اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58181
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180685
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8352
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53109
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32216
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38551 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • {141} {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} . ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله الله لهم من الحروث والأنعام، ذكر تبارك وتعالى نعمته عليهم بذلك، ووظيفتهم اللازمة عليهم في الحروث والأنعام فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} أي: بساتين، فيها أنواع الأشجار المتنوعة، والنباتات المختلفة.{مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أي: بعض تلك الجنات، مجعول لها عرش، تنتشر عليه الأشجار، ويعاونها في النهوض عن الأرض. وبعضها خال من العروش، تنبت على ساق، أو تنفرش في الأرض، وفي هذاتنبيه على كثرة منافعها، وخيراتها، وأنه تعالى، علم العباد كيف يعرشونها، وينمونها.{وَ} أنشأ تعالى {النخل وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} أي: كله في محل واحد، ويشرب من ماء واحد، ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل.وخص تعالى النخل والزرع على اختلاف أنواعه لكثرة منافعها، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق. {وَ} أنشأ تعالى {الزيتون وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا} فيشجره {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} في ثمره وطعمه. كأنه قيل: لأي شيء أنشأ الله هذه الجنات، وما عطف عليها؟ فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد فقال: {كُلُوا مِنْثَمَرِهِ} أي: النخل والزرع {إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي: أعطوا حقالزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الأمر فيها ظاهرا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج. وقوله: {وَلا تُسْرِفُوا} يعم النهي عن الإسراف في الأكل، وهو مجاوزة الحد والعادة، وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة، والإسراف في إخراج حق الزرع بحيث يخرج فوق الواجب عليه، ويضر نفسه أو عائلته أوغرماءه، فكل هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، الذي لا يحبه الله بل يبغضه ويمقت عليه.وفي هذه الآية دليل على وجوب الزكاة في الثمار، وأنه لا حول لها، بل حولها حصادها في الزروع، وجذاذ النخيل، وأنه لا تتكرر فيها الزكاة، لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة، إذا كانت لغير التجارة، لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده.وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر، أنه لا يضمنها، وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده. و قد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبعث خارصا، يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثلث، أو الربع، بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره، من أهلها، وغيرهم {142 } {وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} . أي: {و} خلق وأنشأ {من الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} أي: بعضها تحملون عليه وتركبونه، وبعضها لا تصلح للحمل والركوب عليها لصغرها كالفصلان ونحوها، وهي الفرش، فهي من جهة الحمل والركوب، تنقسم إلى هذين القسمين.وأما من جهة الأكل وأنواع الانتفاع، فإنها كلها تؤكل وينتفع بها. ولهذا قال: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: طرقه وأعماله التيمن جملتها أن تحرموا بعض ما رزقكم الله. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فلا يأمركم إلا بما فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي   144-143{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده، وجعلها كلها حلالا طيبا، فصلها بأنها: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} ذكر وأنثى {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} كذلك، فهذه أربعة، كلها داخلة فيما أحل الله، لا فرق بين شيء منها، فقل لهؤلاء المتكلفين، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور، ملزما لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها وحرموا: {آلذَّكَرَيْنِ} من الضأن والمعز {حَرَّمَ} الله، فلستم تقولون بذلك وتطردونه، {أَمِ الأنْثَيَيْنِ} حرم الله من الضأن والمعز، فليس هذا قولكم، لا تحريم الذكور الخلص، ولا الإناث الخلص من الصنفين.بقي إذا كان الرحم مشتملا على ذكر وأنثى، أو على مجهول فقال: {أَمْ} تحرمون {ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ} أي: أنثى الضأن وأنثى المعز، من غير فرق بين ذكر وأنثى، فلستم تقولون أيضا بهذا القول.فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة، التي حصرت الأقسام الممكنة في ذلك، فإلى أي شيء تذهبون؟.{نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم ودعواكم، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة. وهم لا يقولون بشيء منها. إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله، ما أنزل -بما قالوه- من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان.ثم ذكر في الإبل والبقر مثل ذلك. فلما بين بطلان قولهم وفساده، قال لهم قولا لا حيلة لهم في الخروج من تبعته، إلا في اتباع شرع الله. {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ} أي: لم يبق عليكم إلا دعوى، لا سبيل لكم إلى صدقها وصحتها. وهي أن تقولوا: إن الله وصَّانا بذلك، وأوحى إلينا كما أوحى إلى رسله، بل أوحى إلينا وحيا مخالفا لما دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، وهذا افتراء لا يجهله أحد، ولهذا قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: مع كذبه وافترائه على الله، قصده بذلك إضلال عباد الله عن سبيل الله، بغير بينة منه ولا برهان، ولا عقل ولا نقل. {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين لا إرادة لهم في غير الظلم والجور، والافتراء على الله {145، 146} {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} . لما ذكر تعالى ذم المشركين على ما حرموا من الحلال ونسبوه إلى الله، وأبطل قولهم. أمر تعالى رسوله أن يبين للناس ما حرمه الله عليهم، ليعلموا أن ما عدا ذلك حلال، مَنْ نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل، لأن التحريم لا يكون إلا من عند الله على لسان رسوله، وقد قال لرسوله: {قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} أي: محرما أكله، بقطع النظر عن تحريم الانتفاع بغير الأكل وعدمه.{إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} والميتة: ما مات بغير ذكاة شرعية، فإن ذلك لا يحل. كما قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ} .{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم، ومفهوم هذا اللفظ، أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح، أنه حلال طاهر.{أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} أي: فإن هذه الأشياء الثلاثة، رجس، أي: خبث نجس مضر، حرمه الله لطفا بكم، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث.{أَوْ} إلا أن يكون {فسقا أهل لغير الله به} أي: إلا أن تكون الذبيحة مذبوحة لغير الله، من الأوثان والآلهة التي يعبدها المشركون، فإن هذا من الفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، أي: ومع هذا، فهذه الأشياء المحرمات، من اضطر إليها، أي: حملته الحاجة والضرورة إلى أكل -[278]- شيء منها، بأن لم يكن عنده شيء وخاف على نفسه التلف. {غَيْرَ بَاغٍ ولا عاد} أي: {غَيْرَ بَاغٍ} أي: مريدٍ لأكلها من غير اضطرار وَلا متعد، أي: متجاوز للحد، بأن يأكل زيادة عن حاجته. فمن اضطر غير باغ ولا عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: فالله قد سامح من كان بهذه الحال.واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحصر المذكور في هذه الآية، مع أن ثَمَّ محرمات لم تذكر فيها، كالسباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فقال بعضهم: إن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وقال بعضهم: إن هذه الآية مشتملة على سائر المحرمات، بعضها صريحا، وبعضها يؤخذ من المعنى وعموم العلة.فإن قوله تعالى في تعليل الميتة والدم ولحم الخنزير،  أو الأخير منها فقط: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} وصف شامل لكل محرم، فإن المحرمات كلها رجس وخبث، وهي من الخبائث المستقذرة التي حرمها الله على عباده، صيانة لهم، وتكرمة عن مباشرة الخبيث الرجس.ويؤخذ تفاصيل الرجس المحرم من السُّنَّة، فإنها تفسر القرآن، وتبين المقصود منه، فإذا كان الله تعالى لم يحرم من المطاعم إلا ما ذكر، والتحريم لا يكون مصدره، إلا شرع الله -دل ذلك على أن المشركين، الذين حرموا ما رزقهم الله مفترون على الله، متقولون عليه ما لم يقل.وفي الآية احتمال قوي، لولا أن الله ذكر فيها الخنزير، وهو: أن السياق في نقض أقوال المشركين المتقدمة، في تحريمهم لما أحله الله وخوضهم بذلك، بحسب ما سولت لهم أنفسهم، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة، وليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية: الميتة منها، وما أهل لغير الله به، وما سوى ذلك فحلال.ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام، فهذا المحرم على هذه الأمة كله (1) من باب التنزيه لهم والصيانة.وأما ما حرم على أهل الكتاب، فبعضه طيب ولكنه حرم عليهم عقوبة لهم، ولهذا قال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وذلك كالإبل، وما أشبهها {وَ} حرمنا عليهم {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ} بعض أجزائها، وهو: {شُحُومَهُمَا} وليس المحرم جميع الشحوم منها، بل شحم الألية والثرب، ولهذا استثنى الشحم الحلال من ذلك فقال: {إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا} أي: الشحم المخالط للأمعاء {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} .{ذَلِكَ} التحريم على اليهود {جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} أي: ظلمهم وتعديهم في حقوق الله وحقوق عباده، فحرم الله عليهم هذه الأشياء عقوبة لهم ونكالا. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في كل ما نقول ونفعل ونحكم به، ومن أصدق من الله حديثا، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. {147} {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .أي: فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب، وأخبرهم بأن الله {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أي: عامة شاملة [لجميع] المخلوقات كلها، فسارعوا إلى رحمته بأسبابها، التي رأسها وأسها ومادتها، تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به.{وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} أي: الذين كثر إجرامهم وذنوبهم. فاحذروا الجرائم الموصلة لبأس الله، التي أعظمها ورأسها تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم. {148، 149} {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} . هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله، بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم.وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه، كما قال في الآية الأخرى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ... } الآية.فأخبر تعالى أن هذه الحجة، لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها، فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله، وأذاقهم بأسه.فلو كانت حجة صحيحة، لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب، لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة،  من عدة أوجه:منها: ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة، لم تحل بهم العقوبة. ومنها: أن الحجة، لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص، الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة،  قال: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} فلو كان لهم علم -وهم خصوم ألداء- لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم. {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ} ومَنْ بنى حججه على الخرص والظن، فهو مبطل -[279]- خاسر، فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟ ومنها: أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد عذرا، التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون، والكتب الإلهية، والآثار النبوية، والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل، لأن نقيض الحق، لا يكون إلا باطلا. ومنها: أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة، وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر، ظلم محض وعناد صرف. ومنها: أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا كفوا. وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر، وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله، ومندرجا تحت إرادته. ومنها: أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك. فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج، ولغضبوا من ذلك أشد الغضب.فيا عجبا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه. ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟ " ومنها: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ {150} {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} . أي: قل لمن حرَّم ما أحل الله، ونسب ذلك إلى الله: أحْضِروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فإذا قيل لهم هذا الكلام، فهم بين أمرين:إما: أن لا يحضروا أحدا يشهد بهذا، فتكون دعواهم إذًا باطلة، خلية من الشهود والبرهان.وإما: أن يحضروا أحدا يشهد لهم بذلك، ولا يمكن أن يشهد بهذا إلا كل أفاك أثيم غير مقبول الشهادة، وليس هذا من الأمور التي يصح أن يشهد بها العدول؛ ولهذا قال تعالى -ناهيا نبيه، وأتباعه عن هذه الشهادة-: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي: يسوون به غيره من الأنداد والأوثان.