)، وهُم اليهود، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾: أي: ظلمًا وحسدًا؛ لأنهم كانوا يَرجُون أن يكون هذا النبي مِن بني إسرائيل، وليس مِن العرب، ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾: أي:فوَفَّقَ اللهُ المؤمنين بفضلِهِ إلى تمييز الحق مِنالباطل، ومَعرفة ما اختلفوا فيه، ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾).

      الآية 214: (﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ دونَ أن تُبْتَلُوا؟ ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾: أي: ولا بُدَّ أن يُصِيبَكُم - مِن الابتلاء - مثلُ ماأصابَ المؤمنين الذين مَضوا مِن قبلِكم، فقد ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾: أي: أصابهم الفقر والأمراض، ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ بأنواع المَخَاوف والابتلاءات، ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾- على سبيل الاستعجال للنصر مِن اللهِ تعالى -:﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ من المؤمنين).

      الآية 215: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ﴾ مِن أصناف أموالِهم تقرُّبًا إلى الله تعالى، وعلى مَن يُنفقون؟ ﴿ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾: أي: أنفِقوا أيَّ خيرٍ يَتيسر لكم مِن أصناف المالالحلال الطيب، ﴿ فَلِلْوَ الِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾: أي: واجعلوا نفقتكم للوالدين والأقربين مِن أهلِكم وذوي أرحامِكم،﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾.

      الآية 216:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾لِمَشَقتِهِ وكثرةِ مَخَاطره - وهوَ مَكروهٌ مِن جهةالطبْع البشري الذي يُحِب الحياة ويَكرهُ الموتَ- ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ ﴾في حقيقتِه ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ إذ إنَّ الشهادة في سبيل اللهِ تتسَبَّبُ في غفران جميع الذنوب - إلا الدَّيْن وحقوق العِباد - وكذلك تتسَبَّبُ في النجاة من عذاب النار وعذاب القبر، والفوز بالجنة، ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ﴾ لِمَا فيهِ مِن الراحة أو اللذة العاجلة﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما هو خيرٌ لكم ﴿ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، فبادِروا إلى الجهاد في سبيلِه - وذلكَ بعد إذنٍ من وليّ الأمر (وهو حاكم البلد) - فَبِمَا أنها مَوتةٌ واحدة، فلتكُنْ للهِ جَلَّ وَعَلا؛ حتى تكونَ كلمتُهُ هي العُليا، وذلكَ بأن يُعبَدَ ولا يُعبَد غيرُه، وفي هذه الآية: تَسْلِيَة وتصبيرٌ لِكُلِّ مَن كانَ يَظنُّ أنَّ الخيرَ في أمرٍ ما، ثم لم يتحقق له ذلك الأمر، فإنه لا بد أن يَعلمَ أنَّ الإنسانَ جاهِلٌ بما فيه الخير والمَصلحة؛ لأنه لا يَعلمُ الغيبَ، فعليه أن يُفوِّضَ أمرَهُ كُلهُ للهِ تعالى، الذي يعلمُ الغيبَ وحدهُ، والذي يعلمُ أينَ الخير؛ ولذلك قال تعالى بعدها: (﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾).

      الآية 217: (﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾: يعني: هل يَحِلُّ القتال فيه؟ ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾: أي: عظيمٌ - في حُرمَتِهِ - عند اللهِ تعالى، ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: أي: واعلموا أنَّمَنْعَكُمُالناسَ - بالتعذيب والتخويف - مِن دخول الإسلام، الذي هو سبيلُ اللهِ تعالى، ﴿ وَكُفْرٌبِهِ ﴾: أي: وأنَّ جُحُودَكُم باللهِ وبرسولِه وبدينِه، ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾: أي: وَأنَّ صَدَّكُمُ الناسَ عن دخول المسجد الحرام، ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ: ﴾ أي: وأنَّ إخراجَ النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين منه - وهُم أهله وأولياؤه -، كُلُّ ذلك ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ذنبًا، وأعظمُ جُرمًا مِن القتال في الشهرالحرام، ﴿ وَالْفِتْنَةُ ﴾ وهي الشِرك الذي أنتم فيه ﴿ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ في الشهر الحرام، ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ تحقيقَ ذلك،﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِوَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾).

      الآية 218: (﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ باللهِ ورسولِهِ وعَمِلوا بشرْعِهِ، ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ وتركوا ديارَهُم ﴿ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾، ولا يَرجُونَ أعمالهم؛ لأنهم يعلمونَ أنه مهما عَظُمَت أعمالُهُم، فإنها لا تعْظُمُ على العظيمِ جَلَّ جلالُه، وأنهم لن يدخلوا الجنة بأعمالهم، إنما يدخلونها - فقط - برحمةِ اللهِ تعالى لهم، وفي هذا إرشادٌ إلى عدم رؤية العمل، وعدم الإعجاب والاغترار به، فهوَ لا يدري: هل قُبِلَ العملُ منه أو لا؟ ولذلك ينبغي لِلعبدِ أن يَعملَ العمل، ثم يرجو رحمة ربه، فيقولُ مَثلاً: (يا ربِّ، أنا أعلمُ أنَّ هذا العمل لا يَستحِقُّ أن يُعرَضَ عليكَ، فضلاً عن أن يُقبَل، ولكني أعلمُ أنك كريم، فاقبلهُ يا ربِّ رَحمَةً مِنكَ وَفَضْلاً)، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِذنوب عِبادهِ المؤمنينَ التائبين،﴿ رَحِيمٌ ﴾ بمَن اتَّقاهُ، كما قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، وقال - أيضا -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]، فعَلى العَبدِ أن يأخُذَ بأسباب هذه الرحمة، وذلك بأنْ يَتقي اللهَ قدرَ المُستَطاع، وألاَّ يُصِرَّ على مَعصيَتِه، وإذا وقعَ في ذنبٍ ما، فعليهِ أن يُبادِرَ بالتوبةِ، بندمٍ صادقٍ على ما فات، وبِعَزمٍ وتصميمٍ صادقٍ على عدم العودة إلى الذنوب مرة أخرى، فقد قال تعالى في وَصْفِ عبادِهِ المتقين: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].

       
      تفسير الربع الرابع عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 219، 220: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ ﴾ حُكم تعاطِي ﴿ الْخَمْرِ ﴾ شُربًا وبَيعًا وشِراءً، والخمرُ هو كل مُسكِرٍ غَطَّى العقلَ وأذهَبَهُ (مشروبًا كانَ أو مَأكولاً، أو تَمَّ إدخالهُ للجسَد بأي وَسِيلة)، ﴿ وَالْمَيْسِرِ ﴾: أي: ويسألونك عن حُكم القمار - وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمُقامَرة، وهي المُغالبات التي فيها عِوَض من الطرفين، ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾: أي أضرارٌ ومَفاسدُ كثيرة في الدِين والدنيا، والعقول والأموال، ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس ﴾: أي وفيهما منافعُ للناس مِن جهة كَسْب الأموال وغيرها، ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ إذ يَصُدَّان عن ذِكر الله وعن الصلاة، ويُوقعان العداوة والبَغضاء بين الناس، ويُتلِفان المال، وكان هذا تمهيدًا لتحريمِهِمَا، ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ﴾: أي عن القَدْر الذي يُنفقونه مِن أموالِهم تبرُعًا وصدقة، ﴿ قُلِ الْعَفْوَ ﴾: أي أنفِقوا القَدْر الذي يَزيدُ على حاجاتِكم الضرورية، ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لعلكم تتفكرونَ ﴾ فيما ينفعُكم ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ﴾: كيف يتصرفون معهم في مَعاشهم وأموالهم؟ ﴿ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾: أي إصلاحُكم لهم خيرٌ، فافعلوا الأنفعَ لهم دائمًا، ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾ في سائر شؤون المعاش: ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾: أي فهُم إخوانكم في الدِين، وعلى الأخ أن يُراعي مصلحة أخيه؛ فقد قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم - كما في الصَحِيحَيْن (البخاري ومُسلِم) -: ((لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأِخيهِ ما يُحِبُّ لِنفسِه))، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ ﴾ المُضَيِّع لأموال اليتامى ﴿ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ الحريص على إصلاحها، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾: أي لضيَّقَ وشَقَّ عليكم بتحريم مُخالطةِ أموالِهِم ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

      الآية 221: ﴿ وَلا تَنكِحُوا ﴾: أي ولا تتزوجوا ﴿ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾: أي حتى يَدخُلنَ في الإسلام، ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ﴾: أي واعلموا أنَّ امرأة مَمْلوكَة لا مال لها ولا حَسَب، ولكنها مؤمنةً ﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ﴾ حُرَّة، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ هذه المُشركة الحرة، ﴿ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾: أي ولا تُزَوِّجوا نساءَكُم المؤمنات - إماءً كانوا أو حَرائِر - للمشركين ﴿ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ بالله ورسوله، ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ ﴾ - وإنْ كانَ فقيرًا - ﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُم ﴾ هذا المُشرك، ﴿ أُوْلَئِكَ ﴾ المُتصِفون بالشِرك - رجالاً ونساءً ﴿ يَدْعُونَ ﴾ كل مَن يُعاشرُهم ﴿ إِلَى النَّارِ ﴾: أي إلى ما يُؤدي به إلى النار، ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو ﴾ عباده إلى دينِهِ الحق، المُؤَدِّي بهم ﴿ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ ومَشيئتِهِ، فهو سُبحانهُ يَهدي مَن يشاءُ بفضلِهِ ورحمتِه، ويُضِلُّ مَن يشاءُ بعَدْلِهِ وحكمته، وقد أخبرَ تعالى - في آياتٍ أخَر - أنه يَهدِي إليهِ مَن أنابَ - يعني رَجَعَ إليه تائبًا - وأنه يُضِلُّ الظالمين، ويُضِلُّ الفاسقين، ﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فيَعتبروا.

      الآية 222: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ - وهو الدَم الذي يَسِيلُ من رَحِمُ المرأة بعد بلوغها في أوقاتٍ مُعتادة، وهو دَمٌ طبيعيٌّ، ليسَ له سببٌ مِن مَرَضٍ، أو جُرْحٍ، أو سُقوطٍ، أو ولادَة - ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾: أي مُستقذَرٌ يَضُرُّ مَن يَقْرَبُه، ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾: أي فاجتنبوا جمَاع النساء مُدَّة الحَيْض، ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾: أي حتى يَنقطِعَ الدم عنهُنَّ، ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ بالماء واغتسلنَ ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ وهو القبُل لا الدُّبُر، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾ المُكثِرين من الاستغفار والتوبة، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار).

      الآية 223: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾: أي مَوضِع زرْعٍ لكم، تضَعُونَ النُّطفة في أرحامِهنَّ، ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾: أي بأي كَيْفِيَّةٍ شِئتم، طالما أنَّ ذلك في مَحِلِّ الجماع، وهو القبُل، ﴿ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ ﴾ أعمالاً صالحة، ومِن هذه الأعمال: تحصينُ النفس والزوجة بالجماع، وإنجابُ الأولاد الصالحين الذين يُوَحِّدُونَ اللهَ تعالى، ويَدعُونَ - طوالَ حياتِهم - لوالدَيْهِم، وقد قال بعضُ المُفسِّرين في قوله تعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ ﴾: أي وابدؤوا بالمُدَاعَبَة والمُلاطفة، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بمُراعاة أوامِرهِ وَحُدودِه، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ﴾ فلا تَغفلوا عن ذِكْرهِ وطاعتِهِ؛ إذ إنَّ هذا هو الزادُ الذي ينفعُكُم يومَ تقفونَ بينَ يَدَيهِ سُبحانه، ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بما يُفرِّحُهُم وَيَسُرُّهُم مِن حُسن الجزاء في الآخرة).

      الآية 224: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾: أي ولا تجعلوا حَلِفَكُم باللهِ مانِعًا لكم مِن ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ﴾، وذلكَ بأن تُدْعَوا إلى فعل شيءٍ مِن هذه الأشياء: (البِر - وهو أيُّ فِعل مِن أفعال الخير - والتقوى، والإصلاح بينَ الناس)، فتحْتَجُّوا بأنكم قد أقسمتم باللهِ ألا تفعلوا ذلك، بل على الحالِفِ أن يَرجِعَ عن حَلِفِهِ، ويَفعل أفعالَ البرِّ، ويُكَفِّرَ عن يَمِينِهِ، ولا يَعتاد ذلك، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجميع أحوالِكم).

      الآية 225: ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾: أي لا يُعاقبُكمُ اللهُ بسبب أيمانِكُم التي تحلفونها بغير قصد؛ وذلك بأنْ يَذكُرَ الإنسان لفظ الجَلالة بصيغةِ القَسَم (وَاللهِ)، ولكنْ - ليسَ في نِيَّتِهِ - عقد اليَمين، كأنْ يُقَدِّمَ طعامًا لِضَيفِهِ، ويقول له: (وَاللهِ لَتأكُلنَّ)، وهو ليسَ في نِيَّتِهِ القسَم، وكذلك أن يَحلفَ الإنسانُ على شيءٍ يَظنُّهُ كَذا، ثم يَتبَيَّنُ لهُ خِلافُ ما ظَنَّ، مِثلَ أنْ يقول: (واللهِ ليسَ في جَيْبي دِرْهَمٌ ولا دِينارٌ)، وهو ظانٌّ - أو جازمٌ - أنه ليسَ في جيبهِ شيءٌ مِن ذلك، ثم يَجدهُ، فهذا لا يؤاخذكم اللهُ عليه، ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾: أي بما قصدَتْه قلوبُكُم مِن الإثم، وذلك كأن يَحلِفَ المرءُ باللهِ - كَذِبًا - ليَأخُذَ حَقَّ أخيهِ المُسلِم بيمينِهِ الكاذبة، فهذه هي اليَمِين الغَمُوس، التي تغمِسُ صاحبَها في الإثم، ثم تغمِسُهُ في النار، وهذه لا تنفعُ فيها كفارة اليَمين - وهي الكفارة المَشروعة لِمَن حَلفَ حَلِفًا ثم نَقضَهُ - وإنما على صاحب اليَمين الغمُوس: التوبة؛ وذلك بتكذيب نفسه، والاعتراف بذنبه، وَرَدِّ الحق الذي أخذهُ إلى صاحبه، وبذلكَ يغفرُ اللهُ تعالى له، ﴿ وَاللَّهُ غفورٌ ﴾ لِمَن تابَ مِن ذنوبه، ﴿ حليمٌ ﴾ على عبادِهِ؛ حيثُ لم يُعاجل مَن عَصاهُ بالعقوبة).

      الآية 226: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِمْ ﴾: أي على الذين يَحلِفون باللهِ ألاَّ يُجامِعُوا نساءَهم: ﴿ تَرَبُّصُ ﴾: أي انتظار ﴿ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا ﴾: أي فإن رجعوا - عن حَلِفِهم - وجامَعوا نِساءهُم قبل فوات الأشهر الأربعة: ﴿ فإنَّ اللهَ غفورٌ ﴾ لِما وقعَ منهم مِن الرجوع عن الحَلِف، وكذلك يَغفرُ لهم ما ارتكبوهُ مِن الذنب في حَق نسائِهم، ﴿ رحيمٌ ﴾ بهم؛ حيث جَعلَ لأيْمانِهِم كفارة، ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفِكاك، ورحيمٌ بهم أيضًا بسبب توبتهم؛ حيثُ رجعوا إلى زوجاتهم، وَحَنُّوا عليهنَّ وَرَحِمُوهُنَّ).

      الآية 227: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾: أي وإنْ صَمَّموا على الطلاق؛ وذلك باستمرارهِم في اليَمين، وترْكِ الجِمَاع، فقد وَجَبَ على الزوج أن يُطَلِّقَ زَوجته، وإلاَّ أجبرَهُ الحاكم - أو القاضي - على تَطليقِها، فإن أبَى: طلقهَا القاضي عليه، ﴿ فإنَّ الله سميعٌ عليم ﴾: أي وليَعلمْ مَن يَحلِفُ هذا الحَلِف أنَّ اللهَ سميعٌ لأقوالهِم، عليمٌ بمقاصِدِهِم السيئة، وسيُجازيهم على ذلكَ فليَحذروه، وفي هذا وَعِيدٌ وتهديدٌ لِمَنْ يَحلف هذا الحَلِف ويَقصِدُ به الإضرارَ بزوجته، واعلم أنَّ الطَّلاقَ هو: فكُّ رابطةِ الزوجية؛ وذلكَ بقوْلِ الزوج: (هي طالِق أو: هي مُطلقة أو: طلقتُكِ)، وأما إذا عَلقَ الزوجُ الطلاقَ بشرطٍ ما (كأن يقولَ مَثلاً: إنْ تفعلِي كذا: تكُونِي طالقًا)، فقد أفتى الشَيْخُ مصطفى العَدَويُّ - أثابهُ الله - بأنَّ هذا لا يَقَعُ طلاقًا، وإنما عليهِ أن يُكَفِّرَ كفارة يَمِين (وذلكَ بأن يُطعِمَ عشرة مساكين - وَجبة مُشبِعة - مِن أوْسَطِ طعام بَيتِه، أو أن يَكسِوَهُم (سواء كانَ الكِساء قديمًا أو جديدًا، المُهمُّ أن يكون يَصلح - لهم - للارتداء)، أو أن يَعتقَ عبدًا أو جارية، فمَن لم يستطعْ إطعامَ المساكين أو كِسوَتهم - بسبب فقرهِ مثلاً - وكذلك لم يَجدْ عبدًا يعتقه: فعليه أن يصومَ ثلاثة أيام)، وعليهِ ألاَّ يعتاد ذلك القول، حتى لا يقع في الإثم؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231]، (وبالطبع لا نُنكِرُ على مَن يأخذ بالرأي الآخَر في هذه المَسألة، فإنَّ ذلك الأمرَ - وهو وقوع الطلاق مِن عَدَمِهِ بسبب ذلك القول - هو مَحلُّ خِلاف مُعتبَر بين العلماء).

