اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58936
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180950
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8527
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53313
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21029
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32417
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38793 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)
        مِن البئر إلى القصر! كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
        مقدمة:
      - تذكير مجمل بما سبق مِن إلقاء إخوة يوسف -عليه السلام- له في البئر، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب قد أكله!
      - الإشارة إلى أن الأحداث التالية فيها بداية التمكين ليوسف -عليه السلام-، وإن كانت تحمل مِن الآلام ما تحمل، فكثير مِن الآمال لا تتحقق إلا بعد الآلام: قال الله -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).
      - الإشارة إلى أن الآيات مِن سورة يوسف -عليه السلام- هذه المرة تتلخص في ثلاثة مشاهدة.
      المشهد الأول: مِن البئر إلى الرق:
      - قال الله -تعالى-: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) (يوسف:19-20).
      - ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن قصة يوسف -عليه السلام- حين وُضع في البئر أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به حتى جاءت قافلة مِن المسافرين مِن الشام إلى مصر، فأرسلوا بعضهم ليستقوا مِن ذلك البئر، فلما أدلى دلوه تعلق فيه يوسف -عليه السلام-، فلما رآه ذلك الرجل قال: يا بشراي، هذا غلام جميل، آية في البهاء والجمال، وأسره هو وآخر عن بقية الركب، وكان إخوة يوسف يترقبون المشهد، فلما استشعروا بأخذ السيارة له، لحقوهم، وقالوا هذا غلام أبق منا، وإن شئتم بعناه لكم ونحن فيه مِن الزاهدين، فاشتروه منهم بثمن بخس دراهم قليلة!
      - وقفة: لكَ أن تتصور حمل القافلة لأعظم طفل في العالم على أنه سلعة تباع وتشترى كالحيوان والمتاع! ولك أن تتصور مشهد مفارقة هذا الطفل لوطنه ولأبيه وأمه ومراتع صباه إلى مصير مجهول في سوق العبيد والرقيق! ولكن... (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
      - (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته، وبما أسره واجده مِن أنه بضاعة لهم، ومع هذا لا يغيره -تعالى-؛ لما في ذلك مِن الحكمة العظيمة والقدر السابق، والرحمة بأرض مصر، بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد ذلك يملكه أزمة الأمور، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف" اهـ.
      - فائدة في سؤال: لماذا سكت يوسف -عليه السلام- ولم يظهر الحقيقة؟ والجواب: أنه اختار أخف الضررين، فقد علم أنه إذا رجع قتلوه، وهو الأغلب، فبلاء أهون مِن بلاء، وظلم أهون مِن ظلم.
        المشهد الثاني: مِن الرق إلى القصر:
      - قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).
      - ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام- حين جُعل في سوق العبيد؛ كيف دبَّر الله -تعالى- له بلطفه ألا يشتريه إلا رئيس الوزراء الذي ألقى الله في قلبه محبة يوسف -عليه السلام- حتى اتخذه ولدًا له، وكان عقيمًا لا ولد له، وأن ذلك كان أول التمكين ليوسف -عليه السلام- في أكبر ممالك الأرض يومئذٍ.
      - (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا): قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى -عليه السلام-: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) (القصص:26)، وأبو بكر الصديق حينما استخلف عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-" (أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح).
      - (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ): بهذا البلاء وهو الإلقاء في البئر، ثم الوقوع في الرق والعبودية، والحرمان مِن الأبوين، ومِن الوطن والعشيرة؛ قدرناه سببًا لتمكين يوسف -عليه السلام- ونشر دينه في الأرض؛ فلعل فيما تكرهون خيركم وأنتم لا تعلمون.