فإذا كانوا كافرين باليوم الآخر غير موحدين لله، كانت أهويتهم مناسبة لعقيدتهم، وكانت دائرة بين الشرك والتكذيب بالحق، فحري بهوى هذا شأنه، أن ينهى الله خيار خلقه عن اتباعه، وعن الشهادة مع أربابه، وعلم حينئذ أن تحريمهم لما أحل الله صادر عن تلك الأهواء المضلة.    {151 } {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله. {تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال. {أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} أي: لا قليلا ولا كثيرا. وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أويصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} من الأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق.{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} من ذكور وإناث {مِنْ إِمْلاقٍ} أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال، وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم، من باب أولى وأحرى.{نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق. {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} وهي: الذنوب العظام المستفحشة، {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} -[280]- أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن.والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} وهي: النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق. {إِلا بِالْحَقِّ} كالزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.{ذَلِكُمْ} المذكور {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به. 152- 153{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} بأكل، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب. {إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها. فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، {حَتَّى يَبْلُغَ} اليتيم {أَشُدَّه} أي: حتى يبلغ ويرشد، ويعرف التصرف، فإذا بلغ أشده، أُعطي حينئذ مالُه، وتصرف فيه على نظره.وفي هذا دلالة على أن اليتيم -قبل بلوغ الأشُد- محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشُد.{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل والوفاء التام، فإذا اجتهدتم في ذلك، فـ {لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} أي: بقدر ما تسعه، ولا تضيق عنه. فمَن حرَص على الإيفاء في الكيل والوزن، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه، ولم يعلمه، فإن الله عفو غفور .وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك.{وَإِذَا قُلْتُمْ} قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال {فَاعْدِلُوا} في قولكم، بمراعاة الصدق في من تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم.بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبُعدها منه.وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين، في لحظه ولفظه. {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} وهذا يشمل العهد الذي عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها، ومن العهد الذي يقع التعاقد به بين الخلق. فالجميع يجب الوفاء به، ويحرم نقضه والإخلال به.{ذَلِكُمْ} الأحكام المذكورة {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ما بينه لكم من الأحكام، وتقومون بوصية الله لكم حق القيام، وتعرفون ما فيها، من الحكم والأحكام.ولما بين كثيرا من الأوامر الكبار، والشرائع المهمة، أشار إليها وإلى ما هو أعم منها فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر.{فَاتَّبِعُوهُ} لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح. {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم.{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم علما وعملا صرتم من المتقين، وعباد الله المفلحين، ووحد الصراط وأضافه إليه لأنه سبيل واحد موصل إليه، والله هو المعين للسالكين على سلوكه. {154 - 157} {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} . {ثُمَّ} في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى عليه السلام، متقدم على تلاوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى {مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التوراة {تَمَامًا} لنعمته، وكمالا لإحسانه. {عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} -[281]- من أُمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنِعَم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها.{وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ} يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} أي: يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول والفروع. {وَرَحْمَة} يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. {لَعَلَّهُمْ} بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له. {وَهَذَا} القرآن العظيم، والذكر الحكيم. {كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة {فَاتَّبِعُوهُ} فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه {وَاتَّقُوا} الله تعالى أن تخالفوا له أمرا {لَعَلَّكُمْ} إن اتبعتموه {تُرْحَمُونَ} فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملا. {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} أي: أنزلنا إليكم هذا الكتاب المبارك قطعا لحجتكم، وخشية أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، أي: اليهود والنصارى.{وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} أي: تقولون لَمْ تنزل علينا كتابا، والكتب التي أنزلتها على الطائفتين ليس لنا بها علم ولا معرفة، فأنزلنا إليكم كتابا، لم ينزل من السماء كتاب أجمع ولا أوضح ولا أبين منه. {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} أي: إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم، وإما أن تعتذروا، بـ[عدم] كمالها وتمامها، فحصل لكم بكتابكم أصل الهداية وكمالها، ولهذا قال: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} وهذا اسم جنس، يدخل فيه كل ما يبين الحق {وَهُدًى} من الضلالة {وَرَحْمَةٌ} أي: سعادة لكم في دينكم ودنياكم، فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه والإيمان بأخباره، وأن من لم يرفع به رأسا وكذب به، فإنه أظلم الظالمين، ولهذا قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي: أعرض ونأى بجانبه.{سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} أي: العذاب الذي يسوء صاحبه ويشق عليه. {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} لأنفسهم ولغيرهم، جزاء لهم على عملهم السيء {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} .وفي هذه الآيات دليل على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم، هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرص المتكلمين، ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين.وأن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين، [من] اليهود والنصارى، فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل فيهم سائر الطوائف، لا المجوس ولا غيرهم.