      الآية 228: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ ﴾ اللاتِي ما زالَ يَنزلُ عليهنَّ الحَيْض، (يعني لم يبلُغنَ ما يُعرَفُ بـ (سِنِّ اليأس)، وكذلك لم يَستأصِلنَ الرَّحِم - أو غير ذلك - مما يتسبَّب في انقطاع الحَيض عنهُنَّ)، فهؤلاء يَجب عليهنَّ - بعدَ الطلاق - أن ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾: أي يَنتظِرنَ ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾- دونَ زواجٍ مِن رجلٍ آخر، وذلك لِمُدَّةِ: ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ : أي ثلاث حَيْضات (وذلك على الراجح من أقوال العلماء)، يعني لا بد أن يَمُرَّ عليها الحَيْض ثلاث مرات، تبدأ في عَدِّ هذه الثلاث: مِن لحظة الطلاق، فإنْ أتَى عليها الحَيْض بعد الطلاق ولو بلحظة: احتسبت هذه الحَيضة من الحَيْضات الثلاث، أما إذا طلقها وهي حائض: فإنها لا تحتسب هذه الحَيْضة - التي وقع فيها الطلاق - مِن الثلاث حَيْضات، واعلم أنَّ تلك المُدَّة تكونُ على سبيل العِدَّة (وهي المدة التي تنتظر فيها المرأة دونَ زواجٍ مِن رجل آخر)؛ وذلك للتأكُد مِن فراغ الرَحِم مِن الحَمل، وكذلك لإعطاء الفرصة للزوجين في الترَوِّي والرجوع إلى بناء الأسرة المتهدمة بسبب الطلاق، وكذلك لضمان استحقاق الزوجة للنفقة والسَّكَن - مِن الزوج - ما دامت في العِدَّة، (وأما حُكم المُطلَّقة اليائسة مِن الحَيْض - وكذلك التي لم تبلغ سِنَّ الحَيْضِ بعد -: فهؤلاءِ عِدَتهُنَّ ثلاثة أشهُر مِن لحظة الطلاق، وأما المُطلَّقات الحَوَامِل: فعِدَتهُنَّ وَضْعُ الحَمْل، وأما المُطلَّقات اللاتِي لم يُدخَلْ بهنَّ بعد: فليسَ لهنَّ عِدَّة، وأما المُطلَّقات الإماء (أي الجَواري): فعِدَتهُنَّ حَيْضَتان فقط (كما هُوَ قوْلُ الصحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم)، ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ﴾: أي يُخفِينَ ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ مِن الحَمْل أو الحَيْض، فكِتمانُها لِلحَمْل - استعجالاً مِنها لانقضاءِ العِدَّة - يؤدي إلى اختلاط الأنساب؛ لأنها سَتُلْحِقُهُ بغير أبيهِ، مِمَّا سَيُؤدي إلى أنْ يقطَعَ هذا المَوْلُود - الذي في بطنِها - رَحِمَهُ الأصلي، وأنْ يُحرَمَ مِن حَقِّهِ في مِيراث أبيهِ الحقيقي، وَمِن الممكن أن يتزوجَ أحد مَحارمِهِ دونَ أن يعلم، وغير ذلك مِما فيهِ مِن الشر والفساد، ما لا يعلمه إلا ربُّ العِباد، وأما كِتمانُ الحَيْض؛ وذلك بأنْ تخبر أنَّ الحَيْض قد أتاها، وهو لم يأتِ بعد - كَذِبًا منها واستعجالاً لانقضاءِ العِدَّة - ففيهِ مِن انقطاع حق الزوج عنها، وإباحة نفسها لغيره، وما يتفرع عن ذلك مِن الشَر الذي ذكرناهُ من اختلاط الأنساب وغيره، وأما إنْ كذبَتْ وأخبرَتْ بعدم وجود الحيض - كذبًا منها وطلبًا لتطويل العِدَّة - حتى تأخذ مِن الزوجِ نفقة غير واجبة عليه، بل هي حرامٌ عليها، وربما راجَعَها بعد انقضاءِ العِدَّةِ عنها وهو لا يعلم، لأنها لم تُخبرْهُ بمرور ثلاث حَيْضات عليها، فيكونُ ذلك زنًا؛ لِكَوْنِها أصبحتْ أجنبية عنهُ، فلهذا قال تعالى: ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾، لأنَّ صُدُورَ الكِتمان مِنهُنَّ: دليلٌ على عدم إيمانِهنَّ باللهِ واليوم الآخر، وإلاَّ، فلو آمَنَّ باللهِ واليوم الآخِر، وَعَرَفنَ أنهنَّ مَجْزيَّاتٌ عن أعمالِهنَّ: لم يَصدرْ مِنهُنَّ ذلك الكِتمان، ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾: أي وأزواج هؤلاء المطلقات ﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾: أي أحَق بمُراجعتِهنَّ في ذَلِكَ الوقت (وهو وقت الانتظار أو وقت العِدة)، بأن يقول لها: (راجَعْتُكِ)، أو بأنْ يُجامِعَها، وذلكَ ﴿ إِنْ أَرَادُوا ﴾ بتلك المُراجَعَة: ﴿ إِصْلاحًا ﴾ وخيرًا، ولا يَحِلُّ أن تكونَ المُراجَعَة بقصدِ الإضرار - تعذيبًا لهُنَّ بتطويل العِدَّة - وذلك بأن يُطلِقها، ثم ينتظر إلى قبل انتهاء العِدَّة فيُراجعها، ثم يَعُودُ فيُطلقها مرة أخرى وهكذا، ﴿ وَلَهُنَّ ﴾ مِن الحقوق والواجبات ﴿ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ للزوج ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أي على الوجه المُستَحْسَن شَرْعًا وعُرفًا، وقد قال ابنُ عباس رَضِيَ اللُهُ عنهما في هذه الآية: "إني لأحِبُّ أن أتزينَ لامرأتي، كما أحِبُّ أن تتزينَ لي"، ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾: أي مَنزلة زائدة مِن القوامَة على البيت، ومِلكُ الطلاق، ومَنصِبُ النُّبوة والقضاء والإمامة، وغير ذلك، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾.

      الآية 229: ﴿ الطَّلاقُ ﴾ الذي تحصُلُ بهِ الرَجْعَة ﴿ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾: أي فحُكْمُ اللهِ بعدَ كلِ طلقةٍ منهما هو: إمساكُ المرأةِ بالمعروف، وَحُسْنُ العِشرَة بعدَ مُراجَعتِها، ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾: يعني أو تَخلِيَة سبيلِها، معَ حُسْن مُعاملتِها - بأداءِ حقوقِها، وألاَّ يَذكُرهَا مُطلِّقُهَا بسُوء، ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ أيها الأزواج ﴿ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ مِن المَهْر ونحوه، إلا في حالةٍ واحدة وهي: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ أي: الزوجان ﴿ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾: أي ألا يَقومَا بالحقوق الزوجية، وألا يقوما بما يَجب عليهما مِن طاعةِ الله تعالى، واجتناب مَعصيتِه، أو أن تكرَهَ المرأة زوجَها ولا تُطِق البقاءَ معه، فحينئذٍ يَعرضان أمرَهُما على أولياء الزوج والزوجة، أو القاضي، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ أيها الأولياء ﴿ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾: أي فلا حرجَ على الزوجين فيما تدفعُهُ المرأة للزوج مقابل طلاقِها، وهو ما يُسَمَّى بـ (الخُلع)، ويكونُ الزوجُ في هذه الحالة غيرُ ظالمٍ لها في أخْذِ هذا المال، لأنها دفعتهُ له برضاها، وكذلك تكونُ عِدَّة المُختلعَة: ثلاثة قروء مثل عِدَّة المُطلقة، وهذا هو قول الجمهور، ﴿ تلك ﴾: أي ما سبقَ مِن التشريعات والأحكام هي ﴿ حدودُ الله ﴾ الفاصلة بين الحلال والحرام، ﴿ فَلا تَعْتَدُوهَا ﴾: أي فلا تتجاوزوها، ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هم الظالمونَ ﴾ أنفسَهُم بتعريضِها لعذاب الله، واعلم أنَّ الظلم ثلاثة أقسام: الظلمُ الأكبَر (الذي هو الشِّرك، كما قال تعالى: ﴿ إنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عظيمٌ ﴾، وهذا لا يُغفَرُ للعبدِ إلا بالتوبةِ منه، وظلمُ العبدِ لأخيهِ الإنسان، وهذا لا بد مِن التَحَلُّلِ منه وَرَدِّ الحقوق لأصحابها، وظلمُ العبدِ لِنفسِهِ بتعدي حَدٍّ مِن حدودِ اللهِ تعالى، فإنْ تابَ العبدُ منها، وقبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ: فإنَّ اللهَ تعالى يَغفِرُ له، وأما إذا لم يَتُبْ منها: فهذا أمْرُهُ إلى الله: إنْ شاءَ عَذّبَهُ، وإنْ شاء غفرَ له).

      الآية 230: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ زوجُها الطلقة الثالثة ﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ زواجًا صحيحًا يُجامِعُها فيه، ويكون الزواجُ عن رَغبةٍ، لا بِنِيَّةِ تحليل المرأةِ لزوجها الأول؛ لأنَّ هذا مِن الكبائر، وبالطبع يكون هذا الزواج بعد انتهاء عِدَّتها، ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ الزوجُ الآخرُ - أو ماتَ عنها - وانقضت عِدَّتها: ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾: أي المرأة وزوجُها الأول ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ بعقدٍ جديدٍ، ومَهرٍ جديد، هذا ﴿ إِنْ ظَنَّا ﴾: أي غلبَ على ظنِهِما ﴿ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾، وأن تطِيبَ العِشرَة بينهما، وألا يتكرَّر ذلك الاعتداء الذي أدَّى إلى الطلاق ثلاث مرات، ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يبينها لقوم يعلمونَ ﴾ أحكامَهُ وحدوده؛ لأنَّ العالِمِين بها هم الذين ينتفعون بتلك الأحكام، فيقفون عندها ولا يتعدونها، فيَسْلمونَ بذلكَ مِن الظلم وعقوبة الظالمين.

      الآية 231: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ دونَ الثلاث، أي طلاقًا رَجعِيًّا بواحدةٍ أو ثِنتيْن، ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾: أي فقارَبْنَ انقضاءَ عِدَتِهنَّ: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾: أي فراجعُوهُنَّ، وَنِيَّتكُم: القيامُ بحقوقِهنَّ على الوَجْهِ المُسْتحْسَن شَرعًا وعُرفًا، ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ﴾: أي واحذروا أن تكونَ مُراجَعَتهُنَّ بقصدِ الإضرار بهنَّ ﴿ لِتَعْتَدُوا ﴾ على حُقوقِهن، حتى تضطر المرأة المظلومة إلى المُخالعة، فتفدِي نفسها منه بالمال وتتنازل عنه، حتى تتخلص مِن هذا الزوج الظالم، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ منكم أيها الأزواج ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾: أي لَعِبًا بها، وهو التجَرُّؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ باللسانِ: ثناءً وحَمدًا، وبالقلبِ: اعترافًا وإقرارًا، وبالجَوارح: بصَرْفِها في طاعةِ الله، ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾: أي واذكروا ما أنزلَ عليكم مِن القرآن والسُنَّة، فهو ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾: أي يُذكِّركم بما في الكتاب والسُنَّة مِن أحكام، ويُخوفكم مِن المُخالفة، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

      الآية 232: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ دونَ الثلاث، أي طلاقًا رَجعِيًّا بواحدةٍ أو ثِنتيْن، ولكنْ: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾: أي فانتهت عِدَّتُهُنَّ مِن غير أن تراجعُوهُنَّ في أثناء العِدَّة: ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾: أي فلا تمنعوا - أيها الأولياء - المُطلقاتِ مِن ﴿ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾: أي مِن العودة إلى أزواجهنَّ مرة أخرى بعقدٍ جديدٍ إذا أرَدْنَ ذلك، و﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أي إذا حدث التراضِي شَرعًا وعُرفًا بين الأزواج والزوجات، ﴿ ذَلِكَ ﴾: أي تَرْكَ العَضَل - وهو المَنْع - وتمْكِين الأزواج مِن نِكاح زوجاتِهم، ﴿ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ ﴾: أي بهذا يَعِظ اللهُ المُؤمِن الذي ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾، ويَستجيبُ للهِ ولرسوله، ولا يتبعُ هَوَاهُ، ﴿ ذَلِكُمْ ﴾: أي عودة الزوجين لبعضهما مرة أخرى ﴿ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾: أي أكثرُ نماءً وطهارة لأعراضِكم، وأعظمُ مَنفعة وثوابًا لكم، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فيه صَلاحكُم ﴿ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، فسارعوا إلى التسليم بقبول شرْعِه، والانصِياع لأمْره.




      تفسير الربع الخامس عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 233: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ﴾: أيْ: عامين﴿ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾: أيْ: وعلى الآباء - الذين وُلد لهم هذا المولود -: ﴿ رِزْقُهُنَّ ﴾: أيْ: أن يكفُلوا للمُرضعات المُطلَّقات طعامَهن ﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أيْ: بحسب حال الوالد من الغنى والفقر، ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾: أيْ: لا يُكلف اللهُ نفسًا إلا قدر طاقتها في الإنفاق، ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾: أيْ: لا يحِل أن تؤذى الأمُّ بولدها، وذلك بمنعها من إرضاعه، أو بمنعها الأجرة على إرضاعه، هذا في حال طلاقها، أو موت زوجها، ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾: أيْ: وكذلك لا يحِل أن يُؤذى المولودُ له - وهو الأب - بسبب ولده، وذلك بأن يُطالَب بنفقةٍ باهظةٍ لا يقدرُ عليها، ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾: أيْ: وإن كان الأبُ ميتًا، أو كان فقيرًا لا يقدرُ على دفع نفقة الأم المُرضِعة، أو كان غير موجودٍ لأيِّ سبب، وكان الطفلُ ليس له مالٌ: فإن نفقة الأم وكسوتها تجب على الوارث (الذي سيرثُ الطفل مُستقبلًا إذا مات)، وهذا هو قول الجُمهور، ومعنى قوله تعالى: ﴿ مثلُ ذَلِك ﴾ أيْ: مثلُ ماكان يجبُ على الوالد من النفقة (إذا كان موجودًا وقادرًا على دفعها)، ﴿ فَإِنْ أَرَادَا ﴾: أيْ: الوالدان ﴿ فِصَالًا ﴾: أيْ: أن يفطموا المولودقبل انتهاء السنتين، وكان ذلك ﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ في ذلك؛ ليصلا إلى مافيه مصلحة المولود، فإن كان ذلك في مصلحته، ورضِيا: فلا جُناح عليهما، يعني: فلا إثم عليهما، ويُفهمُ من الآية: أنه إذا رضي أحدُهما دون الآخر، أو لم يكُن الفطام في مصلحة الطفل - فإنه لا يجوزُ فطامُه، ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾: أيْ: أن تطلبوا إرضاع المولود من مُرضِعة أخرى غيروالدته:﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ ﴾: أيْ: إذا أعطيتم المُرضعات من الأجر مثل ﴿ مَا آتَيْتُمْ ﴾: أيْ: مثل ما أعطيتمُوهن من وعدٍ واتفاق إذا تم الإرضاع، وهذا مثل قول أحدهم: (أنا أعطيتُك كلمة، أو أعطيتُك وعدًا)، فيكونُ معنى: ﴿ إذا سلمتُم ما آتيتُم ﴾ أيْ: إذا سلمتمُوهُن ما اتفقتم عليه من الأجر ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أيْ: بما يتعارفُ عليه الناسُ، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.

      الآية 234:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾: أيْ: والذين يموتون منكم،﴿ وَيَذَرُونَ ﴾: أيْ: ويتركون ﴿ أَزْوَاجًا ﴾ بعدهُم، فعلى هؤلاء الزوجات أن ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾: يعنيْ: ينتظرن بأنفسهن مُدةأربعة أشهُرٍ وعشرة أيام، (لا يتزوَّجن في هذه المُدة، ولا يتزينَّ في البيت؛ وذلك إظهارًا للحُزن على الزوج، وفاءً لهُ واعترافًا منها بالفضل والجميل، ولا يخرُجن من منزل الزوجية إلا لضرورة)، واعلم أن تلك المُدة تكونُ على سبيل العدة، وهنا قد يتساءلُ بعضٌ عن الحكمة من هذه العدة، فدعُونا نُجِبْ ابتداءً بأن الأصل فينا أننا مسلمون، والإسلام معناه: الاستسلام والخضوع والانقياد التام لأوامر الله تعالى، سواء علمنا الحكمة من الأمر الشرعي، أم لم نعلمها؛ إذ إننا نطيع إيمانًا منا بأن الله تعالى قد أمرنا بذلك، وأنه سبحانه حكيمٌ في شرعه وتدبيره، يضع الشيء في موضعه المناسب، وأنه سبحانه يعلم ما فيه صلاحنا ونحن لا نعلم ذلك، ولذلك قال: ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، وقد يظهر الله لنا الحكمة من أمرٍ ما، وقد يُخفيها عنا - اختبارًا لإيماننا - فينبغي ألا نعلق طاعتنا لله تعالى بمعرفة الحكمة، فإن علمناها: فلله الحمد والمنة، وإن لم نعلمها قلنا: (سمعنا وأطعنا).