      - (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي إذا أراد شيئًا فإنه يقيض له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد".
      - وقفة: كان مِن الممكن أن يقع يوسف -عليه السلام- في يد مَن لا يعرف قدره، ولكن الله يقيض أمورًا وأسبابًا لا يهتدي إليها العباد، ومِن نظائره: قصة خشبة الرجل الأمين، وكيف وصلت الخشبة إلى صاحب الدين دون غيره، وكيف أخرج الله صاحب الدين في وقت وصولها؟!
        المشهد الثالث: محنة امرأة العزيز:
      قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ . وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) (يوسف:22-29).
      - ملخص ما جاء في الآيات: دار الزمان والأيام، وأصبح يوسف شابًا بديع الجمال والبهاء، وهو يعيش في بيت العزيز مع امرأته الشابة، وهي في غاية الجمال والمنصب والشباب، وهى بمثابة الأم له، ولكن غلبتها نفسها التي عاشت حياة المُلك والرفاهية والشهوات، وهكذا أكثر أهل هذه الطبقات (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد:12).
      - (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ): المرأة توفر كل أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، ثم أضف إلى ذلك: الدواعي التي تدفع إلى ذلك، ومنها: أن يوسف -عليه السلام- كان شابًا وعزبًا وغريبًا، وكانت المرأة صاحبة جمال شديد، ومنصب فريد، وهي الطالبة!
      - ولكن... يوسف -عليه السلام- سيد النجباء والأتقياء السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ).
      - وأما قوله -تعالى-: (وَهَمَّ بِهَا) فعلى قولين:
      الأول: لم يقع الهم منه ألبتة، وتقديره كما تقول العرب: "لقد قارفت الذنب لولا أن عصمك الله".
      والثاني: مالت نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية، ومنعه دينه وتقواه، كما يميل الصائم إلى الماء البارد في الحر؛ فيمنعه دينه وتقواه.
      - وقفة: تأمل كيف تناول القرآن مشهدًا مليء بالفتنة في أحسن عبارة وألطف إشارة دون جرح المشاعر وإثارة الغرائز، لا كما هو حال كتبهم وأدبهم المزعوم.
      - (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ😞 قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ , يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
        تابع المشهد الثالث: حضور العزيز:
      - قال الله -تعالى-: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).
      - ملخص الآيات: لقد استمكنت الفتنة والشهوة مِن المرأة حتى إنها لم تسمع بقدوم زوجها، وهو الذي تصحبه المواكب عادة، وظلت تطارد يوسف -عليه السلام- في ذل ومهانة حتى قطعت ثيابه مِن شدة جذبه عند الباب، ثم دار ما دار مِن الحوار الذي أظهر الله به الحق، ولكن دياثة العزيز كانت سببًا في أحداث مؤلمة تأتي بعد ذلك.
      - (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ): إن مخالطة أهل المعاصي والنظر في وجوههم بلاء يجب الفرار منه، انظر إلى دعوة أم جريج غضبًا عليه: (اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ ) (متفق عليه)؛ فكيف بمن يستجلب على نفسه ذلك: "الشواطئ، والأفلام، ونحوها!"؟!
      - (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): اتهمته وهي المتهمة، وجعلت تملي على زوجها الأوامر.
      - (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي): دفاع مشروع، وسكوت لا يسوغ؛ لأنه يؤثر على دينه، بخلاف سكوته على ظلم إخوته.
      - (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا): الله يقيض شاهدًا منصفًا ليفضح كذب المرأة.
      - (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ): هكذا انشغال الطبقة المترفة بالمظاهر والوجاهات ولو على حساب الدين والشرف.
      - المسكِّنات لا تداوي ولا تعالِج الأمراض والجروح، وستنفجر بعد قليل: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يوسف:30).
      وهذا ما سيأتي الحديث عليه في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.
    • قال سُبحانَه فيمن ينقُلُ عن المُؤمِنين والمُؤمِناتِ ما لم يفعلوه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58] .