وفيه: ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن، من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب، الذين عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم. {158} {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} . يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم، {إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ} مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم {الْمَلائِكَة} لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال، لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} لفصل القضاء بين العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين. {أَوْ يَأْتِي َبَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} الدالة على قرب الساعة.{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت، وأن القيامة قد اقتربت. {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} أي: إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن، ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب، وكان اختيارا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} -[282]-. وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويُغلق حينئذ بابُ التوبة.ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم منتظرا وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمورقال {قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} فستعلمون أينا أحق بالأمن.وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى كالاستواء والنزول والإتيان لله تبارك وتعالى من غير تشبيه له بصفات المخلوقين.وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا كما تقدم.وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك. {159، 160} {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} . يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة.ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية.وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك. {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} . ثم ذكر صفة الجزاء فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} القولية والفعلية، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله أو حق خلقه {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} هذا أقل ما يكون من التضعيف.{وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا} وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} . {161 - 165} {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} . يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين.وهذا عموم، ثم خصص من ذلك أشرف العبادات فقال: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى.ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله. وقوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله عليَّ، وما يقدر عليَّ في مماتي، الجميع {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {لا شَرِيكَ لَهُ} في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني، وبدعا أتيته من تلقاء نفسي، بل {بِذَلِكَ أُمِرْتُ} أمرا حتما، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} من هذه الأمة.{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ} من المخلوقين {أَبْغِي رَبًّا} أي: يحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره، مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟ ".فتعين علي وعلى غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين.ثم رغب ورهب بذكر  الجزاء فقال: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير وشر {إِلا عَلَيْهَا} كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} .{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} بل كل عليه وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء.{ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ} يوم -[283]- القيامة {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من خير وشر، ويجازيكم على ذلك أوفى الجزاء. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ} أي: يخلف بعضكم بعضا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخَّر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون.{وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} في القوة والعافية، والرزق والخَلْق والخُلُق. {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ} فتفاوتت أعمالكم. {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} لمن عصاه وكذّب بآياته {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب من الموبقات.آخر تفسير سورة الأنعام، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد.[وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين] . المجلد الثالث من تيسير الرحمن في تفسير القرآن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
    • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (45) ،(46) الاحزاب في هذه الآية الكريمة تكريمٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومؤانسةٌ له، وبيانٌ لمكانته صلى الله عليه وآله وسلم؛ بوصفه تعالى له بأنه سراج منير يهدي السائرين ويرشد الحيارى والضالين، وبأنه قائم بالشهادة على الناس يقيم حجة الله تعالى على خلقه بتبليغ رسالته وتوصيل دعوته؛ يبشر من آمن بالله، وينذر من كفر به. فقد وصفه الله تعالى في هذه الآية بعدة أوصافٍ؛ كلها كمالٌ وجمالٌ وثناءٌ وجلالٌ، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج المنير الوضاء الذي بدَّد الله به ظلمات الضلال، ونشر السلام، وطارد الظلم والظالمين، وقضى على الشرك والمشركين، حاملًا مشعل الهداية، وسراج الإيمان، ومنارة العدل، وبركات السلام، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۞ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. إنها كلمات مضيئة توضح بجلاء مهام الرسول صلى الله عليه وسلم :  وأولها : شاهد على الأمة أمام الله بعدما أكمل المهمة ونصح الأمة وبلغ الرسالة خير بلاغ . وثانيها : مبشر للمؤمنين بجزيل الثواب في الدنيا والآخرة والنصر والتمكين والثناء الحسن في الدارين إن هم استقاموا على طريق الله تعالى .   وثالثها : نذير لكل من عارض كلمات الله أو رفضها أو عاداها أو تكاسل عنها , مذكر بوعيد الله للكافرين والمنافقين والعصاة بنار لا تطاق.   ورابعها : داعية إلى منهج الله لا يفتر ولا يكل , قضى حياته في سبيل الله منذ بعثه الله إلى أن توفاه.  