      هذا، وقد اجتهد بعضٌ - من العلماء وغيرهم - في معرفة بعض هذه الحِكَم، فمن ذلك: التأكُّد من فراغ الرحِم من الحمْل، وحتى تنسى الزوجة - في هذه المدة - سلوك الزوج الأول معها، حتى لا تحدث عندها مقارنة بين الزوجين، فيحدث لها من السخط ما يتسبَّب في إفساد حياتها مع الزوج الثاني،ومنها: إظهار حقِّ الزوج عليها؛ حيث إن طاعة المرأة لزوجها بالمعروف - يعني في غير معصية الله تعالى - والقيام بأمر الزوج، واحتساب الأجر في ذلك عند الله - من أعظم ما تتقرَّب به المرأة إلى ربِّها تبارك وتعالى؛ فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلت المرأة خَمسها، وصامت شهرها، وحفظَتْ فرجَها، وأطاعت زوجَها - قيل لها: ادخلي الجنَّةَ من أيِّ أبواب الجنة شئتِ))، (والحديث في صحيح الجامع برقم: 660)، وفي المقابل: فإن معصية الزوج، وتكدير حياته: ذنبٌ عظيم ومعصية تؤدِّي بالمرأة إلى غضب الله ولعنته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم – أيْ: لا ترتفع إلى السماء، وهو كناية عن عدم القبول، وذكر منهم -: وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط))،(والحديثُ في صحيح الجامع برقم: 3057)، قال الشوكاني رحمه الله: (إن إغضاب المرأة لزوجها حتى يبيت ساخطًا عليها: من الكبائر)، هذاإذا كان ذلك السخط بسبب سوءخلقها، أو قلة طاعتها، وكان زوجها صالحًا لا يأمرها إلا بخير، ولا يطلب منها إلا ما تطيقه من الأمور المعروفة لا المنكرة، ولعل أحد هذه الحِكَم ما صرَّح به الدكتور جمال الدين إبراهيم (أستاذ علم التسمُّم بجامعة كاليفورنيا ومدير معامل أبحاث الحياة بالولايات المتحدة الأمريكية) مِن أنَّ العلم قد اكتشف حديثًا أن السائل الذكري يختلف من شخصٍ إلى آخر كما تختلف بصمة الأصبع، وأن لكل رجلٍ شفرة خاصة به، وأن المرأة تحمل داخل جسدها جهازًا يختزن هذه الشفرة،وإذادخل على هذا الجهاز أكثر من شفرة فإنه يُصاببالخلل والاضطراب والأمراض الخبيثة، ومع الدراسات المكثَّفة للوصول إلى حل لهذه المشكلة اكتشفوا الإعجاز، واكتشفوا أن الإسلام يعلم مايجهلونه: (وهو أن المرأة تحتاج إلى نفس مدة العدة التي شرعها الإسلام، حتى تستطيعَ استقبال شفرةٍ جديدةٍ بدون أن تُصاب بأذى)،(كما فسَّر هذا الاكتشاف سبب عدم تزوُّج المرأة إلا من رجلٍ واحد).

      أما عن اختلاف مدة العدة بين المطلقة والأرملة: فقدأُجريت الدراسات على المطلقات والأرامل، وأثبتت التحاليل أن الأرملة تحتاج إلىوقتٍ أطول من المطلقة لنسيان هذه الشفرة، وذلك يرجع إلى حالتها النفسية؛ حيثتكون حزينة على فقدان زوجها أكثر؛ إذ لم تُصَب منه بضرر الطلاق، بل توفَّاه الله تعالى؛فلذلك هي لا تستطيع نسيان ذلك الزوج الذي عاش معها حياة المودة والرحمة والسكن إلا بعد فترة العدة)،﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾: أيْ: فإذا انتهت المدَّة المذكورة: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يا أولياء النساء ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: يعنيْ: فيمافعلن في أنفسهن على وجهٍ غيرِ محرَّم ولا مكروه، فيجوز لهنَّ التزيُّن في البيت، والتعرُّض للخُطَّاب، والزواج، والخروج من البيت - كما أمرَ الشرع – يعني: لا يتبرَّجن، ولا يضعن العِطر، وأن يخرجن بملابس واسعةٍ فضفاضة؛ وذلك حتى لا يدخلن في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن المتبرِّجات - كما في صحيح مسلم - : ((لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها))، ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، واعلم أنها إذا كانت حاملاً فإنَّ عدَّتها تنقضي بوضْع حملِها.

      الآية 235: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الرجال ﴿ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ ﴾: أيْ: فيما تُلمحون به ﴿ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ المتوفَّى عنهن أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا - أيْ: لا رجعةَ فيه - وذلك في أثناء عِدَّتهن، وأما الطلاق الرجعي: فلا تصح الخطبة فيه - لا تلميحًا ولا تصريحًا - لأنها تكون في حكم الزوجة، ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾: أيْ: ولا جناح عليكم أيضًا فيما أخفيْتُموهفي أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاءعدَّتهن، ﴿ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾، ولن تصبروا على السكوتعنهن - بسبب ضعفكم - لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إخفاءً في النفس فقط، ولا تصرِّحوا بذلك؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح؛ فلهذا حُرِّم خوفًا من استعجالها، وكذبِها في انقضاء عدتها؛ رغبةً في النكاح، ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ ﴾ على النكاح ﴿ سِرًّا ﴾ وذلك بالاتفاق معهن على الزواج بعدالعدَّة، فهذا الاتفاق لا يحل طالما أنهن ما زِلن في العدَّة ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾: أيْ: إلا أن تقولوا قولا يُفهم منه أن مثلها يَرغَب فيها الأزواجُ، أو غير ذلك، ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾: أيْ: ولاتعزموا على عقد النكاح﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾: أيْ: حتى تنقضي عدتها، والمراد من الكتاب: المدة التي كتب الله على المعتدة أن تنتظر فيها دون زواج، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾: أيْ: فانووا الخير، ولا تنووا الشرَّ؛ خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه،﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾.

      الآية 236: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الأزواج ﴿ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ بعد العقد عليهن،﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾: أي قبل أنتدخلوا بهن، أو تحدِّدوا لهنَّ مهرًا، ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾: أيْ: وأعطوهن شيئًا من المال يتمتَّعن به أيَّامًا؛ عوضًا عما فاتهن من التمتُّع بالزواج، وجبرًا لهن، ودفعًالوحشة الطلاق، وإزالةً للأحقاد، وهذه المتعة تجب بحسب حال الرجل المطلق، فتجب ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾: يعني: علىالغني قدر سعة رزقه، ﴿ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾: يعني: وعلى الفقير قدر ما يملكه، وهذا المتاع يكون ﴿ مَتَاعًا ﴾ من كسوةٍ ونفقةٍ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أيْ: على الوجهالمستحسن شرعًا وعُرْفًا، ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾: أيْ: وهو حقٌّ ثابتٌ على الذين يُحسنون إلى المطلقات، ويحسنون إلى أنفسهم بطاعةالله، وامتثال أمره).

      الآية 237: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾: أيْ: من قبل أن تدخلوا بهنَّ، ولكن: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾: أيْ: وقد حدَّدتم لهنَّ مهرًا: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾: أيْ: فيجب عليكم أن تعطوهنَّ نصف المهر المتفَق عليه ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾: أيْ: إلا أن تعفوا المطلقات، فيتركن نصف المهر المستحَق لهن، ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾: أو أن يسمح الزوج - الذي بيده حل عقد النكاح - بأن يترك المهر كله للمطلقة، ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾: يعني: وتسامحكم أيها الرجال والنساء - في ذلك - هو أقرب إلى خشية الله تعالى وطاعته، ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾: أيْ: ولا تنسوا أيها الناسأن تتفضلوا وأن تحسنوا فيما بينكم، وهو إعطاء ما ليس بواجبٍ عليكم،والتسامح في الحقوق، لما كان بينكم من معروفٍ وودٍّ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.

      الآية 238: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾ الخمس المفروضة، وذلك بالمداومة على أدائها فيأوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها، ﴿ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾: أيْ: وحافظوا - بالأخصِّ - على الصلاة المتوسِّطة بينها وهيصلاة العصر، ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ ﴾: أيْ: صلُّوا له قيامًا، وكونوا في صلاتكم ﴿ قَانِتِينَ ﴾: أيْ: مطيعين، خاشعين،ساكنين).

      الآية 239: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ من عدوٍّ أو من حيوان مفترس أو غير ذلك: ﴿ فَرِجَالًا ﴾: أيْ: فصَلُّوا صلاة الخوف ماشين على أقدامكم، ﴿ أو رُكْبَانًا ﴾: أو راكبين، أو على أي هيئةٍ تستطيعونها ولو بالإيماء - يعني بالانحناء - ولو إلى غير جهة القبلة، ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾: أيْ: فإذا زال خوفُكم: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾: أيْ: فأتمواالصلاة كما أمركم، وذلك بأن تُتمُّوا ركوعها وسجودها وقيامها وجلوسها كما تفعلون ذلك في حال الأمن وعدم الخوف، واذكروا الله فيها، ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية، واشكروه ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ من أمور العبادات والأحكام)، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقت الصلاة المفروضة؛ حيث أمر الله تعالى بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها، ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أفضل - بل وأوجب - من صلاتها باطمئنان بعد انتهاء الوقت.

      الآية 240: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾، وهذا هو قول الجمهور.

      الآية 242: (﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾: أيْ: بمثل ذلك البيان الواضح - في أحكام الأولاد والنساء -: يبيِّن الله لكم آياته وأحكامه في كل ما تحتاجونه في معاشكم وآخرتكم ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾: أيْ: لكي تعقلوا تلك الآيات وتعملوا بها).

        تفسير الربع السادس عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 243: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾: يعني: ألم تعلم قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم؟ ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ كثيرة، ﴿ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾؛ أي: خشية الموت، وهنا وقع خلاف بين المفسِّرين؛ "فمنهم من قال: إنهم فرُّوا من ديارهم خوفًا من القتال؛ أي: إن عدوهم نزل بأرضهم، وقد كان الواجب عليهم أن يثبتوا ويدافعوا عن أرضهم، ولكنهم تركوا ديارهم للعدو، وفرُّوا جُبنًا من القتال، وخوفًا من الموت"، "ومنهم من قال: إنهم فروا خوفًا من مرض الطاعون الذي نزل بأرضهم، ففروا - اعتقادًا منهم - أن المرض سوف يُميتُهم بذاته، وليس بقدر الله تعالى، فاعتقدوا أن السبب هو الذي ينفع ويضر، ولم يعتقدوا في أن كل شيء بيد مسبب الأسباب - سبحانه وتعالى - الذي بيده ملكوت كل شيء"، ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ فماتوا دفعة واحدة؛ "عقوبةً لهم على فرارهم"، ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ الله تعالى بعد مدة، ليستوفوا آجالهم - المكتوبة في اللوح المحفوظ - وليتَّعظوا ويتوبوا، وليبين سبحانه لخلقه آياته بقدرته على إحياء الموتى، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ بنعمِه الكثيرة عليهم، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ فضل الله عليهم، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعترف بالنعمة، ويصرفها في طاعة المنعم - جل وعلا.

      وبمناسبة ذكر الفرار من المرض: فإنه قد يسأل سائل ويقول:كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري -: ((لا عدوى))، وبين قوله في نفس الحديث: ((وفرَّ من المجذوم - وهو الذي أصابه مرض الجذام - كما تفرُّ من الأسد))؟ وخلاصة أقوال العلماء في ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لاعدوى))؛أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها - يعني لا تنتقل بذاتها - إنما ينقلها الله - سبحانه وتعالى - إذا شاء، واعلم أن هذا يكون من باب الاعتقاد بأن الله سبحانه هو الذي يصيبنا، وأنه هو الذي يصرف عنا السوء، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((فرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد))، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون - كما في صحيح البخاري -(إذا سمعتم به بأرض:فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها: فلا تخرجوا فرارًا منه))، فإنه منباب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها سببًا للهلاك أو الأذى،والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء؛ مثل اجتناب مقاربة المريض، أو القدومعلى بلد الطاعون، أو غير ذلك، ولكن مع الاعتقاد الجازم أن السبب لا ينفع ولا يضر بذاته، وإنما كل شيء بيد الله سبحانه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ [الحجر: 21]؛ وقال تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [يس: 83]، وكذلك نعتقد أننا لا نصاب بمجرد مخالطة المرضى، وإنما جعل الله - سبحانه وتعالى - مخالطةالمريض للصحيح سببًا لإعدائه، وقد يشاء الله أن يخالطه ولا تحدث عدوى، فالأمر يرجع في ذلك إلى قدر الله تعالى، ومن لطيف ما يُذكَر هنا "أنعمر بن الخطاب رضي الله عنه - حينما كان أميرًا للمؤمنين - خرج إلى الشام، فلقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه رضي الله عنهم، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، فقرر عمر الرجوع إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة: "فرارًا من قدر الله"؟ فقال له عمر: "نعم؛ نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله"، "وهذا يدل على أن الأخذ بالأسباب إنما هو جزء من القدر"؛ فعلى سبيل المثال: إذا أصاب العبد مرضًا ما، فعليه أن يأخذ بالأسباب التي أمره الله تعالى بها، كالذهاب إلى الطبيب، وأخذ الدواء، ولكن مع عدم تعلق قلبه بالطبيب ولا بالدواء، وإنما عليه أن يعلق قلبه بالله الشافي، الذي يوفق الإنسان لأخذ الدواء المناسب للداء، والذي يُعلِّمه ما لم يكن يعلم، وهذه نقطة هامة جدًّا؛ لأن تعلق القلب بغير الله تعالى هو من أعظم مفسدات القلب، وهو بداية الشرك.

      الآية 245، 244: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتكم وأعمالكم، فأحسنوا النية، واقصدوا بها وجه الله تعالى، واعلموا أن القعود عن القتال لا يفيدكم شيئًا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، فإنكم لا تُمتَّعون بعد القعود عنه إلا قليلاً، ولهذا ذكر الله تعالى هذه القصة السابقة تمهيدًا لهذا الأمر، فكما لم ينفعهم خروجهم من ديارهم - بل أتاهم ما كانوا يحذرون (وهو الموت) - من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك، ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذل، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغَّب فيه، وسماه قرضًا، فقال: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾؛ أي: ينفق إنفاقًا حسنًا - يعني من مال حلال - طالبًا للأجر، وذلك في جميع طرق الخير، وخصوصًا في الجهاد، ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ لا تُحصى من الثواب وحسن الجزاء، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وذلك بحسب حال المنفق مع الله، وبحسب نيته، ونفع نفقته، والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر: دفع الله تعالى هذا الوهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ ﴾؛ أي: يضيِّق على من يشاء من عباده في الرزق ابتلاءً لهم، ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾؛ أي: ويوسِّعه علىآخرين امتحانًا لهم، فالتصرف كله بيديه سبحانه،وله الحكمة البالغة في تضييق الرزق وتوسعته؛ لأنه - سبحانه - الأعلم بما يُصلِح عباده من الفقر والغنى، فأنفقوا ولاتبالوا فإنه هو الرزاق، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ )، وقد سمى الله تعالى ذلك الإنفاق قرضًا؛ حثًّا للنفوس على البذل؛ لأن المقرض متى علم أن ماله كله سيعود إليه، مع مضاعفة حسناته، سهل عليه إخراجه، ومجيء لفظ الجلالة(اللَّهُ) في قوله: ﴿ يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ فيه غاية الطمأنة للمنفق، وضمان التعويض له؛ لأنه يعلم أن قرضه سيعطيه لغني كريم قادر.

      الآية 246: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ ﴾ وهم الأشراف والرؤساء ﴿ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ ﴾ زمان ﴿ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: ولِّ علينا ملكًا نجتمع تحت قيادته، ونُقاتل أعداءنا في سبيل الله، ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ﴾ ؛ يعني: هل الأمر - كما أتوقعه - إن فرض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون؟ فإني أتوقع جُبْنَكم وفراركم من القتال، ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ ﴾ يعني: وأيُّ مانع يمنعنا عن القتال ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾؛ أي: وقد أخرجنا عدونا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأَسْر؟ ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوا ﴾؛ أي: جبنوا وفروا عن القتال ﴿ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ﴾ ثبَتوا بفضل الله تعالى، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الناكثين لعهودهم).

      الآية 248: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾؛ أي: علامة ملك طالوت - الذي اختاره الله ليكون ملكًا عليكم -: ﴿ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴾ وهو الصندوق الذي كان بنو إسرائيل يضعون فيه التوراة - وكانأعداؤهم قد انتزعوه منهم - ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾: أي طمأنينة ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ تثبِّت قلوب المخلصين، ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾: والبقية هي ما تبقى من الشيء بعد ذهاب أكثره، وهي هنا: عصا موسى، وفتات من الألواح التي تكسَّرت، وشيء من آثار أنبيائهم ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ من أرض أعدائهم العمالقة، فتضعه بين أيديهم في مخيماتهم، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَلَآيَةً لَكُمْ ﴾؛ أي: إن في ذلك لأعظم برهان لكم على اختيار طالوت ملكًا، فعليكم بأمرالله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بالله ورسله، فأتت به الملائكة تحمله، وهم يرونه بأعينهم).

      الآية 249: (﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ﴾؛ أي: فلما خرج بجنوده لقتال العمالقة: ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾؛ أي: ممتحنكم - على الصبر - بنهرأمامكم تعبرونه، ليتميز المؤمن من المنافق، ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ ﴾؛ أي: من ماء النهر﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ ولا يصلح للجهاد معي، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ فلا لوم عليه، ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ ﴾؛ أي: فلما وصلوا إلىالنهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه ﴿ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ﴾ صبَروا علىالعطش والحر، وحينئذ تخلف العصاة، ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ لملاقاة العدو - وكان عدد المؤمنين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً - فلما رأوا كثرةعدد العدو، وكثرة عدته وسلاحه: ﴿ قَالُوا لَا طَاقَةَ ﴾؛ أي: لا قدرة ﴿ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ ﴾- قائد العمالقة - ﴿ وَجُنُودِهِ ﴾ الأشداء، ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ ﴾؛ أي: فأجاب الذينيوقنون بلقاء الله - مذكرين إخوانهم بالله وقدرته - قائلين لهم: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ مؤمنة صابرة ﴿ غَلَبَتْ فِئةً كَثِيرَةً ﴾ كافرة باغية ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ وإرادته، ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ بتوفيقه ونصره).

      الآية 250: (﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا ﴾؛ أي: ولما ظهروا ﴿ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ ورأوا الخطرَ رَأيَ العين: فزعوا إلى الله بالدعاءوالضَرَاعة، فـ ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾؛ أي: يا ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا، ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: واجعلها راسخة في قتال العدو، لا تَفِرُّ مِن هَوْل الحرب، ﴿ وَانْصُرْنَا ﴾ بعَونِكَ وتأييدِكَ ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾).

      الآية 251: (﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ ﴾ عليه السلام ﴿ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ﴾؛ أي: المُلك والنبوة، ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ مِنالعلوم، ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾؛ أي: ولولا أن يَدفعَ اللهُ ببعض الناس - وهم أهل الطاعةِ له والإيمان به - بعضًا، وَهُم أهل الشِّرك؛ وذلك بالجهاد والقتال في سبيله ﴿ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ بغَلَبَةِ الكُفر، وتَمَكُّن الطُغْيان،وأهل المعاصي، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾).