      قال ابنُ كثيرٍ: (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وهذا هو البَهتُ البَيِّنُ؛ أن يحكيَ أو ينقُلَ عن المُؤمِنين والمُؤمِنات ما لم يفعلوه، على سَبيلِ العَيبِ والتَّنقُّصِ لهم، ومِن أكثَرِ مَن يدخُلُ في هذا الوعيدِ الكَفَرةُ باللهِ ورسولِه، ثمَّ الرَّافضةُ الذين يتنقَّصون الصَّحابةَ ويعيبونهم بما قد برَّأهم اللهُ منه، ويصفونهم بنقيضِ ما أخبرَ اللهُ عنهم) .


      وقال الطَّبَريُّ: (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا يقولُ: فقد احتملوا زُورًا وكَذِبًا وفريةً شنيعةً، وبُهْتَانًا: أفحَشَ الكَذِبِ، وَإِثْمًا مُبِينًا يقولُ: وإثمًا يَبينُ لسامِعِه أنَّه إثمٌ وزورٌ)

      - قال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: (البُهتانُ: أن تقولَ ما ليس فيه)

      - وقال فُضَيلٌ: (في آخِرِ الزَّمانِ قومٌ بهَّاتون عيَّابون، فاحذَروهم؛ فإنَّهم أشرارُ الخَلقِ، ليس في قلوبِهم نورُ الإسلامِ، وهم أشرارٌ، لا يرتَفِعُ لهم إلى اللهِ عَمَلٌ)

      قال السَّمَرقَنديُّ: (ليس شيءٌ من الذُّنوبِ أعظَمَ من البُهتانِ، فإنَّ سائِرَ الذُّنوبِ يحتاجُ إلى توبةٍ واحدةٍ، وفي البُهتانِ يحتاجُ إلى التَّوبةِ في ثلاثةِ مواضِعَ. وقد قَرَن اللهُ تعالى البُهتانَ بالكُفرِ، فقال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج: 30] ) .

      وعَدَّ الهيتمي البَهتَ من الكبائِرِ، قال: (الكبيرةُ الرَّابعةُ والخمسون بعدَ المائتينِ: البَهتُ، لِما في الحديثِ الصَّحيحِ... في الغِيبةِ: ((فإنْ لم يكُنْ فيه فقد بَهَتَّه)) . بل هو أشَدُّ من الغِيبةِ؛ إذ هو كَذِبٌ، فيَشُقُّ على كُلِّ أحدٍ، بخلافِ الغِيبةِ لا تَشُقُّ على بعضِ العُقَلاءِ؛ لأنَّها فيه) .

      الدرر السنية

    • عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، سقاه الله من ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، وليس بخارج، وردغة الخبال عصارة أهل النار. والحديث صححه الألباني.

      مَن حالَت شفاعتُهُ دونَ حدٍّ من حدودِ اللَّهِ فقَد ضادَّ اللَّهَ ، ومَن خاصمَ في باطلٍ وَهوَ يعلمُهُ ، لم يزَلْ في سَخطِ اللَّهِ حتَّى ينزِعَ عنهُ ، ومَن قالَ في مؤمنٍ ما ليسَ فيهِ أسكنَهُ اللَّهُ رَدغةَ الخبالِ حتَّى يخرجَ مِمَّا قالَ
      الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح أبي داود
      الصفحة أو الرقم: 3597 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
      التخريج : أخرجه أبو داود (3597)، وأحمد (5385)

      مَن استَخْدَم نِعَمَ اللهِ عزَّ وجلَّ في الباطِلِ، فقَد عرَّضَ نفسَه لعُقوبةٍ شديدةٍ، وفي هذا الحديثِ يُحذِّرُنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم مِن ذلك فيَقولُ: "مَن حالَت شَفاعتُه دُونَ حدٍّ مِن حدودِ الله"، أي: مَن استَخْدَم وَساطتَه في تَعطيلِ إقامةِ حدٍّ مِن حُدودِ اللهِ، "فقد ضادَّ اللهَ"، أي: خالَفَ أمرَ اللهِ.

      "ومَن خاصَمَ في باطلٍ وهو يَعلَمُه"، أي: جادَلَ في أمرٍ يَعلَمُ أنَّه غيرُ حقٍّ، "لم يَزَلْ في سخَطِ اللهِ حتَّى يَنزِعَ عَنه"، أي: في غضَبٍ مِنَ اللهِ حتَّى يَترُكَ هذه المُخاصَمةَ.