وخامسها : سراج منير في ظلمات الجهل والشرك والظلم , ينير للخلق دربهم ،ويدلهم على خالقهم ومنهجه القويم وصراطه المستقيم، فمن أطاعه واتبعه ،فله البشرى العاجلة في الدنيا ، والنعيم المقيم في الآخرة , وفضل من الله ورضوان، أما من أبى إلا العناد والاستكبار ،إما ظاهراً وباطناً (من الكافرين) أو باطنا مع نفاقه الظاهر بحركات الإيمان (من المنافقين ) ، فلا ولاء له ولا طاعة ،والأولى عدم الاكتراث بأذاهم ،والتوكل على الله وحده، فهو من يملك الحماية والعافية التامة للمؤمنين، قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)  الأحزاب  [45 – 48]   وقال السعدي في تفسيره : هذه الأشياء، التي وصف الله بها رسوله محمدًا صلى اللّه عليه وسلم، هي المقصود من رسالته، وزبدتها وأصولها، التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: أحدها: كونه {شَاهِدًا }  أي: شاهدًا على أمته بما عملوه، من خير وشر، كما قال تعالى: { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } البقرة 143، وقوله تعالى :   {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} النساء 41،  فهو صلى اللّه عليه وسلم شاهد عدل مقبول. الثاني، والثالث: كونه {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} وهذا يستلزم ذكر المبشر والمنذر، وما يبشر به وينذر، والأعمال الموجبة لذلك. فالمبشَّر هم: المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي الأخرى بالنعيم المقيم. وذلك كله يستلزم، ذكر تفصيل المذكور، من تفاصيل الأعمال، وخصال التقوى، وأنواع الثواب. والْمنْذَرين : هم المجرمون الظالمون، أهل الظلم والجهل، لهم النذارة في الدنيا، من العقوبات الدنيوية والدينية، المترتبة على الجهل والظلم، وفي الأخرى، بالعقاب الوبيل، والعذاب الطويل. وهذه الجملة تفصيلها، ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم، من الكتاب والسنة، المشتمل على ذلك. الرابع: كونه { دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} أي: أرسله اللّه، يدعو الخلق إلى ربهم، ويسوقهم لكرامته، ويأمرهم بعبادته، التي خلقوا لها، وذلك يستلزم استقامته، على ما يدعو إليه، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وذكر أنواع العبودية، والدعوة إلى اللّه بأقرب طريق موصل إليه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإخلاص الدعوة إلى اللّه، لا إلى نفسه وتعظيمها، كما قد يعرض ذلك لكثير من النفوس في هذا المقام، وذلك كله بِإِذْنِ الله تعالى له في الدعوة وأمره وإرادته وقدره. الخامس: كونه {سِرَاجًا مُنِيرًا} وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم. فأصبح أهل الاستقامة، قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة. وقوله تعالى : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} ذكر في هذه الجملة، المبشَّر، وهم المؤمنون، وعند ذكر الإيمان بمفرده، تدخل فيه الأعمال الصالحة. وذكر المبشَّر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدَّارَّة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه.  وهذا مما ينشط العاملين، أن يذكر لهم، من ثواب اللّه على أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع، كما أن من حكمه، أن يذكر في مقام الترهيب، العقوبات المترتبة على ما يرهب منه، ليكون عونًا على الكف عما حرم اللّه. ولما كان ثَمَّ طائفة من الناس، مستعدة للقيام بصد الداعين إلى اللّه، من الرسل وأتباعهم، وهم المنافقون، الذين أظهروا الموافقة في الإيمان، وهم كفرة فجرة في الباطن، والكفار ظاهرًا وباطنًا، نهى اللّه رسوله عن طاعتهم، وحذره ذلك ، فقال تعالى : {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } أي: في كل أمر يصد عن سبيل اللّه، ولكن لا يقتضي هذا أذاهم، بل لا تطعهم {وَدَعْ أَذَاهُمْ} فإن ذلك، جالب لهم، وداع إلى قبول الإسلام، وإلى كف كثير من أذيتهم له، ولأهله. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} في إتمام أمرك، وخذلان عدوك،{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}  تُوكَلُ إليه الأمور المهمة، فيقوم بها، ويسهلها على عبده.     وفي قوله تعالى : (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (46) الاحزاب ، فالسؤال هنا : لماذا وُصِفَ السراج بالإنارة؟ ، قال العلماء : وُصِفَ السِّراجُ بالإنارة؛ لأنَّ من المصابيح ما لا يُضِيء، إذا لم يُوجد به ما يُضيئه من زيت أو ما يُشبهه.   ووُصِفَ السراجُ – أيضاً – بالإنارة؛ لأن من السراج ما لا يضيء إذا قَلَّ زيته، ودقَّت فتيلتُه، وكونه صلى الله عليه وسلم ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 46] ، فهذا يقتضي أن الخلق كانوا – قبل مبعثه – في ظُلمةٍ عظيمة، وليس ثمَّة نور؛ يُهتدى به في هذه الظلمات، ولا علم؛ يُستدل به في هذه الجهالات، حتى جاء اللهُ تعالى بهذا النبي الكريم، فأضاء اللهُ به تلك الظلمات، وعَلَّمَ به من الجهالات، وهدى به ضُلاَّلاً إلى الصراط المستقيم، وأمَدَّ اللهُ بنور نُبوَّتِه نورَ البصائر؛ كما يُمَدُّ بنور السراجِ الأبصار ، فأصبح أهلُ الاستقامة – أعني بهم: المتمسكين بهدي نبيهم وسنته – قد وضَحَ لهم الطريق، فمَشَوا خلف هذا الإمام القائد العظيم صلى الله عليه وسلم، وعرفوا به الخيرَ والشر، وأهلَ السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم سبحانه وتعالى، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة   حامد إبراهيم – خطب منبرية  
    • الشيخ محمود السيد (إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ*وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)آل عمران  22-28     معجزات ودروس غزوة بدر (خطبة) السيد مراد سلامة   عناصر الموضوع: العنصر الأول: معجزات قبل المعركة. العنصر الثاني: معجزات أثناء المعركة. العنصر الثالث: معجزات بعد انتهاء المعركة. العنصر الرابع: الدروس والعبر.       الحمد لله المجيب لكل سائل، التائب على العباد فليس بينه وبين العباد حائل. جعل ما على الأرض زينة لها، وكل نعيم لامحالة زائل. حذر الناس من الشيطان وللشيطان منافذ وحبائل. فمن أسلم وجهه لله فذاك الكيّسُ العاقل، ومن استسلم لهواه فذاك الضال الغافل. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن الشريك وعن الشبيه وعن المشاكل. من للعباد غيره؟ ومن يدبر الأمر؟ ومن يعدل المائل؟ من يشفي المريض؟ من يرعى الجنين في بطن الحوامل؟ من يجيب المضطر إذا دعاه؟ ومن استعصت على قدرته المسائل؟ من لنا إذا انقضى الشباب وتقطعت بنا الأسباب والوسائل؟ لبِسْتُ ثَوبَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا وَقُمْتُ أَشْكُو إِلَى مَولَايَ مَا أَجِدُ! وَقُلْتُ: يَا عُدَّتِي فِي كُلِّ نائبَةٍ وَمنْ عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أعْتَمِدُ! أَشْكُو إِلَيْك أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا مَا لِي عَلَى حِمْلهَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ! وَقَدْ مَدَدتُّ يَدِيْ بِالضُّرِّ مُبْتَهِلًا إِلَيْكَ يَا خَيرَ مَنْ مُدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ! فَلَا تَرُدَّنَّهَا يَا رَبِّ! خَائِبَةً بَحْرُ جُودِكَ يَرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِدُ!   ونصلي ونسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني ومالي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني فكم منزلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومن إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني   ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 69، 70].   أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثاتها بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.       