      تفسير الربع السابع عشر من سورة البقرة بأسلوب بسيط

      الآية 253:﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ الكِرام الذين قصَّ اللهُ تعالى على رسولِهِ بعضًا منهم، وأخبره أنه منهم في قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ في خِتام الآية السابقة لهذه، فهؤلاء الرسل ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍب ﴾ حسب ما مَنَّ الله به عليهم، ولكننا لا نُفرقُ بين أحدٍ منهم في الإيمان بهم، ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾كَمُوسَى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ عالية كمحمد صلى الله عليه وسلم، بعُموم رسالته، وخَتْم النُّبُوة به، وتفضيل أمَّتِهِ على جميع الأمم، وغير ذلك، ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾:أي: المُعجِزات الباهرات الدالَّة على صِدقِ نُبُوَّتِهِ ورسالته، ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾: أي: وقوَّيْناهُ بجبريل عليه السلام، يُلازمُهُ في أحوالِهِ، فكانَ يَقفُ دائمًا إلى جانب عيسى يُسَدِّدُهُ وَيُقوِّيه إلى أنْ رَفعَهُ اللهُ إليه، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما اقتتل الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾: أي: ما اقتتلت الأمم التي جاءت بعدَ هؤلاء الرسلِ﴿ مِن بعد ما جاءتهم البيناتُ ﴾ المُوجِبة للاجتماع على الإيمان، ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا ﴾: أي: وقع الاختلاف بينهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ﴾: أي: ثَبتَ على إيمانِهِ،﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ﴾:أي: أصَرَّ على كُفره، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ مِن بعد ما وقع بينهم هذا الاختلافُ المُوجِب للمُعادَاة والمُقاتَلَة، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ ﴾ فيُوفق مَن يشاءُ - بفضلِهِ - لِطاعتِهِ والإيمان به، ويَخذلمَن يشاءُ - بِعَدْله وحِكْمتِهِ - فيَعصِيهِ ويَكفر به).
      
      الآية 254:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾: أي: أخرِجوا الزكاة المفروضة عليكم،وتصدَّقوا مما أعطاكم اللهُ ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾: وهو يوم القيامة، حيثُ ﴿ لا بَيْعٌ فِيهِ ﴾: أي: ليس فيه بيعٌ ولا ربحٌ ولامالٌ تفتدونَ به أنفسكم مِن عذاب الله، ﴿ وَلا خُلَّةٌ ﴾: أي: ولا صَداقة صَديق تُنقذكم، ﴿ وَلا شَفَاعَةٌ ﴾: أي: ولا شفاعة تُقبَلُ إلا مِن بعدِ أن يَأذنَ اللهُ لمن يشاءُ ويرضى، كما ذكَرَ اللهُ تعالى ذلك في آيةٍ أخرى)، ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ المتجاوزونَ لِحدودِ الله تعالى).

      الآية 255: ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾:يعني: اللهُ الذي لا يَستحق العُبُودِيَّة إلا هو﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾: أي: القائمبتدبير المَلَكُوتِ كله، القائم على كل نفسٍ بما كَسَبَتْ، (وقد قال بعضُ المُحَققِين: إنَّ ﴿ الْحَيّ الْقَيُّوم ﴾ هو اسمُ اللهِ الأعْظَم الذي إذا دُعِيَ به أجابَ، وإذا سُئِلَ به أعْطَى؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يَذكُرَ هذا الاسم في دُعائِهِ، فيقول: (يا حَيُّ يا قيوم)، ثم يدعو اللهَ بما شاءَ مِن الخير)، واللهُ سبحانهُ ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ﴾: أي: نُعاس، ﴿ وَلانَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾: أي: مَن هذا الذي يَجرؤ أن يَشفعَ عنده إلا مِن بعد أن يَأذنَ له؟ وفي هذا رَدٌّ قاطِع على مَن يُنكِرُون حديثَ الشفاعة - الثابت في صحيح البُخاري رَحِمَهُ الله - وذلك لأنهم يُحَكِّمُونَ عقولَهُم في ذلك بدونِ عِلم، فيَحْتَجُّونَ بقوْلِهِم: (كيف يَذهب الناس إلى الأنبياء - ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم - لِيَشفعوا لهم عند ربهم، ولا يذهبون مباشرة إلى اللهِ تعالى ليطلبوا منه الشفاعة؟) ويعتبرون أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ بِحُجَّةِ أنَّ الناسَ بذلك سيجعلون الأنبياءَ شُرَكاءَ للهِ تعالى، ويعتقدونَ أنَّ هذا يَتَناقَضُ مع قوْلِ اللهِ تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾، ونحن نقولُ لهم: إنه قد ثَبَتَ - في نفس الحديث - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يَذهبُ لِيَخِرَّ تحتَ العرش ساجدًا، ثم يَحْمَد اللهَ تعالى بمَحَامِدَ لم يَحْمَدْهُ بها مِن قبل، فيقولُ اللهُ له: (يا محمد، ارفع رأسَك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشفعْ تُشَفَّعْ)، ففي هذا دليلٌ واضحٌ أنه قد استأذنَ رَبَّهُ في الشفاعة، وأنَّ اللهَ قد أذِنَ له، ألاَ يَتفقُ هذا تمامًا مع قولِهِ تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم: 26]؟ ونحن نعلمُ أنهم يَفعلونَ ذلك حِرْصًا منهم على عدم الشركِ باللهِ تعالى، ولكننا نُذَكِّرُهُم بقوْل الإمامِ عَلي رَضِيَ اللهُ عنه: "لو كانَ الدينُ بالرأي لكانَ أسفلُ الخُف أوْلَى بالمَسْحِ مِن أعلاه)، والخُفُّ هوَ شيءٌ يُلبَسُ في القدم مِثل الجَوْرَب، (ورغمَ أنَّ أسفل الخُفِّ هو الأوْلَى بأنْ يُمسَحَ في الوضوء؛ لأنه هو الذي يَتسِخ، إلا أنَّنا أُمِرْنا بالمَسح أعلاه)، وَنُذَكرُهُم - أيضًا - بأنَّ المَرْأة تَقضِي صيامَ الأيام التي مَرَّتْ عليها وهي حائِض في رمضان، ولا تقضي صلوات تلك الأيام، وبأنَّ اللهَ تعالى قد جعل عدد ركعات الصلوات مختلفة: (فالصبح نُصَلِّيهِ ركعتين، والظهر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، وهكذا)، فهذه كلها أشياء تَعَبُّدِيَّة لا تَخضَع للعقل في شيء.

      ♦ فلذلك ينبغي ألاَّ نجعلَ العقلَ حاكمًا على دين الله، فيُصَحِّح ويُضَعف بهَوَاه، فإنَّ عقولَ البشر مُتفاوتة، وقد يقولُ لكَ قائل: (أنتَ لستَ أذكَى مِني، وإنَّ عقلَكَ ليس أفضل مِن عقلي، فأنا أرى هذا صحيحًا وأنت تراهُ ضعيفًا، والعكس)، وَلتعلمْ - أخي الكريم - أنه لا يَتَعارضُ - أبدًا - نَص صحيحٌ معَ عقلٍ سليم، ولكنَّ المُشكِلة أنَّ الناسَ تستَحِي أن تقول: (أنا لا أفهم هذا الحديث، ولا أفهم المُراد مِن هذه الجُزئِيَّة، ولا أفهم كيف أجمعُ بين هذا الحديث وهذه الآية، وهكذا)، فطالما أنَّ علماءَ الحديث - وَهُم أهلُ التخصص، وأهلُ الذكر في هذا المجال - قد أجْمَعُوا على صِحَّةِ حديثٍ ما، فلا ينبغي أن تُضَعفَ الحديث لِمُجَرَّد أنك تعتقد أنه لا يتفق مع عقلك، وإنما ينبغي أن ترجع إلى أهل العلم المتخصصين لِيُفهِّمُوكَ بإذن اللهِ تعالى، فأنتَ لا تعلمُ الفرقَ بين العام والخاص، والمُطلَق والمُقَيَّد، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.

      ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيدِيهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ ﴾: أي: وَعِلمُهُ تعالى مُحِيطٌ بجميع الكائنات - ماضِيها وحاضرها ومُستقبَلها - فهو سبحانه يَعلمُ ما بينَ أيدِي الخلائق من الأمور المُستقبَلة، ويعلمُ ما خلفهم مِن الأمور الماضية، ﴿ وَلا يُحِيطُونَ ﴾: أي: ولا يَطَّلعُ أحدٌ مِن الخَلق ﴿ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾: والكُرسي: هو مَوضِع قدَمَي الربِّ - جَلَّ جلالُه - كما ثبتَ ذلك عن ابن عباس رضي اللهُ عنهما، مِن غير أن نُشَبِّهَ قدمَي الرب بقدمَي المخلوق؛ لأنه سبحانه ليس كَمِثلِهِ شيء، فلا يعلمُشكلَ هذه القدم إلا اللهُ سبحانه وتعالى، ونحن نقولُ ذلكَ لأنَّ هناك مَن يُؤَولُونَ – يعني: يُبدلون معنى - صفاتِ اللهِ تعالى الثابتة في كِتابه، فيقولون - مَثلاً - بأنَّ معنى اليَد هو: النعمة، ونحنُ نعلمُ أنهم يفعلون ذلك مِن أجل تَنزيهِ اللهِ تعالى (خَوْفًا مِن تشبيههِ بخَلقِه، وحتى يَمنعوا العقلَ مِن التخيُّل)، ونحن نُحسِنُ الظنَّ بهم في ذلك، ولكننا نقولُ - وبمُنتهَى البَسَاطة -: (إذا سألكَ اللهُ تعالى يوم القيامة: (لماذا قلتَ أنَّ لي يَدًا؟)، فإذا قلتَ: (يا ربِّ، أنتَ الذي قلتَ - وقوْلُكَ الحق -: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [ص: 75]، فتنجو بذلك الجواب، وأما إذا سألك: (لماذا قلتَ بأنَّ اليَد هي النعمة؟)، فبماذا سَتَرُدُّ؟! فلا داعي - أخي الكريم - لإرهاق ذهنِكَ فيما لم تَرَهُ، وفيما لا يَنفعك، فالأمرُ بسيط جدًّا: أثبِت الصفة للهِ تعالى - كما أثبَتَها لِنفسِه - ثمَّ لا تتخيلْ ولا تُشَبِّهْ، ولا تَقلْ - مَثلاً -: كيفَ يتكلم؟ أو كيفَ يَسمع؟ ولكنْ قل: (اللهُ تعالى له يَد، ولكنْ ليست كَيَدِ المخلوق).

      ♦ ونضربُ على ذلك مثالاً - ولِلهِ تعالى المَثَلُ الأعلى -: لو أننا تصورنا أن هناك سَيَّارَة لها عقل، فإذا حاوَلَتْ هذه السيارة أن تتخيل شكل مَن صَنَعَهَا، فإنها ستقول: (إنَّ الذي صَنَعَنِي - بالتأكيد - سيارة ضخمة جدًّا، ولها (عَجَلات) كبيرة جدًّا)، فهي تظن أنه مِثل شكلها تمامًا ولكنْ بحَجْم أكبر، فهل الذي صنعها كذلك؟ أم أنه مُختلف تمامًا عما تَخَيَّلتْهُ؟ وهكذا تَخَيُّل الإنسان لخالقه سبحانه وتعالى (الذي ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾)، فلا يُشْبِهُ تعالى أحدًا مِن خَلقِهِ، وَكُلُّ ما سَيَدُورُ ببالِكَ فاللهُ سبحانه بخِلافِ ذلك.

      ♦ وَمِنْ لَطِيفِ ما يُذكَرُ هنا أنه قد دخل رجلان على أحد علماء المسلمين، فقالا له: (أنتَ الذي قلتَ: إنَّ اللهَ يَغضب؟) فقال لهما: (أنا لم أقل ذلك، ولكنَّ اللهَ تعالى هو الذي قال ذلك)، فقالا له: (هل تعلم أنَّ الغضب هو غَلَيَانُ الدم في القلب؟) فقال لهما: (هل لِلهِ إرادة؟) قالا: (نعم)، قال: (فإنَّ الإرادة هي مَيْل القلب إلى فِعل الشَيْء)، فأرادَ بذلك أن يُوَضحَ لهما أنَّ غضبَ اللهِ تعالى ليس كَغَضَبِ المخلوق، وأنَّ إرادَتَهُ لَيْسَتْ كَإرادةِ المخلوق، - المُهِمُّ أن تُثبِتَ الصفة كما جاءت، ولا تقل: كيف؟ - فما كانَ مِن الرجُلَيْن إلا أن انصرفا.

      ﴿ وَلا يَئُودُهُ ﴾: أي: ولا يُثقِلُهُ تعالى ﴿ حِفْظُهُمَا ﴾: أي: حِفظ السموات والأرض مِن الزوَال، فهو وَحْدَهُ الذي يَحفظهما في تَوَازُن عَجِيب ومُذهِل، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ [فاطر: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [الحج: 65]، فهما قائمتان بقدرتِهِ جَلَّ وَعَلاَ، وكذلك لا يُثقِلُهُ تعالى حِفظُ ما فيهما من الكائنات، ولا يَشُقُّ عليه ذلك، بل إنَّ ذلك أهْوَنُ عليه سبحانه مِن حِفظ السموات والأرض، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ ﴾ بذاتِهِ وصفاتِهِعلى جميع مخلوقاتِهِ، وهو ﴿ الْعَظِيمُ ﴾ الذي يتضاءل عندَ عَظَمَتِهِ جَبَرُوت المُلوك والجَبَابِرَة، واعلم أنَّ هذه الآية هي أعظمُ آيةٍفي القرآن، وتُسَمَّى: (آية الكُرْسِيِّ)، ومَن قرأها عندَ النوم لم يَقربْهُ شيطان، ولا يَزالُ عليهِ مِن اللهِ حافظٌ حتى يُصبِح، كما ثبتَ ذلك فيصحيح البُخاري، مِن حديثأبي هُرَيْرَةرضي الله عنه.

      الآية 256: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾: أي: لا يَحتاجُ الدين إلى أن يُكْرَهَ المرءُ على الدخول فيه، وإنما يَعتنقهُ بإرادتِهِ واختياره، وذلك لِكَمَال هذا الدين واتضَاح آياتِه، (وفي هذا رَدٌّ واضح على مَن قالَ بأنَّ الإسلامَ قد انتشرَ بِحَدِّ السيْف)، ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾: أي: فالدلائلُ واضحة يَتضِح بها الحق مِن الباطل، والهُدَى مِن الضلال، ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ ﴾وهو كل ما يُعبَدُ مِن دون الله ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾: أي: فقد ثَبتَ واستقامَ على الطريقةِالمُثلى، واستمسك بأقوى سبب من الدين، ﴿ لا انفِصَامَ لَهَا ﴾: أي: لا انقطاعَ لهذه الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

      الآية 257: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فهو سبحانه يتولاهُم بنصره وتوفيقِهِ وحِفظِه، و﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور ﴾: أي: مِن ظلمات الكُفر إلى نورالإيمانِ، ومِن ظلمات الجهل إلى نورالعِلم، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾مِن شياطين الجن والإنس، فلما تَوَلَى الكفار هؤلاء الشياطين: سَلطَهم اللهُ عليهم عقوبة لهم، فزَيَّنُوا لهم عبادة الأوثان، وحَسَّنُوا لهم الباطلَ والشرُور، وزَيَّنُوا لهم الكُفرَ والفسُوقَ والعِصْيَان، فكانوا بذلكَ ﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾: أي: مِن نور الإيمان إلى ظلمات الكُفر، ومِن نورالعِلم إلى ظلمات الجهل، ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.

      • واعلم أنه لا يَجُوزُ للمُسلِم أن يُكَفّرَ أخاه المُسلم، طالما أنه ناطِقٌ بالشهادتين - حتى وإن فعلَ فِعلاً كُفريًّا يُخرجُهُ مِن المِلَّة - فقد يكون هذا الرجل مَعذورًا بجهلِه، ويحتاجُ إلى عالمٍ - يثقُ هُوَ في عِلمِه - لِيُعَلمَهُ، ويُزيلَ عنه الشبُهَات، ويُقِيمَ عليه الحُجَّة، واعلم أنَّ الأدِلَّة - على أنَّ العُذر بالجهل قاعدة شرعية أصُولِيَّة، وأنه مِن صُلب هذا الدِين - كثيرة جدًّا، ولا يَتسِعُ هذا المُختَصَر لِذِكْرها، ولكننا نَذكرُ فقط قولَ الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ [النساء: 115]، فقولُه تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾ دليلٌ على أنَّ اللهَ تعالى قد جعلَ مَعرفة العبدِ بالهُدى، وإيضاحِهِ له، وإقامة الحُجَّة عليه: شرطًا قبل أن يَذكرَ العقوبة، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال - كما في صحيح مُسلِم -: ((أيما امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ - أي: رجع - بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ))، فالأمرُ خطير جدًّا، فإنَّ الكُفرَ يُسَببُ الخلودَ الأبديَّ في النار، فإذا كانَ هذا الرجلُ مَعذورًا بجهلِه: فإنَّ الكلمة سَتُرَد على قائلِها فيَضِيع؛ ولأنَّ هذا سوف يُؤدي بعدَ ذلك إلى استباحتِهِ لِدَمِهِ ومالِهِ، وغير ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مُسلم - : ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)).

      الآية 258: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّه ﴾: أي: جادَلَهُ في توحيد اللهِ تعالى، وما حَمَلهُ على ذلك إلا ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾، فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟ ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾: أي: ربي الذي يُحيي الخلائق فتَحيَا، ويَسلبُ منها الحياةفتموت، فهو سبحانه المُتفرد بالإحياء والإماتة، ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾: أي: أقتل مَنأردتُ قَتْلَه، وأستَبْقِي مَن أردتُ استبقاءَه، ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾: أي: فتحيَّرَ وانقطعتْ حُجَّته، وأيَّد اللهُ وَلِيَّهُ إبراهيمَ فانتصرَ على عَدُوِّهِ بالحُجَّة القاطعة، فهذا مثالٌ لِمَا ذكره اللهُ تعالى في الآيةِ السابقة مِن إخراجِهِ لأوليائِهِ من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ إلى الحق والصواب).

      الآية 259: ﴿ أَوْ كَالَّذِي ﴾: أو هل عَلِمتَ مَثَلَ الذي ﴿ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ ﴾: أي: فارغة مِن سُكانها، وقد تَهدَّمَتْ مَبانِيها وسقطتْ حِيطانُها وجُدرانها ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾: أي: على سُقوفِ بيوتِها، فـ ﴿ قَالَ أَنَّى ﴾: يعني: كيفَ ﴿ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ميتًا؟ ﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾، ولكي تقتنع بما أخبرتُكَ به ﴿ فانظر إلى طعامك وشرابك لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾: أي: لم يتغيَّر طَعْمُهُ رغمَ مرور هذه السنين الطويلة، وذلك بحِفظِ الله له، ﴿ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾ كيفَ أحياهُ اللهُ بعدَ أن كانَ عظامًا متفرقة، وقال له الربُّ تبارك وتعالى بعدَ أن أراهُ مَظاهرَ قدرتِه: فعلنا بك هذا لِنُريَكَ قدرتنا على إحياء القريةِ مَتَى أردنا إحياءَهَا، ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ﴾ في قصتِكَ هذه ﴿ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾: أي: دَلالة ظاهرة على قدرة الله على البَعث بعدَ الموت، ﴿ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ ﴾: أي: إلى عِظام حِمارك ﴿ كَيْفَ نُنشِزُهَا ﴾: أي: نرفعُ بعضها على بعض، ونَصِلُ بعضَها ببعض، ﴿ ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾، ثم نُعِيدُ فيها الحياة، (وهنا قد يَقولُ قائل: إنَّ اللهَ تعالى لما قال له: ﴿ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ ﴾: كانَ مِن المُتَوَقَّعِ أن يَذكرَ بعدهُ مُباشرة ما يَدُلُّ على ذلك الزمن الطويل الذي مَكَثَه، فيَبدأ - مَثلاً - بأنْ يُريَهُ العِظام التي تَحَلَّلتْ، وأما أن يُريَهُ - أولاً - الطعامَ (الذي لم يَفسد): فإنه قد يُتَوَهَّم أنَّ هذا يَدُلُّ على ما قاله العبد مِن أنه لبثَ يومًا أو بعضَ يوم، والجواب:أنه كلما كانت الشبْهة أقوى، كانَ سَمَاعُ الدليل المُزِيل لتلك الشبهة آكَد وأكْمَل، ووقوعُهُ في القلب بعد ذلك أرْسَخ، فكأنَّ اللهَ سبحانهُ لمَّا أراهُ الطعامَ والشرابَ لم يتغير ظنَّ العبدُ أنَّ هذا مِمَّا يُؤكدُ أنه لبث يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فحينئذٍ عَظُمَ اشتياقهُ إلى الدليل الذي سيكشف عن هذه الشبهة، ثم لمَّا أراهُ اللهُ سبحانه أنَّ الحمارَ قد صارَ عِظامًا بالية عَظُمَ تَعَجُّبهُ مِن قدرة اللهِ تعالى؛ لأنه قد رأى الطعامَ الذي لا يستطيعُ البقاء: باقيًا، وكذلك رأى العظامَ التي تستطيعُ البقاء زمانًاطويلاً قبل أن تتحلل: غير باقية، فحينئذٍ تَمَكَّنَ وقوع هذه الحُجَّة في عقلِهِ وفيقلبه)، ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾: أي: فلما اتضح له ذلك، ورآه بعينه، وظهرت له أنوارُ ولايةِ اللهِ في قلبه: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ ﴾: أي: أعترفُ ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، فهذا مثالٌ آخَر لِمَا ذكرَهُ اللهُ تعالى مِن إخراجه لأوليائه مِن ظلمات الكُفر إلى نور الإيمان.

      الآية 260:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾: أي: واذكر حين سألَ إبراهيمُ رَبَّهُ أن يُريَهُ طريقة الإحياءِ كيف تتم، فـ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى له: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ بعد؟﴿ قَالَ بَلَى ﴾ أنا مؤمن، ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾: أي: لأزدادَ يقينًا على يقيني، ولِكَي يَسْكُنَ قلبي ويهدأ من التطلع والتشوق إلى معرفة الكَيْفِيَّة، ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾: أي: فاضْمُمْهُنَّ إليك واذبحْهُنَّ وقطعْهُنَّ، ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾: أي: ثم نَادِ عليهِنَّ يأتينَكَ مُسرعَات، ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ رغمَ أنه كان مِن المُتَوَقع - بعدَ أنْ أراهُ اللهُ تعالى هذه القدرة - أن يقول له: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كل شيءٍ قدير)، ولكنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُوَضحَ لإبراهيم عليه السلام أنه - سبحانه - لا يَهدي إلا مَن طلبَ منه الهداية بقلبٍ صادق، كما قال تعالى عن فِتيَة الكهف: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [الكهف: 13]، فاللهُ تعالىأخبرَ أنهم لَمَّا آمنوا زادَهُم هُدًى على هُدَاهُم، وأنَّ إيمَانَهُ مكانَ سببَ هِدايتِهِم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ [يونس: 9]؛ ولذلك سألَ اللهُ تعالى إبراهيمَ - ابتداءً -: (أوَلم تؤمن)، فلما قال له إبراهيم: (بلى) مؤمن: أجابَهُ اللهُ لِمَا طلب؛ لأنه كان يَعلمُ أنَّ إبراهيمَ كانَ مُتَيَقنًا بإخبار اللهِ تعالى له، ولكنه أحَبَّ أن يُشَاهِدَ ذلك عيَانًا لِيَحْصُلَ له مَرْتَبَة: (عَيْن اليَقين)، وأما المُرتاب؛ فإنه لا يَهدِيهِ اللهُ أبدًا، بل يُضِلهُ، ويَزيدُهُضلالاً على ضلالِه، قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴾ [غافر: 34]؛ فلذلك يَنبغي للعبد أنْ يُصَححَ نِيَّتَهُ فيَقول: (أنا أريدُ أن أفهم، أنا قد التَبَسَعَليَّ الأمر)، فإذا صَدَقَ في ذلك، فوَاللهِ - الذي لا إلهَ غيرُه - لَيُفَهِمَنَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيُعَلمَنَّه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ))؛(والحديثُ في صحيح الجامع برقم: 1415)، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ في الحديث القدسِي: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ خَيْرًا فخَيْر، وَإِنْ شَرًّا فَشَر)؛ (والحديثُ في صحيح الجامع برقم: 1905).

       
      الربع الثامن عشر من سورة البقرة


      الآية 261: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: في الجهاد، وجميع أنواع الخير: ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ بذرت في أرض طيبة، فـ ﴿ أَنْبَتَتْ ﴾ هذه الحبة: ﴿ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ ﴾منها ﴿ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾، فبهذا تكون الحبة الواحدة قد أثمرت سبعمائة حبة، وهكذا الدرهم الواحد ينفقُه المؤمنُ في سبيل الله: يضاعف له إلى سبعمائة ضعف، وقد يضاعفُه اللهُ إلى أكثر من هذا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾، وذلك بحسب ما يكون في قلب المنفق من الإيمان والإخلاصالتام، وبحسب نَفْعِ نفقته، ووقوعها موقعَها، ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ في فضله وعطائه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن يستحق هذه المضاعفة؛ لأنه سبحانه - وحده - المطَّلع على نيَّات عباده، يعلم المخلص من غيره؛ إذ إنه سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، قال تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري -: ((إنماالأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))؛ بمعنى: أن الأعمال تُقبَل بحسب النيات، فما كانلله تعالى: فإنه يقبله، وما كان لغيره: فإنه يردُّه على صاحبه.

      • هذا، وقد عرَّف العلماء الإخلاص بتعريفات كثيرة، ولكن من أنفع هذه التعريفات للعبد أن الإخلاص هو: (تَغميضُ القلب، عن كل ما سِوَى الرَبّ)؛ بمعنى أن يتناسى العبد نظر الخلق إليه، ويَهُونَ ثناؤهم عنده، فيعلم أنهم لو مدحوه: ما رفعوه، ولو ذمُّوه: ما خفضوه، إنما الذي يرفع ويخفض هو الله عز وجل، فيعظم بذلك ثناءُ الله عندَه، وينشغل بنظره سبحانه إليه، وبسماعه له، فبهذا لا يرجو إلا رحمته، ولا يخشى إلا عذابه؛ ولذلك ينبغي - قبل أن يعمل العبد العمل - أن يسأل نفسه سؤالاً واحدًا: (ماذا أريد من وراء هذا العمل؟)، والجواب في كلمات ثلاث: (أريد حسنات فقط)، (فلا أريد من البشر شيئًا؛ إنما أعمل - فقط - من أجل الجنة ونعيمها).
      
      • واعلم: أن هناكأمورًا دقيقة جدًّا في مسألة الإخلاص والرياء، تجعل العبد لايحكم على نفسه بالإخلاص أبدًا، ولا يُحسِنُ الظن بنفسه ولا بعمله، بل يعمل وهو خائف من ألا يكون مخلصًا، فيأتي يوم القيامة فيجدُ عملَه هباء منثورًا، فعلى سبيل المثال: (رجل علم أن أخاه مريض، فذهب لزيارته، ولكن لماذا زاره؟ لأن صديقه سوف يعاتبه إن لم يزره، فزاره من أجل رفع العتاب عن نفسه، ولم يزره لله)، فهل هذا يتساوى مع منزاره؛ لأنه يحبُّه في الله، ولكي يدعو له، ويرقيه بالرقية الشرعية، ويواسيه بالكلام الطيب ليخفف عنه؟

      وهناك مثال آخر: (شخص أُهدِيَ إليه صندوق كبير من الفاكهة، فقال: (إن الصندوق كبير جدًّا، ماذا سأفعل بهذاكله؟ سآخذ من الصندوق ما يكفيني، وأتصدَّق بالباقي)، وبالفعل تصدَّق بجزء من الصندوق، ثملما جلس يأكل: وجد أن الفاكهة حلوة جدًّا، فقال في نفسه: (لو كنت أعرف أنها حلوة هكذا، ما كنتتصدَّقْتُ بهذا كله!)، فهل هذا يتساوى مع من فرح أنهتصدَّق بهذه الفاكهة الحلوة؛ لعلَّهاتنال عند الله القبول، ولأن منأخذها سوف يفرح بها كما فرح هو بها؟ فكلهذه أعمال قلب يغفل الكثير عنها، ولعل هذا هو المقصود من قول بعض السلف: "رُبَّ عمل صغير تُعظِّمُه النية، ورب عمل كبير تصغِّره النية).

      • ولكن قد يقول قائل: (إنني أجتهد في أن أخلص العمل لله، ولكن يأتي الشيطان فيقول لي: (أنت لست مخلصًا، أنت تكذب على نفسك، وتفعل ذلك من أجل الناس) فيحبطني بذلك عن إكمال العمل، فماذا أفعل؟)، والجواب: أن تستعيذ بالله منه، وكذلك تقول له - على سبيل دفع مجادلته ووسوسته -: (نعم أنا مُرَاءٍ، أسأل الله أن يتوب عليَّ، ليس لك شأن) ثم تخلص العمل لله جل وعلا، بأنك لا تريد من ورائه إلا الحسنات.

      • وقد يقول قائل - أيضًا -: (حينما يسألُني سائل، فإنني - عندما أُخرج الصدقة لأعطيها له - أجد من يوسوس لي بأنني فعلت ذلك من أجل أنني استحييت من السائل، وليس لله، أو أن ذلك السائل قد لا يستحق الصدقة؟)، والجواب: أن تجدِّد النية - وقتها - بأنك تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان لا يردُّ سائلاً، ثم تتحرى - قدر المستطاع - أن تعطي الصدقة لمن يستحقُّها، وسوف يقبلُها الله تعالى بفضله ومشيئته، وعليك أن تسأل الله دائمًا أن يرزقك الإخلاص.

      الآية 262:﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا ﴾: أي: تفضلاً على مَن أعطوه،﴿ وَلَا أَذًى ﴾ بقول أو فعل يشعره بالتفضُّل عليه، والمنُّ: هو ذكر الصدقة وتَعدادها على من تُصدِّق عليه، وذلك على سبيل التفضُّل عليه، وقد يطلب منه فعل خدمات مقابل هذا الإحسان، وكذلك قد يكون المنُّ بالقلب: (كأن يفعل له هذا الرجل - المتصدَّق عليه - موقفًا يغضبه، فيقول المتصدق في قلبه: هل نسي كل ما فعلته معه؟ إنه لا يستحق ذلك)، وأما الأذى: فهو التطاول على المتصدق عليه، وإذلاله بالكلمات التي تمسُّ كرامتَه، كأن يشتري له حذاء جديدًا، ثم يقول له أمام الناس: (لا تقلق، أتلِفِ الحذاءَ، وأنا أحضر لك غيره).

      واعلم: أن المنَّ من كبائر الذنوب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: ((ثلاثة لا ينظرُ الله إليهم يومَ القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم - وذكر منهم -: والمنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلا منه).

      فهؤلاء الذين اجتنبوا المن والأذى: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، وهذه هي السعادة الحقيقية؛ لأن حياتهم قد خلت من الخوف والحزن، وحلَّ محلَّها الأمنُ والسرور).

      الآية 263: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾: أي: كلام طيب تقوله للسائل، مثل: (الله يوسع عليك، الله يرزقُك من فضله)، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾: يعني وعفو عما صدر منه من إلحاح: ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا ﴾ من المتصدِّق ﴿ أَذًى ﴾ وإساءة، ﴿ وَاللَّهُ غَنِي ﴾ٌّ عن صدقات العباد، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجلهمبالعقوبة).

      الآية 264: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا ﴾: أي لا تُذهبوا ثوابَ ﴿ صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾، فهذا حاله في إبطال صدقاته ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾: أي يُخرِجُ مالَه ليراه الناس، فيثنوا عليه، أو ليدفعَ عن نفسه لومَهم ومذمَّتَهم إذا لم يتصدق، ﴿ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾؛ لأنه لا يريد بعمله وجه الله ولا الدار الآخرة، ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾: أي حجر أملس ﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾: أي مطرغزير، ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾: يعني فأزاح عنه التراب، فتركه أملس عاريًا ليس عليه شيء، فكذلك تذهب صدقات هؤلاء المرائين، و﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾: أي ولا يجدون عند الله شيئًا من الثواب على ما أنفقوه؛ وذلك لأنهم وضعوا النفقة في غير موضعها، وجعلوها لمخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، وانصرفوا عن عبادة من تنفعهم عبادتُه، فصرف الله قلوبهم عن الهداية؛ فلهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾: أيلا يُوفِّقهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، وفي هذا تحذير شديد للمؤمنين أن يسلكوا مسالك الكافرين في إنفاقهم وأعمالهم، فإنها باطلة مردودة عليهم)، واعلم أنه يستدل بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾: على أن الأعمال السيئة تُبْطِلُ الأعمال الحسنة، فكما أن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات، فالسيئات أيضًا يذهبن الحسنات؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يحافظ على حسناته - التي تَعِبَ في تحصيلها - من كل ما يفسدها ويضيعها.

      وقد ضرب الله مثلاً بهذه الصخرة الملساء التي عليها التراب؛ لأن الأرض الصخرية إذا رآها الفلاَّح ظن أنها أرض زكية قابلة للنبات، فيعجبُه نعومة تربتها وصفائها، فيبذر فيها رجاء الحصاد، ولكن إذا نزل عليها المطر الشديد وذهب بالبذر معه، فإنه يُصابُ بخيبة الأمل، فكذلك المنفِقُ مالَه رئاء الناس، والذي يعمل أعمالاً تفسد حسناته.

      الآية 265: (﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾: أي طلبًا لرضا الله تعالى، ﴿ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾: أي وتيقُّنًا بصدق وعده سبحانه على إثابة المنفقين، ومضاعفة حسناتهم، ومغفرة ذنوبهم، (وليس على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها)، فمثل نفقة هؤلاء ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾: أي: بستان كثير الأشجار ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾: أي موجودبأرض عالية طيبة، ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾: أي أصابت هذه الجنةَ أمطارٌ غزيرة، ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾: أي: فتضاعفَتْ ثمراتها، ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾: يعني: وإن لمتسقط علوكذلكيها الأمطار الغزيرة، فيكفيها رذاذ المطر لتعطي الثمرة المضاعفة، نفقات المخلصين تُقبَل عند الله وتُضاعَف - قلَّتْ أم كثرت - ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ومطَّلعٌعلى سرائركم، فيثيب كلاًّ بحسب إخلاصه).

      الآية 266: (﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ أيها المنفقون أموالهم رئاء الناس، وكذلك كلُّ مَن عمل عملاً لوجه الله، ثم عمِلَ أعمالاً تُفسِدُه، فهل يحب أحدهم ﴿ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾: أي: بستان عظيم ﴿ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ فتسقيها من غير تكلفة و ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ ﴾ أنواع ﴿ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾: أي: وقد تقدمت به السن، وأصبح شيخًا كبيرًا، فضعُف عن العمل وزاد حرصُه، ومع هذا العجز: ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾: أي: وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان، وهم ضعفاء لا يقدرون على الكسب وجلب عيشهم بأنفسهم، ولا يعاونون أباهم الكبير، بل هم عبء وهمٌّ ثقيل عليه، فبينما هو كذلك: ﴿ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾: أي: فهبَّتْ على هذه الجنة - التي هي مصدر عيشهم - ريحٌ شديدة، فيها نار محرقة فأحرقتها، فكيف يكون حال ذلك الرجل الكبير وأولاده من الهم والغم والحزن؟ وهكذا الذي ينفق أموالَه رئاءَ الناس، والذي يعمل العمل لوجه الله ثم يفسده، فإن أعمالهم بمنزلة بذر الزروع والثمار، ولا يزالون كذلك حتى يحصل لهم من أعمالهم جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، ثم يأتي ذلك الرياء، وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال، فتكون بمنزلة الإعصار (وهي الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو) فتحرق تلك الأعمال.