العنصر الأول: معجزات قبل المعركة: اعلم علمني الله وإياك وزادني الله وإياك علما -: أن من المعارك الفصلة التي مكن الله تعالى فيها لحملة رسالته ونصرهم نصرا مبينا غزوة بدر الكبر ولقد سمها الله تعالى بيوم الفرقان فقال الرحيم الرحمن ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنفال: 41].   ومعركة بدر ملحمة من ملاحم الإيمان التي اشتملت على الآيات الباهرات وعلى المعجزات الظاهرات وعلى الدروس الإيمانية والتربوية والأخلاقية فهي بحق ملحمة كبرى.   لماذا غزوة بدر من أعظم الغزوات؟ الجواب بحول الكريم الوهاب: أولاً: لأنها أول غزوة كان لها أثرها في إظهار قوة الإسلام، فكانت بدءَ الطريق ونقطة الانطلاق في انتشار الإسلام. وثانيًا: لأنها رسمت الخط الفاصل بين الحق والباطل، فكانت الفرقان النفسي والمادي والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر، وفيها تجسدت هذه المعاني، فعاشها الصحابة واقعًا ماديًا وحقيقة نفسية، وفيها تهاوت قيم الجاهلية، فالتقى الابن مقاتلاً لأبيه وأخيه والأخ مواجهة لأخيه. وثالثًا: لأن المحرك لها هو الإيمان بالله وحده، لا العصبية ولا القبيلة ولا الأحقاد والضغائن ولا الثأر، وفيها تجلت صور رائعة من الإيمان بالله وصفاء العقيدة وحب هذا الدين     العنصر الثاني: معجزات قبل المعركة: وإليك أخي الحبيب بعض المعجزات التي أيد الله بها الفئة المؤمنة على الفئة الباغية الكافرة (أ) إنزال المطر عليهم: حيث أنزل الله سبحانه من السماء ماء كان رحمة على المؤمنين. قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ﴾ [الأنفال: 11]، فذكر سبحانه أنّه أنزل المطر على المؤمنين لأربعة أسباب: للتطهير من الحدث، ولإذهاب وسوسة الشيطان، ولتثبيت القلوب، ولتلبيد الأرض الرملية في بدر لتثبت عليها أقدام المؤمنين في سيرهم. قال مجاهد: أنزل الله المطر فأطفأ الغبار وتلبدت الأرض وطابت نفوسهم وثبتت أقدامهم، وقال عروة بن الزبير: بعث الله السماء وكان الوادي دهسا « تربته سهلة لينة »، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبّد « جعلها متماسكة » لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا أن يرحلوا معه « أخرجه الطبري بسند حسن ».   وكان نزول المطر سببا في إذهاب وسوسة الشيطان الذي أراد به تثبيط المؤمنين عن القتال بعد احتلامهم بالليل حيث كانوا يصلون مجنبين، فحين نزول المطر وجد الماء الذي اغتسلوا به من الجنابة، وأذهب الله بذلك رجز الشيطان « الدر المنثور ».   ولقد أثبت العلم الحديث أن عضلات القلب عبارة عن ألياف عضلية في شكل خيوط طولية وعرضية تلف القلب، فإذا أفرزت مادة (الأدرينالين) عملت على ارتخاء عضلات القلب وبالتالي ترتخي تلك الألياف والحبال العضلية، كما تعمل على ارتعاش الأطراف، وقد وجد أن من أسرع الوسائل لتخفيض مادة (الأدرينالين) هو أن يرش الجسم بالماء فيربط على القلب بتلك الحبال العضلية بانقباض العضلات، ويزول الارتخاء، كما تثبت الأقدام من ارتعاشها، وصدق الله القائل: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ﴾ [الأنفال: 11].   [ب] تقليل عدد كل فريق في نظر الفريق الآخر: ومن آيات الله في هذه المعركة أن جعل كل فريق يرى عدد الفريق الآخر قليلا، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى وهي أن تتم هذه المعركة وينتصر الحق على الباطل. قال تعالى:﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [الأنفال: 44].   قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين وقلل المشركين في أعين المسلمين.   (جـ) بيان مصارع الكفار: الطبراني عن أنس بن مالك قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله» قال عمر: فو الذى بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التى حدها صلى الله عليه وسلم ، حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا؟! فإني وجدت ما وعدني الله حقّا « أخرجه أبو داود».   (د) إلقاء النعاس على المؤمنين: كان الصحابة على وجل من قلتهم وكثرة عدوهم، فألقى الله عليهم النعاس أمنة منه. قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ [الأنفال: 11] وكذلك حصل في معركة أحد، فقد قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارا، يسقط وآخذه ".   قال ابن كثير رحمه الله: وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم، كما قال: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾ ". وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان.     العنصر الثالث: معجزات أثناء المعركة: و في أثناء المعركة حيث الحديث للسيوف وللرماح حدثت معجزات قاهرات قهرة الكافرين وسددت الموحدين وقلبت موازين المعركة معجزات ظاهرة نذكر إليكم منها:   (أ) إنزال الملائكة للقتال مع المؤمنين: والآيات تثبت ثلاثة أشياء وهي: الأول: وهي نزول الملائكة. والثاني: نزولهم ببشارة المؤمنين بنصر الله تعالى، رفعاً لمعنوياتهم وإعلاء لإيمانهم ودينهم. والثالث: مقاتلة الملائكة مع المؤمنين. ونبدأ بهذه الآية لوضوحها، وهي قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 123 - 126]. وكذلك قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 9 - 10]. وقوله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 12].   عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى المشركين يوم بدر وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فدعا الله سبحانه مادّا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، أن ينصره على المشركين قائلا: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، وأتاه أبو بكر وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله سبحانه قوله:﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9] « أخرجه مسلم ».   فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يثب في الدرع ويقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45] « أخرجه البخاري ». بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدد مواضع قتل المشركين، فيقول: هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا ويضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا ويضع يده على الأرض، فكان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم « أخرجه مسلم ». وأمد الله المسلمين في تلك الغزوة بألف من الملائكة الكرام وأمرهم بالقتال مع المؤمنين وأوحى إليهم أن يثبتوا المؤمنين، ووعد سبحانه أنه سيلقي الرعب في قلوب الكافرين. قال تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ﴾ [الأنفال: 12] قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب « أخرجه البخاري ».   وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط من فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه « أصيب أنفه وضرب.»، وشقّ وجهه، كضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة « أخرجه مسلم ».   وقال أبو داود المازني: إنّي لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنّه قد قتله غيري « أخرجه أحمد ».   (ب) مقتل أمية بن خلف: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: (انطلق سعد بن معاذ معتمرا، قال: فنزل على أمية بن خلف أبى صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت؟، فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟!، فقال سعد أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا، وقد آويتم محمدا وأصحابه؟!، فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبى الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدا - صلى الله عليه وسلم - يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟!، قال: نعم. قال والله ما يكذب محمد إذا حدث. فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟، قالت: وما قال؟، قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو الله ما يكذب محمد. قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟، قال: فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم، فقتله الله) رواه البخاري.   (ج) سيف عكاشة رضي الله عنه: ومن المعجزات النبوية التي أكرم الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر ما ذكره ابن القيم في كتبه زاد المعاد: " أن سيف عُكَّاشة بن محصن انقطع يومئذ، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - جذلا من حطب، فقال: (دونك هذا )، فلما أخذه عكاشة وهزه، عاد في يده سيفًا طويلاً شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر ".   (د) رد عن رفاعة رضي الله عنه: وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن رفاعة بن رافع - رضي الله عنه - قال: " لما كان يومُ بَدرٍ تجَمَّع الناسُ على أُبَيِّ بن خلف، فأقبَلْتُ إليه فنظرتُ إلى قطعة من دِرعِهِ قدِ انقَطعَتْ من تَحتِ إِبِطهِ، قال فطَعنتُهُ بالسَّيف فيها طعنة، ورُمِيتُ بسهم يوم بدر فَفُقِئَتْ عَينِي، فَبصق فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا لي، فما آذاني منها شيء ". أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.     العنصر الرابع: معجزات بعد انتهاء المعركة: سماع المشركين كلام النبي صلى اللهُ عليه وسلم وخطابه وهم أموات في القليب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي طلحة رضي اللهُ عنه: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، يَا فُلاَنُ ابْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ: "أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟" قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ"، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا".        الدروس والعبر: قد كانت غزوة بدر آية من الآيات الدالة على قدرة رب الأرض والسماوات آية في إحقاق الحق وإبطال الباطل آية قابت موازين البشر التي تقول: أن الغلبة للقوة والغلبة للعدة، آية في التضحية والفداء، آية في الولاء والبراء، آية في الوفاء ، آية في الطاعة والانقياد.. هيا أخي المسلم لنستلهم الدروس والعبر..   أولاً: حقيقة النصر من الله تعالى: اعلموا عباد الله أن النصر ليس إلا من عند الله تلك الحقيقة التي سطرها الله تعالى في تلك الغزوة تعالى في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 10]. فالله هو الناصر والنصير وهو ذو القوة والجبروت.   في هاتين الآيتين تأكيد على أن النصر لا يكون إلا من عند الله عز وجل، والمعنى: ليس النصر إلا من عند الله دون غيره، و(العزيز) أى: ذو العزة التي لا ترام و(الحكيم) أي: الحكيم فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته سبحانه وتعالى.   ويستفاد من هاتين الآيتين: تعليم المؤمنين الاعتماد على الله وحده، وتفويض أمورهم إليه مع التأكيد على أن النصر إنما هو من عند الله وحده، وليس من الملائكة أو غيرهم، فالأسباب يجب أن يأخذ بها المسلمون، لكن يجب أن لا يغتروا بها، وأن يكون اعتمادهم على خالق الأسباب حتى يمدهم الله بنصره وتوفيقه، ثم بين سبحانه مظاهر فضله على المؤمنين، وأن النصر الذي كان في بدر، وقتلهم المشركين، ورمي النبي صلى الله عليه وسلم المشركين بالتراب يوم بدر إنما كان في الحقيقة بتوفيق الله أولاً وبفضله ومعونته. وبهذه الآية الكريمة يربي القرآن المسلمين ويعلمهم الاعتماد عليه، قال تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 17]. ولما بيَّن سبحانه وتعالى أن النصر كان من عنده، وضح بعض الحكم من ذلك النصر، قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 127، 128].   ثالثًا: الولاء والبراء من فقه الإيمان: هذه هي غزوة الولاء والبراء فقد تجلت تلك الحقيقة على ارض الواقع في ميدان المعركة فقد التقى الإباء مع الأبناء والإخوة مع الإخوة والأبناء مع أعمامهم وأخوالهم فلم يمنعهم ذلك من إحقاق الحق ونصرة الدين فالوشيجة ليست وشيجة العرق ولا الدم ولا اللون ولا اللغة ولا الوطن وإنما الوشيجة هي وشيجة الإيمان بالله تعالى.   رسمت غزوة بدر لأجيال الأمة صورًا مشرقة في الولاء والبراء، وجعلت خطًا فاصلاً بين الحق والباطل، فكانت الفرقان النفسي والمادي والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر، وفيها تجسدت هذه المعاني، فعاشها الصحابة واقعًا ماديًّا وحقيقة نفسية، وفيها تهاوت القيم الجاهلية.   و إليك بيان ذلك فالتقى الابن بأبيه والأخ بأخيه: 1- كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة في صف المسلمين، وكان أبوه عتبة وأخوه الوليد وعمه شيبة في صف المشركين، وقد قتلوا جميعًا في المبارزة الأولى.   2- كان أبو بكر الصديق في صف المسلمين. وكان ابنه عبد الرحمن في صف المشركين.   3- كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز بن عمير في صف المشركين، ثم وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يدك به فإن أمه ذات متاع، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصيتك بي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك، تلك كانت حقائق وليس مجرد كلمات: إنه أخي دونك إنها القيم المطروحة لتقوم الإنسانية على أساسها، فإذا العقيدة هي آصرة النسب والقرابة وهي الرباط الاجتماعي.   4- كان شعار المسلمين في بدر (أَحَدٌ، أَحَدٌ) وهذا يعني أن القتال في سبيل عقيدة تتمثل بالعبودية للإله الواحد، فلا العصبية ولا القبلية، ولا الأحقاد والضغائن، ولا الثأر هو الباعث والمحرك، ولكنه الإيمان بالله وحده.   رابعًا: أن الدعاء من أعظم أسباب النصر على الأعداء، قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9]. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويستغيث به كلما نزل به كرب أو شدة، كما حدث في غزوة بدر.   خامسا: إن الإخلاص والصدق من أسباب النصر على الأعداء، قال تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وهذا ما حدث في غزوة بدر، فإن المؤمنين لما صدقوا مع الله، وأخلصوا له كان النصر حليفهم.   سادسا: أن الشيطان يحسن للإنسان المعاصي، ويزينها له، فإذا وقع فيما يريد تخلى عنه، وهذا ما حدث في غزوة بدر، فإن الشيطان زين لكفرة قريش الخروج لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تولى عنهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 48].   سابعا: الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين، وقد حث الله ورسوله عليهما، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لأصحابه عندما قال حذيفة ابن اليمان وأبوه للنبي صلى الله عليه وسلم: أخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: "انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم".   ثامنا: أن المؤمن قد يكره الشيء ويكون خيراً له، وهذا ما حدث في هذه الغزوة، عندما كره فريق من المؤمنين، انفلات العير، والمواجهة مع المشركين في معركة حاسمة، لم يتهيؤوا لها، لا بالعدد ولا بالعدة، وقد جعل فيها خيراً كثيراً، فقتل سبعون من المشركين، وأسر سبعون، وكانت ضربة قاصمة لقريش.   تاسعا: أن النصر بالملائكة ليس خاصاً بأهل بدر، ولكنه عام لكل من جمع هذه الشروط الثلاثة، وهي الإيمان والصبر والتقوى، لقوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]. ولقوله: ﴿  بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125].   عاشرا: أن الانتصار للتقوى فان غابت التقوى كان الانتصار للأقوى: وتلك سنة الله التي لا تحابي أحدا وهي ما سطرها ابن رواحة رضي الله عنه (يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة؛ ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا؛ فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة).   السيد مراد سلامة شبكة الألوكة  