      فبذلك يخسرون حسناتهم يوم القيامة، في وقت هم أحوجُ إليها من حاجة هذا الرجل العجوز وأطفاله الصغار لهذه الجنة، فإن العبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات وكان بحالة لا يَقدِرُ معها على العمل، فيجد عمله الذي يضع أمله عليه قد صار هباء منثورًا، فلو تصور الإنسان هذه الحالة، وكان له ذرة عقل، لم يُقدِمْ على ما فيه مضرته وحسرته، ولكن ضعف الإيمان والعقل يُصيِّر صاحبه إلى هذه الحالة؛ فلهذا حثَّ تعالى على التفكر، فقال:﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾: أي: بمثل هذه الأمثلةيبين الله لكم ما ينفعكم كي تتأملوا، فتُخلِصوا في نفقاتكم، وتحافظوا على حسناتكم).

      الآية 267، 268: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾: أي: من الحلال الطيب الذي كسبتموه،ومن جيِّد أموالكم وأصلحها، ﴿ وَمِمَّا ﴾: أي: وأنفقوا - أيضًا - مما ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ من الحبوب وأنواع الثمار مما تحبونه وترضونه لأنفسكم، ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾: أي: ولا تقصدوا الرديء الذي لا ترضَوْنه لأنفسكم فتنفقونه،﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾: أي: وأنتم لا تأخذون هذا الرديء من الناس إلا أن تغضوا أبصاركم عن النظر في رداءته، وتتسامحوا في أخذه،﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ عنكم وعن صدقاتكم، وإنما نفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، واعلموا أنه سبحانه ﴿ حَمِيدٌ ﴾: أي: مُستحقٌّ للثناء في كل حال؛ لما أفاض - ويفيض- من النعم على خلقه، واعلموا – أيضًا -: أن هذا البخل واختيار الرديء للصدقة إنما مصدره ﴿ الشَّيْطَانُ ﴾ الذي ﴿ يَعِدُكُمُ ﴾: أي: يخوِّفُكم ﴿ الْفَقْرَ ﴾ ليمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، ﴿ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾: أي: ويأمركم بارتكاب الفواحش، ومنها: البخل، والشحُّ، ويدعوكم إلى مخالفة أوامر الله تعالى في النفقات وغيرها، ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ ﴾ علىإنفاقكم ﴿ مَغْفِرَةً مِنْهُ ﴾ لذنوبكم، وتطهيرًا لعيوبكم، ﴿ وَفَضْلًا ﴾: يعني: ورزقًا واسعًا، ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ في فضله، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بالأعمالوالنيات، وعليم بمن يستحق فضله وعطاءه).

      الآية 270: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ﴾: يعني: أوألزمتم أنفسكم بشيء من مال أو غيره ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُه ﴾؛ لأنه المطلع علىنياتكم، وسوف يثيبكم على ذلك، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾: أي: واعلموا أن من منع حقَّ الله فهو ظالم، والظالمون ليس لهمأنصار يمنعونهم من عذاب الله).

      • واعلم: أن النذر ثلاثة أنواع: النذر المشروط بشرط معين، كأن يقول العبد مثلاً: (إنْ شفى الله فلانًا: فلله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيام)، وهذا النوع مكروه؛ لأنه لا يصدر إلا من البخيل الذي يشترط على ربه، والنوع الثاني: هو النذر المطلق (أي: بدون شرط أو مقابل)؛ كأن يقول العبد مثلاً: (لله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيام، أو لله علي ألا أفعل المعصية الفلانية أبدًا، أو لمدة أسبوع مثلاً)، وذلك على سبيل إلزام النفس، وتربيتها، وترويضها على فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وهذا النوع هو قربة من أفضل القربات، وأما النوع الثالث: فهو النذر لغير الله تعالى، كالنذر للأولياء والصالحين وغير ذلك، وهذا شرك، (واعلم أنه إذا نذرَ الإنسانُ نذرًا جائزًا: (سواء كانَ نذرًا مُطلقًا، أو كانَ نذرًا مَشروطًا): فعليه أن يُوفِي بنذره، فإذا نقضَ نذرَهُ، فليَعلم أنَّ كفارة النذر هي نفسها كفارة اليمين، وأما نذر الشِّرك، فلا يجوز للإنسان أن يفعله ولا أن يُوفِي به).

      الآية 271: ﴿ إِنْ تُبْدُوا ﴾: أي: تُظهِروا ﴿ الصَّدَقَاتِ ﴾ أمام الناس، وكنتم تقصدون بها وجه الله تعالى، وحث الناس على الصدقة: ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾: أي: فنعم تلك الصدقة التي أظهرتموها ليقتدي الناس بكم، فيتصدقوا مثلكم، فيكون ذلك في مصلحة الفقير، ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾: أي: أفضل لكم من الإنفاق أمام الناس؛ لأن ذلك سيكون أبعد لكم عن الرياء، ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾: أي: وبسبب الصدقة - مع الإخلاص- يمحو اللهمن ذنوبكم، ولم يقل تعالى: (ويكفر عنكم سيئاتكم)؛ لأن حقوق العباد لا تكفرها الصدقة،إلا إذا وهب المتصدق ثواب الصدقة لهم (بنية أن يرد بذلك حقوقهم)، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ يعلم دقائق الأمور).
        تفسير الربع الأخير من سورة البقرة بأسلوب بسيط   • الآية 272: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾: أي:لستَ مَسؤولاً عن توفيق الكافرين للإيمان وصالح الأعمال؛ وإنما عليك فقط بيان الطريق المستقيم، وهذا هو الجمع بين قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت ﴾ [القصص: 56]؛ (أي: هِداية التوفيق)، وبين قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]؛ (أي: هِداية الإرشاد والبيان)، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾: أي: يَشرحُ صدرَمَن يَشاءُ لِدينِهِ ويُوفقه له، واعلم أن سبب نزول هذه الآية: أنه لما رَغَّبَ اللهُ تعالى المؤمنين في صدقة التطوع (وهي الصدقة المُستَحَبَّة، غير الزكاة المفروضة)، جاء غير المؤمنين - من اليهود وغيرهم - فسألوا مِن هذه الصدقة، فتحرَّج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من التصدق عليهم، فأذهب الله تعالى عنهم هذا الحرج، وأذِنَ لهم بالتصدق على غير المؤمنينَ ولو لم يهتدوا، فقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾، ثم قال: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾: يعني: وما تُنفِقُوامِن مالٍ، تُثَابُوا عليه في الدنيا والآخرة، سواء كان على مؤمن أو على كافر، ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾:أي: والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمَرضاة الله تعالى، وَجَنَّتِه، والنظر إلى وجهه الكريم، ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾: أي:مِن مالٍ - مخلصين لله - ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾:أي:يُرَدّ ثوابه كاملاً إليكم، ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾: أي: وأنتم لا تُنْقَصُون شيئًا من ذلك، حتى وإن كانَ قليلاً تحتقرونَ أن تتصدقوا به، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصَّحِيحَيْن -: ((اتقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرة))؛ يعني: ولو أن تتصدقوا بنصف تمرةٍ، أو ما يُعادلها في القِيمة.

      • الآية 273: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ: ﴾:أي:اجعلوا صدقاتكم لأَوْلى الناس استحقاقاً لها، وهم فقراء المسلمين ﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: أي:الذين قصَرُوا أنفسهم على طاعة الله مِن جهادٍ وغيره، فهم مُستعدون لذلك مَحبوسون له، وكذلك مَن حُبسوا ومُنعوا من التصرف في أموالهم؛ لأنهم هاجروا من بلادهم؛ لذلك فهم ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لا يستطيعون السفر للتجارة أو للعمل طلبًا للرزق؛ وذلك لحصار العدو لهم، وَهُم ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ ﴾:أي:والذي لا يَعرفهم: يَحسبهم ﴿ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾: أي: بسبب تعففهم عن السؤال،﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾:أي: تعرفهم بعلاماتالاحتياج فيهم، مِثل ثيابهم البالية، وكذلك من اصفرار وجوههم، ومع ذلك فهم ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾: أي: لا يسألونالناس بالكُليَّة، وإن سألوا اضطرارًا: لم يُلِحُّوا في السؤال، ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾، وسيَجزِي عليه أوفر الجزاءيوم القيامة، فقد أخبر تعالى أنه يُضاعف ثواب الصدقة إلى سبعمائة ضعف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الصدقة لَتُطْفِئُ عن أهلها حَرَّ القبور، وإنما يَسْتَظل المؤمن يوم القيامة في ظِلِّ صَدَقَتِه))؛ (انظر السلسلة الصحيحة ج: 7)، وقال - أيضًا -: ((والصدقة تُطفِئُ الخَطيئة كما يُطفِئُ الماءُ النار))؛ (والحديث في صحيح الجامع برقم: 5136).

      • الآية 275: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ﴾:أي:الذين يتعاملون بالربا، وهو الزيادة على أصل الدَّيْن (يعني: يأخذون من الناس مالاً زائدًاعن قيمة الدَّيْن الذي أعطوه لهم)، والقاعدة الشرعية تقول: "كل قرضٍ جَرَّ نفعًا، فهو ربا"؛ يعني: أي قرض كان مِن ورائِهِ زيادةُ المال المُقترَض، أو تسبب في حصول مَنفعة عادت على صاحب الدَّيْن، فهذا القرض يكونُ ربًا، وذلك كأن يَقترض شخصٌ ألفَ دِرهم مِن شخص آخر، فيقول له المُقرِض (وهو الدائن، صاحب المال): "تردهم إليَّ ألفًا ومائتي درهم، أو تردهم ألفًا فقط بشرط أن تفعل لي الخِدمة الفلانية)، أو غير ذلك، فهؤلاء ﴿ لَا يَقُومُونَ ﴾في الآخرة مِنقبورهم ﴿ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ﴾: أي: يَضربه ويَصرعه ﴿ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾: أي:من الجنون، فيقومون من قبورهم حَيارَى سُكارَى مُضطربين،مُتوقعين لِسوء المَآل، وعظيم العذاب، و﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾: أي: بسبب أنهم ﴿ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾؛ لأنَّ كِليهما - بزعمهم - يؤدي إلى زيادة المال، وهذا القول لا يَصدر إلا من جاهل عظيم الجهل، أو من مُتجاهل عظيم العِناد، فكما تقلبت عقولهم وقالوا ذلك، جازاهم الله مِن جِنس أحوالهم، فصاروا يَخرجون من قبورهم كالمجانين، ثم رَدَّ الله عليهم بقوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾؛ وذلك لِما في البيع والشراء مِن نفعٍللأفراد والجماعات، ولِما في الربا من استغلال وضياع وهلاك، ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ بالنَّهْي عن الربا﴿ فَانْتَهَى ﴾ عنه﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾: أي:فله ما مضى من المال قبل أن يَبلغه التحريم، ولا إثم عليه فيه، وليس عليه أن يَرُدَّ الأموال التي سبقت توبتَه، ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ فيما يُستقبَل من زمانه، فإن استمرَّ على توبته، فإن الله لا يضيع أجرالمحسنين، ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى الربا، ففعَلَهُ بعد بلوغه نَهْي الله عنه، فقد قامت عليه الحُجَّة، ووجبت عليهالعقوبة؛ ولهذا قال سبحانه:﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، وقد عُلِمَ - بالكتاب والسُّنَّة وإجماع سَلف الأمَّة - أن التوحيد يَمنع صاحبه من الخلود في النار، فبالتالي يكون المعنى: (فلولا ما مع الإنسان من التوحيد، لَصارَ أكله واستحلاله للربا صالحًا لخلوده في النار)؛ ولهذا يجب أن يَحذر - أشد الحذر - مَن يتعامل بالربا، أو يُعِين غيره على فِعل الربا؛ لأن الأمر خطير وليس بالهَيِّن.

      • الآية 276: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾: أي:يُذهِبُ الله الربا كله، أو يَحرِم صاحبَه بركة مالِه، فلا يَنتفع به، ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾: يعني: يُنَمِّيها ويُكَثرها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصَّحِيحَيْن -: ((مَن تصدق بعدل تمرة (يعني بمقدار أو بقيمة تمرة) مِن كَسْبٍ طيب، ولا يَصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يَتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل)) (والفَلُوُّ: هو ولد الفَرَس)، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ﴾ مُصِرٍّ على كُفره، مُسْتَحِلٍّ أكل الربا، كَفَّار لِنعم الله عليه، لا يُؤدي ما أوْجَبَ عليه من الصدقات،﴿ أَثِيمٍ ﴾: أي: مُتمادٍ في الإثم وأكل الحرام.

      • الآية 278: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾: يعني: واتركوا طلبَ ما بَقِيَ لكم منزيادة على أصول أموالكم - التي كانت لكم عند الناس - قبل تحريم الربا، ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: يعني: إن كنتم مُحققينإيمانكم قولاً وعملاً.

      • الآية 279: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾: يعني: فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه، وظللتم تطلبون هذه الزيادة على أصل الدَّيْن: ﴿ فَأْذَنُوا ﴾: أي: فتَيَقنوا ﴿ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ ﴾: يعني: وإن رجعتمإلى ربكم وتركتم أخْذ الربا: ﴿ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾: يعني: فلكم أَخْذُ ما لكم مِن ديون دونَ زيادة، وبهذا ﴿ لَا تَظْلِمُونَ ﴾ أحدًا بأخْذ ما زاد على رؤوس أموالكم، ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾: أي: ولا يَظلمكم أحد بإنقاصكم شيئًا مماأقرضتموه.

      • الآية 280: ﴿ وَإِنْ كَانَ ﴾ المَدِين (الذي عليه الدَّيْن) ﴿ ذُو عُسْرَةٍ ﴾: أي: غير قادر على السداد: ﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾: أي: فأمْهِلوه إلى أن يُيسِّر الله له رزقًافيَدفع لكم مالكم، ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ﴾: يعني: وأن تتركوا للمَدِين رأس المال كله أو بعضه وتضعوه عنه: فهو ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، فقد قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ)؛ (والحديث في صحيح الجامع برقم: 6106)، وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصَّحِيحَيْن -: ((كانَ تاجرٌ يُدَاين النَّاس، فإذا رأى مُعْسِرًا، قال لصِبيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنَّا، فتجاوَزَ الله عنه))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: ((مَن سرَّه أن يُنجيه الله مِن كرب يوم القيامة، فليُنفِّس عن مُعسِر (يعني: فليؤخِّر مطالبته عن المَدِين إلى مُدَّةٍ يَجد فيها مالاً)، أو يَضع عنه))؛ يعني: أو يترك له رأس المال كله أو بعضه، ولا يُطالبه به.

      • الآية 282: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ ﴾: أي: تعاملتم﴿ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾: أي: إلى وقتٍ معلوم، وهو وقت السداد، ﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾: أي: فاكتبوا هذا الدَّيْن؛ وذلك حِفظًا للمال ودفعًا للنزاع، ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾: يعني: ولْيَقُم بالكتابةرجل أمين، يَعدل بينهما، فلا يميل لأحدهما - لِقرابةٍ أو صداقةٍ أو غير ذلك - ويجب أن يكون عارفًا بكتابة الوثائق وما يحصل به التوثق، وأن يستطيع أن يُلزِم كل واحد منهما - في هذه الوثائق - بالحق الذي له أو عليه؛ لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك، ﴿ وَلَا يَأْبَ ﴾: أي: ولا يَمتنع ﴿ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾، فكما أحسَنَ اللهُ إليه بتعليمه، فليُحسِنْ إلى عباد الله المحتاجين إلى كتابته، ولا يمتنع عن الكتابة لهم، ﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾: أي: ولْيَقم المَدِينبإملاء الكاتب ما عليه مِن الدَّيْن؛ لأن ذلك الإملاء يُعتبر اعترافًا منه بالدَّيْن الذي عليه، ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾: أي:ولا يَنْقُص شيئًا مِن الدَّيْن الذي عليه، ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾: أي: المدين ﴿ سَفِيهًا ﴾: أي: لا يُحسن التصرف في المال كالمُبَذر، ﴿ أَوْ ضَعِيفًا ﴾: يعني: أو كانصغيرًا أو مجنونًا، ﴿ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾: يعني: أو كان لايستطيع النُّطق وإملاء ما عليه بنفسه، بسبب خَرَس به أو عدم قدرة كاملة على الكلام: ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾: أي: فليَقم وَلِيُّ المَدين (وهو الذي يتولى شؤونه) بالإملاء نِيابةً عنه، بلا زيادة ولا نقصان، ولا غش ولا احتيال.
      
      ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾: أي: واطلبوا شهادة رجلين مُسلِمَيْن بالِغَيْنِ عاقلَيْن مَشهود لهما بالعدل، (واعلم أن العدالة يُشترَط فيها العُرف في كل مكان وزمان، فكل مَن كان مَرْضِيًّا مُعتبَرًا عند الناس: قُبِلَتْ شهادته)، ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ ﴾: يعني: حتى إذا نَسِيَتْ﴿ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾:يعني: فتذكرها الأخرى، ﴿ وَلَا يَأْبَ ﴾: أي:ولا يَمتنع﴿ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ ليشهدوا، وكذلك عليهم أداء الشهادة إذا طُلِبَ منهم ذلك في أي وقتٍ،واعلم أنَّ قوله تعالى: (إذا ما دُعوا) فيه دليل على أنه لا يَجب على الشاهد أن يشهد إلا إذا دُعِيَ إلى الشهادة، ولكنْ وَرَدَ في السُّنَّة: (الترغيب في أداء الشهادة ولو لم يُدْعَ إليها المسلم)، لا سِيَّما إذا توقف على شهادته إثباتُ حق من الحقوق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)).

      ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا ﴾: أي: ولا تمَلوا ﴿ أَنْ تَكْتُبُوهُ) ﴾- أي: الدَّيْن - سواء كانَ ﴿ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ﴾: أي: إلى موعد السداد، ﴿ ذَلِكُمْ ﴾: أي: الكتابة مع الإشهاد ﴿ أَقْسَطُ ﴾: أي: أعدل ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ في شرعِهِ وهَدْيِه،﴿ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾: أي: وأعظمُ عَونًا على إقامة الشهادة وأدائها، وأثبَت لها وأكثر تقريرًا؛ لأن الكتابة لا تُنسَى، والشهادة تُنسَى، أو قد يموت الشاهد، أو يَغيب عن الإدلاء بشهادته، ﴿ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾: أي:وأقرب إلى نفي الشك في قيمة الدَّيْن وأجَلِه، بخلاف الإشهاد بدون كتابة ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾: يعني: إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، وذلك بأخذ سلعة ودفع ثمنها فيالحال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ﴾: أي: فلا حاجة إلى الكتابة، ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾: أي:ورغم أنه لا حرج أو إثم يترتب على ترك الكتابة في البيع، إلا أنه يُستحَب الإشهاد على تلك التجارة؛ منعًا للنِّزاع والشِّقاق، مِثل أن يبيع أحدٌ دارًا أو بستانًا لأحد، أو غير ذلك، ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾: يعني: واعلموا أنه لا يجوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق: الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وذلك بأن يُكلفوهم ما لا يَقدرون عليه، كأنْ يُدْعَوْا ليشهدوا ويكتبوا في مكان بعيد، أو أن يُطلَبَ منهم أن يَكتبوا زورًا أو يَشهدوا به، أو بإلزامهم الكتابة والشهادة وهم في أشغالهم، فإذا تَعَذَّرَ ذلك منهم لانشغالهم، فليَطلُبا كاتبًا وشاهدًا غيرهما، وكذلك لا يجوز للشاهد والكاتب أن يُضِروا بصاحب الحق، وذلك بالامتناع عن الكتابة والشهادة بدون عذر، ﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا ﴾ ما نُهِيتم عنه ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ ﴾: يعني: خروجٌ عن طاعة الله، وعاقبة ذلك الفسوق سوف تَحلُّ عليكم، وتلحق ﴿ بِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾: أي:وكما علمكم هذا العلم النافع، يُعلمكم جميع ما يُصلِحدُنياكم وأخراكم، واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ فيه وَعْدٌ منه تعالى بأن يجعل للمتقي نورًا في قلبه، يَفهمُ به ما يتلقاهُ من العلم فهمًا صحيحًا، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29]؛ أي: نورًا وعِلمًا تُفرقون بهِ بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والسُّنَّة والبِدعة، ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

      • الآية 283: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ﴾: يعني: إذا كنتم مسافرين، ﴿ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ﴾ يَكتب لكم، أو لم تجدوا أدوات الكتابة: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾: أي: فليَضَعِ المَدِين عندَ صاحب الحق شيئًا يَقبضه منه، ويكونُ رَهنًا عنده حتى يأتيه حقه، ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾: أي: فإنْ وَثق بعضكم ببعض،فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرَّهن، ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾: أي:ويَبقى الدَّيْن أمانة في ذمَّةالمَدِين، عليه أداؤه، وعلى هذا فإذا وُجِدَ الأمانُ والثقة بين الدائن والمَدِين، فلا تجب الكتابة، بل تُسْتَحَب فقط، ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾: أي: وعلى المَدِين أن يُراقب اللهَ تعالى، فلا يَخونَ صاحبه، فإذا أنكر ماعليه مِن دَيْن، وكانَ هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يُظهِر شهادته، ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾: أي:فهو صاحب قلب غادر فاجر، وقد نُسِبَ الإثم إلى القلب؛ لأن الكتمان مِن عمل القلب، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾، وقد اشتملت هاتان الآيتان على حِكَمٍ عظيمة، ومصالحَ عميمةٍ، دَلَّتْ على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لهم، لَصَلَحَ دِينهم ودنياهم، فقد اشتملت على العدل والمصلحة، وحِفظ الحقوق، وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

      • الآية 284: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ مُلكًا وتدبيرًا وإحاطة، لا يَخفَى عليه شيء، ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾لا يُعجِزُهُ شيء، فأحكامه تعالى تدور بين العدل والفضل، والجميع ملكه وعبيده، وهم طوْع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه، وقد أكرم الله المسلمين بعدذلك فعفا عن حديث النفس وخطرات القلب، ما لم يَتْبَعها كلام أو عمل (كما ثبت ذلكفي صحيح البخاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾: (دخلَ قلوبَهُم منها شيء) - يعني: كأنهم شَقَّ عليهم أن يحاسبهم الله على ما يدور في أنفسهم -، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قولوا: سمعنا وأطعنا وسَلَّمْنا))، فألقى اللهُ في قلوبهم الإيمان، فلما فعلوا ذلك، نَسَخَها اللهُ تعالى فأنزل قوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286].

      • الآية 285: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾ وهو القرآن، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾كذلك صَدَّقوا وعَمِلوا بالقرآن العظيم، ﴿ كُلٌّ ﴾ مِن الرسول والمؤمنين ﴿ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ تعالى ربًّا وإلهًا مُتَّصِفًا بصفات الجلال والكمال،﴿ وَمَلَائِكَتِهِ ﴾: أي:وأنَّ للهِ ملائكة كِرامًا، ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾: أي: وأنه تعالىأنزل كتبًا؛ كالتوراة والإنجيل والقرآن، ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾: أي: وأنه أرسل إلى خَلقه رسلاً، ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾، فنحن نؤمن بهم جميعًا، ولا نفرق بينهم في الإيمان بهم، ولكننا نُقِرُّ - أيضًا - بأن الله قد فَضَّلَ بعضهم على بعضٍ درجات، كما أخبر سبحانه بذلك، ﴿ وَقَالُوا ﴾:أي:الرسول والمؤمنون ﴿ سَمِعْنَا ﴾يا ربنا ما أوحيتَ به،﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ في كل ذلك ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾: أي: نرجو أن تغفر - بفضلك - ذنوبنا، فأنت الذي رَبَّيتنا بماأنعمتَ به علينا، ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾: أي:وإليك – وحدك - مرجعنا ومصيرنا.

      • الآية 286: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾: أي: إنَّ دِينَ الله يُسر، لا مشقة فيه، فلا يَطلب اللهُ مِن عباده ما لا تُطِيقه أنفسهم، ﴿ لَهَا ﴾: أي: لكل نفسٍ ﴿ مَا كَسَبَتْ ﴾ من الخير، فتُجْزَى به خيرًا، ﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ من الشر، فتُجْزَى به شرًّا، ثم عَلَّمَ اللهُ المؤمنين كيف يَدعونه، وذلك في قوله: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ﴾: أي:لا تعاقبنا ﴿ إِنْ نَسِينَا ﴾ شيئًامما افترضتَهُ علينا ﴿ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ في فِعْل شيءٍ نَهيتنا عن فِعله، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾: أي: ولاتكلِّفنا من الأعمال الشاقة ما كَلَّفتَهُ الَّذِينَمِنْ قَبْلِنَا مِن العصاةِ عقوبةً لهم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾: أي:ما لا نتحمله من التكاليف والمصائب، ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾: أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه مِن تقصيرنا وزَلَلِنا، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾: أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُطْلِعهم على مَساوئِنا وأعمالنا القبيحة، ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾: أي: فيما يُستقبَل، فلا تُوقِعنا - بتوفيقك - في ذنب آخر؛ ولهذا قالوا: إنالمُذنِب مُحتاجٌ إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأنيستره عن عباده فلا يفضحه بينهم، وأن يَعصمه فلا يُوقِعه في ذنب آخر، ﴿ أَنْتَ مَوْلَانَا ﴾: أي:مالِكُ أمرنا ومُدَبِّرُه، ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾، واعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر - كما في الصحيحين - أنَّ مَن قرأ هاتين الآيتين (الأخيرتين من سورة البقرة) في ليلةٍ كَفَتاه (يعني: كَفَتاه مِن شر ما يُؤذيه).

      • وفي خِتام تفسير سورة البقرة نَوَدُّ أن نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهراوَيْن: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طيرٍ صَوَاف (والمقصود أنهما تُظِلان أصحابهما يوم القيامة)، تُحاجَّان (يعني: تجادلان) عن أصحابهما، ؛ فإنَّ أخْذَهَا بركة، وتَرْكَها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة))؛(والبَطَلة: هم السَّحَرة؛ لأنَّ ما يفعلونه باطل)،وَهُؤلاء السَّحَرة لا يستطيعون اختراق تحصين سورة البقرة لصاحبها؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يُداوم على قراءة سورة البقرة وأن يتدبرها، وأن يحفظها إن أمكنه، مع مُراجَعتها باستمرار حتى لا يَنساها، وأن يعمل بما فيها من أحكامٍ وأوامر (قدر المستطاع)؛ وذلك حتى يُحَصِّلَ الثواب المذكور في الحديث، وكذلك للتخلص من السِّحر وإبطاله وإفساده، ووقاية النفس منه بإذن الله تعالى.

        
    • النبي صلى الله عليه وسلم جعل من المنجيات من المهالك والمنجيات من عذاب الله تعالى: القصد في الغنى والفقر. فالقصد في الغنى: أن تجعل ما حباك الله في مواطنه، وأن تصرفه في أوجهه التي أوجبها الله عز وجل وأباحها، وأن تحذر من السرف والتبذير، وأن تحذر من الشحِّ والبخل. والقصد في الفقر: أن تصبر على ما أصابك من فقر، وألَّا تجزع، وأن تجدَّ وتجتهد في العمل، وألَّا تسأل الناس أموالهم إلا عند الضرورة.   عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يحتزم أحدكم حزمةً من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلًا، يعطيه أو يمنعه»مسلم (1042). ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ الإﻧﺴﺎﻥ لا ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻖ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﻓﻴﺘﻄﻠﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﺃﻭ ﻳﺴﺄﻝ؛ لأﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺃلا ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﻫﻢ إلا ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭالإﻧﺴﺎﻥ ﺇﻧﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ الآﺧﺮﺓ، ﻗﺎﻝ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، ﻭﻗﺎﻝ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]، ﻓﻼ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻺ‌ﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻖ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ولا ﻳﻬﺘﻢ ﺑﻪ، ﺇﻥ ﺟﺎﺀﻩ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﻌﺐ ولا ﺳﺆﺍﻝ ولا ﺍﺳﺘﺸﺮﺍﻑ ﻧﻔﺲ ﻓﻴﻘﺒﻠﻪ، ﻭﺇلا ﻓﻼ. ﻓﻜﺎﻥ ﺍﺑﻦ ﻋﻤﺮ - ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ - لا ﻳﺴﺄﻝ ﺃﺣﺪﺍً ﺷﻴﺌًا، ﻭﺇﺫﺍ ﺟﺎﺀﻩ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺳﺆﺍﻝ ﻗﺒﻠﻪ، ﻭﻫﺬﺍ ﻏﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ الأﺩﺏ، إلا ﺗﺬﻝ ﻧﻔﺴﻚ ﺑﺎﻟﺴﺆﺍﻝ، ولا ﺗﺴﺘﺸﺮﻑ ﻟﻠﻤﺎﻝ ﻭﺗﻌﻠﻖ ﻗﻠﺒﻚ ﺑﻪ. ﻭﺇﺫﺍ ﺃﻋﻄﺎﻙ ﺃﺣﺪ ﺷﻴﺌًا ﻓﺎﻗﺒﻠﻪ؛ لأﻥ ﺭﺩ ﺍﻟﻌﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻬﺪﻳﺔ ﻗﺪ ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻦ ﺃﻋﻄﺎﻙ ﻋﻠﻰ ﻛﺮﺍﻫﻴﺘﻚ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﺳﺘﻜﺒﺮ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻋﻨﺪﻩ ﻏﻄﺮﺳﺔ، ﻭﻣﺎ ﺃﺷﺒﻪ ﺫﻟﻚ. ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻳﻌﻄﻴﻚ ﺗﻘﺒﻞ ﻣﻨﻪ ﻭﻟﻜﻦ لا ﺗﺴﺄﻝ، ﺇلا ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ الإﻧﺴﺎﻥ ﻳﺨﺸﻰ ﻣﻤﻦ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺃﻥ ﻳﻤﻦ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﺃﻧﺎ ﺃﻋﻄﻴﺘﻚ، ﺃﻧﺎ ﻓﻌﻠﺖ ﻣﻌﻚ ﻛﺬﺍ ﻭﻛﺬﺍ ﻭﻣﺎ ﺃﺷﺒﻪ ﺫﻟﻚ، ﻓﻬﻨﺎ ﻳﺮﺩﻩ؛ لأﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺧﺸﻲ ﺃﻥ ﻳﻘﻄﻊ ﺍﻟﻤﻌﻄﻲ ﺭﻗﺒﺘﻪ ﺑﺎﻟﻤﻨﺔ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ؛ ﻓﻠﻴﺤﻢ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ وﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻺ‌ﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﺄﻛﻞ ﻣﻦ ﻋﻤﻞ ﻳﺪﻩ، ﻭﻳﺘﻌﻔﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ، ﻭﺃﻥ ﻳﻜﺘﺴﺐ ﻭﻳﺘﺠﺮ؛ ﻟﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]؛ أﻱ: ﻓﻲ ﺃﻧﺤﺎﺋﻬﺎ، ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾؛ أﻱ: ﺍﺑﺘﻐﻮﺍ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ - ﻋﺰ ﻭﺟﻞ.ﻭﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، ﻓﻘﺎﻝ: ﺍﻧﺘﺸﺮﻭﺍ ﻓﻲ الأﺭﺽ، ﻭﺍﺑﺘﻐﻮﺍ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﻟﻜﻦ لا ﻳﻨﺴﻴﻨﻚ ﺍﺑﺘﻐﺎﺅﻙ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﻛﺮ ﺭﺑﻚ؛ ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ: ﴿ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، ﺛﻢ ﺫﻛﺮ - ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ - ﻣﺎ ﺛﺒﺖ ﻓﻲ ﺻﺤﻴﺢ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﺃﻥ ﺩﺍﻭﺩ - ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ - ﻛﺎﻥ ﻳﺄﻛﻞ ﻣﻦ ﻛﺴﺐ ﻳﺪﻳﻪ، ﻭﻛﺎﻥ ﺩﺍﻭﺩ ﻳﺼﻨﻊ ﺍﻟﺪﺭﻭﻉ؛ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 80]، ﻓﻜﺎﻥ ﺣﺪﺍدًا، ﺃﻣﺎ ﺯﻛﺮﻳﺎ ﻓﻜﺎﻥ ﻧﺠﺎرًا ﻳﻌﻤﻞ ﻭﻳﻨﺸﺮ ﻭﻳﺄﺧﺬ الأﺟﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﻤﻬﻨﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻧﻘﺼًﺎ؛ لأﻥ الأﻧﺒﻴﺎﺀ - ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ - ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻤﺎﺭﺳﻮﻧﻬﺎ، ولا ﺷﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺳﺆﺍﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺣﺘﻰ إﻥ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ - ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ - ﻗﺎﻝ: ((لأﻥ ﻳحتطب أﺣﺪﻛﻢ ﺣﺰﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﻇﻬﺮﻩ))؛ ﻳﻌﻨﻲ: ﻭﻳﺄﺧﺬ ﻣﺎ ﻛﺴﺐ ﻣﻨﻬﺎ: ((ﺧﻴﺮ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺄﻝ أحدًا فيعطيه أو يمنعه))، ولا ﺷﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺍﻟﻨﺒﻴﻞ؛ ألا ﻳﺨﻀﻊ الإﻧﺴﺎﻥ لأﺣﺪ، ولا ﻳﺬﻝ ﻟﻪ، ﺑﻞ ﻳﺄﻛﻞ ﻣﻦ ﻛﺴﺐ ﻳﺪﻩ، ﻣﻦ ﺗﺠﺎﺭﺗﻪ ﺃﻭ ﺻﻨﺎﻋﺘﻪ ﺃﻭ ﺣﺮﺛﻪ، ﻗﺎﻝ - ﺗﻌﺎﻟﻰ -: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20]، ولا ﻳﺴﺄﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺷﻴﺌًا   شبكة الألوكة    
    • ألفاظ (الإلزام) في القرآن ورد في القرآن الكريم عدد من الألفاظ، يجمعها قاسم لغوي مشترك، يدل على الارتباط، والالتزام، والإحكام؛ كألفاظ: (العقد) و(العهد) و(البيع) و(الميثاق) و(الإصر). والحديث حول هذه الألفاظ الخمسة، يتناول دلالتها اللغوية، والمعاني التي أتت عليها في القرآن، وبعض الفروق الدلالية بينها.     الإصر أصل هذه المادة مأخوذ من الضيق والحبس، يقال: أصره يأصره، إذا حبسه وضيق عليه؛ فـ (الإصر) ما يؤصر به، أي، ما تربط به الأشياء، واشتقاقه من (الإصار) وهو ما يُعقد ويُسد به؛ ثم استعمل مجازًا في العهد والميثاق المؤكد. وهذا اللفظ ورد في القرآن ثلاث مرات فقط، جاء في كل مرة بمعنى: الأول: العهد، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: {وأخذتم على ذلكم إصري} (آل عمران:81)، أي: عهدي. الثاني: العقوبة على الذنب، وعليه جاء قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} (البقرة:286)، أي: عقوبة ذنب يشق علينا. الثالث: الشدة والثقل في الأحكام، وعليه قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} (الأعراف:157)، أي: ما كلفوا به من تكاليف ثقيلة وشديدة، يشق عليهم القيام بها. البيع (البيع): إعطاء المثمَّن وأخذ الثمن، والشراء: عكسه، ويقال للبيع: الشراء، وللشراء: البيع، وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمَّن؛ وبايع الناس السلطان: إذا التزموا بذل الطاعة له، ويقال لذلك: بيعة ومبايعة. ومن هذا اللفظ اشتق مصطلح (البيعة) و(المبايعة) وهما مصطلحان إسلاميان يدلان على العملية التي يتم من خلالها اختيار إمام المسلمين. ولفظ (البيع) كاسم، ورد في القرآن ثلاث مرات، منها قوله تعالى: {وأحل الله البيع} (البقرة:275)؛ وورد كفعل خمس مرات، منها قوله سبحانه: {وأشهدوا إذا تبايعتم} (البقرة:282). ولفظ (البيع) في القرآن، ورد على أربعة أوجه: أولها: معنى الفداء، ومنه قوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} (البقرة:254)، أي: لا فداء فيه؛ ومثله في سورة إبراهيم. ثانيها: معنى البيعة، وهي أخذ المواثيق والعهود، ومنه قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} (الفتح:10)؛ إشارة إلى ما جرى في بيعة الرضوان، وأخبر عنه القرآن في قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} (الفتح:18). ثالثها: عملية البيع نفسها، ومنه قوله تعالى: {وأحل الله البيع}، وهو البيع المعروف المقابل للشراء. رابعها: البِيعة، بكسر الباء، مكان عبادة النصارى، وقد جاء في قوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع} (الحج:40). العقد (العقد) لغة: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة، كعقد الحبل، تقول: عقدت الحبل أعقده عقدًا، إذا شددت بعضه إلى بعض، وربطته ربطًا محكمًا، ومنه العقدة؛ ثم استعير ذلك المعنى المادي للعقد لمعان معنوية، كعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين، بمعنى الحلف؛ فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا، وعقدت يمينه. و(العقد) يجمع على عقود؛ و(المعاقدة): المعاهدة. ولفظ (العقد) جاء في القرآن في سبعة مواضع؛ وجاء في جميع تلك المواضع بمعناه المعنوي، إلا موضعًا واحدًا، جاء بمعناه المادي؛ أما مواضعه المعنوية، فجاء في موضعين منها كفعل، أحدهما: قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم} (النساء:33)؛ وجاء في أربعة منها كاسم؛ منه قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} (البقرة:235)؛ أما المعنى المادي الذي جاء عليه هذا اللفظ، فهو قوله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} (الفلق:4)، و(العُقَد) جمع عقدة، وذلك أنهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها. والمواضع المعنوية التي جاء فيها لفظ (العقد) في القرآن، أفادت المعاني التالية: أولاً: عقد اليمين، بمعنى الحَلِف؛ ومنه قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} (المائدة:89)، أي: اليمين التي يؤاخذ بها الإنسان في حال عدم الالتزام بها. ثانيًا: عقد النكاح، بمعنى عقد الزواج الذي يكون بين الرجل والمرأة، وعليه قوله سبحانه: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} (البقرة:235)، أي: لا تعقدوا عقد النكاح حتى تُنْهِيَ المرأة المعتدة من وفاةٍ عدتها المقررة شرعًا. ثالثًا: بمعنى حبس اللسان عن الكلام، وعليه قوله تعالى، فيما قصه علينا من دعاء موسى عليه السلام: {واحلل عقدة من لساني} (طه:27)، أي: أطلق عن لساني العقدة التي فيه. العهد (العهد) لغة: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا؛ ومنه قولهم: عهد الرجل يعهد عهدًا؛ والجمع: عهود؛ ومنه اشتقاق العهد الذي يُكتب للولاة؛ و(المعاهد) في عرف الشرع، يختص بمن يدخل من الكفار في عهد المسلمين. و(أهل العهد) هم المعاهدون، والمصدر المعاهدة، أي: إنهم يعاهدون على ما عليهم من جزية. فإذا أسلموا ذهب عنهم اسم المعاهدة. و(العهدة): الكتاب الذي يستوثق به في البيعات. ولفظ (العهد) ورد في القرآن في نحو أربعين موضعًا، منها أربعة عشر موضعًا ورد كفعل، كما في قوله تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدا} (البقرة:100)، وورد في المواضع المتبقية كاسم، منها قوله سبحانه: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} (البقرة:40). ولفظ (العهد) في القرآن ورد على ستة أوجه: أحدها: الإمامة؛ وعليه فُسِّر قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة:124)، قال مجاهد: لا يكون إمام ظالمًا. وهذا على قول في تفسير (العهد) في الآية. ثانيها: الميثاق؛ ومنه قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله} (البقرة:27)، يعني: ميثاقه الذي واثقهم به؛ ومثله قوله سبحانه: {أتخذتم عند الله عهدا} (البقرة:80)، أي: موثقاً. ثالثها: الأمر، ومنه قوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} (البقرة:125)، أي: أمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت الحرام من الأوثان والأنجاس. رابعها: الحلف، ومنه قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} (النحل:15)، أي: أوفوا بالأيمان التي تحلفون بها، ولا تنكثوا بها؛ ومنه أيضًا، قوله سبحانه: {ومنهم من عاهد الله} (التوبة:75)، أي: حلف بالله. خامسها: التوحيد، وعليه قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} (مريم:87)، يعني: التوحيد والعمل الصالح؛ قال ابن عباس رضي الله عنه: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله سبحانه. سادسها: الوفاء بالأمانة؛ ومنه قوله سبحانه: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} (الأعراف:102)، أي: وفاء وأمانة. الميثاق أصل مادة (وثق) يدل على العقد والإحكام، تقول: وثقت به أثق ثقة: إذا سكنت إليه، واعتمدت عليه؛ وتقول: أوثقته: إذا شددته برباط؛ والوَثاق والوِثاق: اسمان لما يوثق به الشيء؛ والميثاق: العهد المحكم، ويجمع على مواثيق؛ والوثقى: تأنيث الأوثق. وهذا اللفظ ورد في القرآن في تسعة وعشرين موضعًا كاسم؛ (الميثاق) في ثلاثة وعشرين موضعًا، منها قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} (البقرة:27)، و(الموثق) ورد في موضعين، أحدهما: قوله سبحانه: {حتى تؤتون موثقا من الله} (يوسف:66)؛ و( الوثاق ) ورد أيضًا في موضعين، أحدهما: قوله تعالى: {فشدوا الوثاق} (محمد:4)؛ و(الوثقى) في موضعين، أحدهما: قوله سبحانه: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} (البقرة:256)؛ ولم يرد هذا اللفظ كفعل إلا في موضعين، أحدهما: قوله سبحانه: {وميثاقه الذي واثقكم به} (المائدة:8)؛ وثانيهما: قوله تعالى: {ولا يوثق وثاقه أحد} (الفجر:26). وتفسير لفظ (الميثاق) في القرآن جاء على وجوه: أحدها: بمعنى العهد المؤكد باليمين، من ذلك قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}، أي: لا يوفون بما عاهدوا الله عليه من الالتزام بأحكام ما شرعه لهم. وعلى هذا المعنى جاء أغلب استعمال هذا اللفظ في القرآن. ثانيها: بمعنى الحَلِف، وعليه قوله تعالى: {حتى تؤتون موثقا من الله}، أي: حتى تحلفوا بالله لتأتني بيوسف عليه السلام. ثالثها: بمعنى العقد، وعليه قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} (النساء:21)، أي: عقد الزواج الذي يجرى بين الزوجين؛ وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وغيرهما. رابعها: بمعنى الهدنة والمعاهدة، ومنه قوله سبحانه: {فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} (الأنفال:72)، أي: بينكم وبينهم هدنة ومعاهدة؛ ومثله قوله سبحانه في كفارة القتل: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} (النساء:92) . خامسها: بمعنى اسم الشيء الذي يُشدُّ به؛ ومنه قوله تعالى: {فشدوا الوثاق}، أي: أحيطوهم ربطًا بالوثاق. سادسها: بمعنى الربط والشد بإحكام، وهو قوله سبحانه: {ولا يوثق وثاقه أحد}، أي: لا يتولى ربط الكافر بالوثاق أحدٌ غيره سبحانه. سابعها: بمعنى الإيمان والإسلام؛ وعليه قوله سبحانه: {فقد استمسك بالعروة الوثقى}، أي: استمسك بالإيمان والإسلام، فلا يضل بعدُ. وهذا على وجه في تفسير (الوثقى). ثم ها هنا بعض الفروق التي تذكر بين هذه الألفاظ؛ فالفرق بين (العقد) و(العهد) يظهر من وجوه ثلاثة؛ أحدها: أن العقد أبلغ من العهد؛ فأنت تقول: عهدت إلى فلان بكذا، أي: ألزمته إياه؛ وعقدت عليه وعاقدته ألزمته باستيثاق؛ وثانيها: أن العقد يكون بين اثنين أو أكثر، ولا يكون من واحد؛ والعهد قد ينفرد به الواحد، وقد يكون بين اثنين أو أكثر؛ وثالثها: أن العقد إنما يكون بين الناس، والعهد قد يكون بين المخلوق والخالق، وقد يكون بين الناس؛ قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} (يس:60)؛ وقال سبحانه: {ومنهم من عاهد الله} (التوبة:75). وتذكر كتب الفروق فرقاً بين (الميثاق) و(العهد)، وهو أن الميثاق توكيد العهد، فهو أبلغ من العهد، يرشد لذلك قوله سبحانه {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}، أي: من بعد توكيده.   اسلام ويب
       