    • العلوم التي تشملها آية(قل هل يستوي الذين يعلمون..)   السؤال هل يتضمن المقصود من العلماء في آية هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون العلماء في مجالات الحياة غير العلم الشرعي كعلماء الطب و الهندسة و غيرها مع الالتزام طبعا بتقوى الله. الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فلا شك في أن قول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. والآيات الأخرى والأحاديث التي تحث على العلم، تتنزل ابتداء على طلب العلم الشرعي، لأنه أفضل العلوم وأشرفها. قال محمد بن مفلح في الآداب الشرعية: أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام. وفي رسالة ابن أبي زيد القيرواني: وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه، ودعا إليه وحض عليه في كتابه، وعلى لسان نبيه، والتفقه في ذلك والتفهم فيه والتهمم برعايته والعمل به... ومع ذلك فالعلوم الدنيوية النافعة التي فيها خدمة للأمة وإعانة لها على أمور دينها ودنياها كالطب والهندسة وغيرهما، إذا التزم أصحابها بالتقوى هي مما تشمله الآية الكريمة. وأما العلوم التي لا تشملها تلك الآية، والتي وردت مذمتها في كتاب الله، فهي التي كان أهلها في غفلة عن الآخرة. قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ {الروم: 6-7}. والله أعلم.     تفسير قوله تعالى (لقد من الله على المؤمنين..) السؤال أريد شرح" لقد من الله " الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد وردت الجملة المذكورة بهذا اللفظ في موضع واحد من كتاب الله عز وجل في سورة آل عمران الآية 164. قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . كما جاء هذا المعنى في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، منها قول الله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ {البقرة: 151}. وقال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ {التوبة: 128} وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {الجمعة: 2} فهذه الآيات وما أشبهها توضح بجلاء هذه المنة العظيمة التي امتن بها المنان الكريم سبحانه وتعالى على البشرية كلها ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم وعلى المؤمنين خاصة لتمام المنة عليهم. وقال الألوسي رحمه الله: لقد من الله: أي أنعم وتفضل وأصل المن القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية. اهـ. قال أهل التفسير: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هذا جواب قسم محذوف وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون ببعثته ووجه المنة ببعثته صلى الله عليه وسلم أنهم يفهمون كلامه ويفقهون ما يقول فلا يحتاجون إلى ترجمان، وأنهم يأنسون به بجامع البشرية ولو كان ملكا لم يحصل لهم به كمال الأنس لاختلاف الجنس ويستطيعون الاقتداء به في عباداته وأخلاقه كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ {الأحزاب: 21} والله أعلم.    
    • تفسير (ذلك لمن خشي العنت..)   السؤال أولاً: جزاكم الله خيرا على هذا الموقع الرائع وخاصة الاستشارات والفتاوى.
      لقد ورد في كتاب الله العزيز قوله تعالى {ذلك لمن خشي العنت منكم} فأريد أن أسأل إن كان شاب في سن الزواج لا يستطيع الزواج الآن فكم من الوقت قد يمضي دون زواج قبل أن يصيبه العنت، لأن الأمر قد يطول والله أعلم فوحده بيده الرزق. الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد قال العيني في عمدة القاري في معنى "العنت": هو الإثم والضرر بغلبة الشهوة. هكذا فسره الثعلبي. ويقال العنت الزنى، وهو في الأصل المشقة. وقال الفتوحي في حسن الأسوة: العنت أي الوقوع في الإثم. وقيل الزنى، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنى من العقاب الدنيوي والأخروي. وقال مالك في الموطأ: العنت هو الزنى. وقال البيهقي: هو الفجور. قال القرطبي: ومن خشي على نفسه العنت والضرر بالوقوع في المعصية وجب عليه الزواج إذا كان يستطيعه ولا يكسر شهوته إلا به. انتهى بتصرف. إذن معنى العنت في الآية هو الزنى والوقوع في المعصية بسبب غلبة الشهوة، ولا وقت محدد في الشرع لحصول ذلك، بل متى وجد المرء من نفسه غلبة شهوته وتوقان نفسه إلى النساء وخشي من الوقوع في الزنا وجب عليه الزواج إذا استطاع، فإن لم يستطع فعليه بالصوم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. ولا ينبغي أن يكون الفقر عائقًا دون ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وعد طالبي العفاف بالغنى؛ كما في قوله: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {النــور:32}. وعند النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة حق الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. وحسنه الألباني، وأخرجه عبد الرزاق، وذكر القرطبي في تفسيره أن عمر رضي الله عنه قال: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال تعالى: إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. وذكر ابن كثير في تفسيره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى. والله أعلم.     العدد الذي لا يجوز الفرار منه عند القتال   السؤال هل يفهم من الآية الكريمة في سورة الأنفال رقم 65 تحديد النسبة أو النصاب الأعلى والأدنى لخوض معركة مع الأعداء؟ الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن الآية المشار إليها هي قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ {الأنفال:65}، كان هذا في بداية الأمر فكان على الواحد من المسلمين أن يقاتل عشرة من المشركين وعلى العشرة أن يقاتلوا مائة وهكذا، فلا يجوز الفرار أمام المشركين إذا كان العدد بهذه النسبة، ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها وخفف الحكم بأن يقاتل الواحد منهم اثنين من المشركين، فنزل قول الله تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {الأنفال:66}، ففي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين. شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف فقال الله تعالى: الآن خفف الله عنكم... قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. ولذلك فالآية كانت تحدد النسبة التي لا يجوز للمسلمين الفرار منها إذا لم يتجاوزها الكفار. والله أعلم.      
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182745
    • إجمالي المشاركات
      2536667
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×