    • إن القرآن وهو يتنـزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان يعطي ألفاظه معاني معينة ومحددة، في العقيدة أو الشريعة، إجمالاً أو تفصيلاً. ولو تتبع الباحث بالاستقراء ورود لفظ ما من ألفاظ القرآن الكريم لأمكنه الوقوف على معاني متعددة ومختلفة للفظ الواحد، بحسب السياق الذي ورد فيه هذا اللفظ أو ذاك. وألفاظ (الجهاد) و(القتال) و(الحرب) و(النفر) مثال على ذلك؛ فقد تواردت هذه الألفاظ الأربعة في القرآن الكريم بنسب مختلفة، وبدلالات متنوعة، حددتها السياقات القرآنية التي جاءت فيها. وفي السطور التالية نحاول التعريف بهذه الألفاظ الأربعة، من حيث دلالتها اللغوية، ومن حيث معانيها الشرعية التي وردت عليها. الجهاد (الجهد) بضم الجيم وفتحها: المشقة والطاقة والوسع. والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة، يقال: جهدت رأيي وأجهدته، أي: أتعبته بالفكر. والجهاد، والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. ولفظ (الجهد) بمشتقاته المتعددة ورد في القرآن في تسعة وثلاثين موضعاً؛ فجاء كـ (اسم) في تسعة مواضع، منها قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} (الأنعام:109)؛ وجاء كـ (مصدر) في أربعة مواضع، منها قوله سبحانه: {وجهاد في سبيله} (التوبة:24)؛ وجاء كـ (فعل) في باقي المواضع، منها قوله تعالى: {والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} (البقرة:218) .   ولفظ (الجهاد) جاء في القرآن على معان: منها: الجهاد بالسلاح، وهو المعنى المتبادر عند الإطلاق، ومنه قوله سبحانه: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} (النساء:95). ومنها: الجهاد بمعنى القول، ومنه قوله تعالى: {وجاهدهم به جهادا كبيرا} (الفرقان:52). يعني: جاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً. ومنها: الجهاد بمعنى العمل، ومنه قوله سبحانه: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} (العنكبوت:6)، يعني: ومن يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه، أي: له نفع ذلك. ثم إن الراغب في كتابه"المفردات" قال: والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} (الحج:78). الحرب لفظ (الحرب) مشتق من الحَرَب، وهو: السلب. يقال: حربته ماله، أي: سلبته إياه. ورجل محراب: شجاع قؤوم بأمر الحرب مباشر لها. و(الحربة) آلة للحرب معروفة؛ و(محراب) المسجد، قيل: سمي بذلك؛ لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى. وقيل: سمي بذلك؛ لكون الإنسان حريٌّ به أن يكون حريباً من أشغال الدنيا ونوازع الخواطر. وقد ورد لفظ (الحرب) في القرآن عشر مرات باشتقاقات مختلفة؛ فجاء كاسم في أربعة مواضع، منها قوله سبحانه: {حتى تضع الحرب أوزارها} (محمد:4)؛ وجاء كفعل في موضعين، أحدها: قوله سبحانه: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} (المائدة:33)؛ وجاء لفظ (محراب) في أربعة مواضع، منها قوله سبحانه: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا} (آل عمران:37).   ولفظ ( الحرب ) ورد في القرآن على معان: منها: بمعنى القتال، وهو الاستعمال الأغلب لهذا اللفظ، كقوله سبحانه: {حتى تضع الحرب أوزارها} (محمد:4)، أي: حتى ينتهي القتال بين الطرفين، ويذهب كل في سبيله. ومنها: بمعنى المخالفة في الشرع والإفساد في الأرض، ومنه قوله سبحانه: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} (المائدة:33)، يعني: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً وإفسادًا أن يقتلوا... القتل أصل (القتل): إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك، يقال: قَتْل، وإذا اعتبر بفوت الحياة، يقال: موت. قال تعالى: {أفإن مات أو قتل} (آل عمران:144). والمقاتلة: المحاربة وتحري القتل. ويستعمل هذا اللفظ في معان أخر على سبيل الاستعارة والمبالغة، فيقال: قتلتُ الخمر بالماء: إذا مزجته؛ تخفيفاً لحدتها؛ ويقال في مجال العلم: قتله بحثاً: إذا بلغ الغاية في التتبع والبحث والتقصي.   ولفظ (القتل) ورد في القرآن في نحو سبعة وثمانين موضعاً باشتقاقاته المختلفة، ورد في أكثر هذه المواضع بصيغة الفعل، كقوله تعالى {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} (البقرة:154)؛ وورد بصيغة (قَتْل) في ستة مواضع، منها قوله سبحانه: {والفتنة أشد من القتل} (البقرة:191)؛ وورد بصيغة (قتال) في عشرة مواضع، منها قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (البقرة:216).
        وهذه المادة وردت في القرآن على عدة وجوه ومعان: منها: القتل بمعنى القتال والمحاربة، ومنه قوله تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} (البقرة:191)، والمعنى: إن قاتلوكم فقاتلوهم. ذكر هذا الوجه الطبري في "تفسيره". ثانيها: القتل بمعنى فعل القتل، كما في قوله سبحانه: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} (النساء:93)، أي: من يقتل مؤمناً قتلاً يُذهب فيه روحه عن جسده. ومنها: القتل بمعنى اللعن، ومنه قوله سبحانه: {فقتل كيف قدر} (المدثر:19)، أي: لُعن؛ ومثله قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود} (البروج:4)، أي: لعنوا. ومنها: القتل بمعنى العذاب، ومنه وقوله تعالى: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} (الأحزاب:61)، أي: أخذوا وعذبوا عذاباً شديداً. ومنها: القتل بمعنى القصاص، ومنه قوله سبحانه: {فلا يسرف في القتل} (الإسراء:33)، أي: فلا يسرف ولي المقتول في القصاص من القاتل، كأن يقتل نفسين بنفس واحدة. ومنها: القتل بمعنى دفن الأحياء، ومنه قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (الإنعام:151)، يعني: لا تدفنوا أبناءكم وهم على قيد الحياة؛ لأن قتلهم خطأ كبير، وإثم عظيم. ومنها: القتل بمعنى الذبح، ومنه قوله سبحانه: {يقتلون أبناءكم} (الأعراف:141)، يعني: يذبحون. النفر لفظ (النفر) يدل على التجافي والتباعد والانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، يقال: نفرت الدابة نفاراً: إذا تجافت وتباعدت وانزعجت عن مكانها ومقامها. والإنفار عن الشيء، والتنفير عنه، والاستنفار كله بمعنى واحد. ومن هذا اللفظ استعير لفظ (النفر) إلى الحرب، دلالة على الخروج للقتال ومواجهة الأعداء، يقال: نفر إلى الحرب، إذا خرج لها، ومضى لقتال العدو. ومنه أيضاً (الاستنفار): وهو حث القوم على النفر إلى الحرب، أو أن ينفروا منها. ومنه أيضاً (النفر) من منى، وهو الخروج منها بعد الانتهاء من رمي الجمرات. ويطلق على الرجال إذا كانوا ثلاثة إلى عشرة (نَفَرٌ)؛ سموا بذلك لأنههم ينفرون للنصرة. و(النفير): القوم ينفرون للقتال. ولفظ (نفر) ورد في القرآن في اثني عشر موضعاً، جاء في ثمانية منها على صيغة الفعل، منها قوله تعالى: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} (النساء:71)؛ وجاء في ثلاثة مواضع كاسم، منها قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } (الأحقاف:29)؛ وجاء في موضع واحد على صيغة اسم الفاعل، وهو قوله تعالى: {كأنهم حمر مستنفرة} (المدثر:50)، أي: نافرة.   وهذا اللفظ ورد في القرآن على معان: منها: بمعنى الخروج للجهاد، وهو الاستعمال الأغلب لهذا اللفظ، ومنه قوله تعالى: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} (التوبة:38)، أي: ما لكم إذا قيل لكم جاهدوا في سبيل الله؛ لنشر دينه ورفع رايته تباطأتم وتقاعستم عن ذلك المطلوب. ومنها: بمعنى العدد من الرجال، ومنه قوله سبحانه: {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} (الكهف:34)، أي: أعز عشيرة ورهطاً. قال القرطبي: (النفر): الرهط، وهو ما دون العشرة. ومنها: بمعنى النفار من الشيء والإعراض عنه، وعليه قوله تعالى: {كأنهم حمر مستنفرة} (المدثر:50)، أي: نافرون عن الحق ومعرضون عنه. وهو الموضع الوحيد في القرآن على هذا المعنى. والأمر الذي يذكر في هذا السياق، أن لفظ (الجهاد) هو اللفظ الأبرز ضمن هذه الألفاظ الأربعة، بحيث نستطيع أن نقول: إن هذا اللفظ أضحى مصطلحاً إسلامياً صرفاً، لا وجود له في لغات العالم الحية؛ لما يحمله من دلالات إسلامية محددة، استمدها من عقيدة الإسلام وشريعته. ويأتي في درجة تالية للفظ (الجهاد) لفظ (النفر)، لكن اللافت للنظر في هذا اللفظ، أن القرآن استعمله غالباً للاستجابة لداعي الجهاد، بينما استخدمه في موضع واحد، وهو قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} (التوبة:122) بغية (النفرة) في شؤون الحياة كافة، وكأن (النفرة) المطلوبة في هذه الآية مراد منها استدراك المعارف، والفقه بالتخصصات المتنوعة، والاجتهاد فيها، وهذا نوع من الجهاد، بل لعله - كما يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة - ميدان الجهاد الذي يصنع النصر في المواقع الحياتية كافة. أما لفظا (القتال) و(الحرب) فهما من الألفاظ المشتركة بين لغات الأرض، لكن يبقى الخلاف بينها في الدوافع والغايات والوسائل والأهداف.    
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182799
    • إجمالي المشاركات
      2536798
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×