      "ومَن قال في مؤمنٍ ما ليسَ فيه"، أيِ: افتَرى عليه ، "أسكَنَه اللهُ رَدْغةَ الخَبالِ"، والرَّدْغةُ: الوَحْلُ الكَثيرُ، والخَبالُ: الفاسِدُ، والمرادُ: أنَّ اللهَ يُعذِّبُه بِعُصارةِ أهلِ النَّارِ وصَديدِهم، "حتَّى يَخرُجَ ممَّا قال"؛ وذلك بأَن يَتوبَ ويَستَحِلَّ ممَّن قالَ فيه ذلك.

      إذاً الأمر خطير، والمسألة ليست كما يظن الناس؛ فلا يجوز للإنسان أن يقول في الناس ما يشاء، وأن ينسبهم إلى الضلال أو البدع أو الكبائر، فإنه يقول الكلمة لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار سبعين خريفاً كما في الحديث، ومثل هذه الكلمة التي يقولها الإنسان لا يكفرها إلا أن يستعفي ممن

      قال فيه، وأن يستغفر من ذلك، وأن ينشر ذلك كما نشر هذه الرذيلة، وهنا يكون الأمر في غاية الصعوبة.
          ولقد كان السلف الصالح في هذه القضية على ضربين: فمنهم من نظر إلى حال من اغتابه وافترى عليه وتكلم فيه، ونال من عرضه نظرة الإشفاق والعطف، وقال: هذا مؤمن وهذا مسلم، ولا أريد أن أقف يوم القيامة بين يدي ربي مع مؤمن ولو ساعة أو لحظة، فقال: كل من تكَّلم في عرضي من المؤمنين فهو في حل.   ومنهم من كان على النقيض من ذلك، ومنهم سعيد بن المسيب كان يقول: 'والله لا أحل ما حرَّم الله، فالله حرَّم عرضي وحرم غيبتي فلا أحلها لأحد، فمن اغتابني فأنا أقاصه يوم القيامة ' .   ولا سيما مع شدة حاجة الإنسان يوم القيامة إلى الحسنات، وربما كان هؤلاء المغتابون والطاعنون والمفترون من ذوي العبادة والجهاد والصلاة، ولكن وقعوا في أعراض الناس ولم يتنبهوا لهذه الديون، وهذا الخطأ الذي لا يتنبه إليه كثيرٌ من الناس، ولذلك يقول: أنا أولى بأن آخذ من حسناتهم مقابل ما أخذوا من عرضي في هذه الدنيا.

      شبكة الالوكة  
    • صفات عباد الرحمن (10) ملازمة التوبة

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الإشارة إلى الشاهد من الآيات للصفة: قال -تعالى-: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان:70-71).
      - التفسير الإجمالي للآيتين: أن من صفات عباد الرحمن أنهم إذا اقترفوا معصية بحكم ضعفهم البشري، أقلعوا وتابوا وندموا.

      (1) الخطأ طبيعة البشر:
      - عباد الرحمن بشر يخطئون، لكنهم ممدوحون بالإسراع بالتوبة وملازمتها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:135)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ" (رواه الترمذي والبيهقي).
      - لأن الغفور الغفار، العفو الرحيم رغَّب عباده في التوبة، والمسارعة إليها والتزامها مهما عظمت وكثرت الذنوب: قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)، وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه:82)، وقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى:25)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).
      - وجعل جزاء التائبين اعظم الجزاء في الدنيا والآخرة: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12)، وقال عن الآخرة: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران:136)، وقال -تعالى-: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان:70).


      (2) المقصود بتبديل السيئات إلى حسنات:
      مجمل كلام المفسرين في التبديل على وجهين:
      - الأول: التبديل يكون في الدنيا، بأن تتبدل أفعالهم وأقوالهم التي كانت مستعدة لعمل السيئات، تتبدل حسنات، فيبدلهم شركهم إيمانًا، ومعصيتهم طاعة، فهي بشارة لهم بأنه سيوفقهم للأعمال الصالحة.
      - الثاني: التبديل يكون في الأخرة، بأن تبدل نفس السيئات التي عملوها، ثم أحدثوا عن كل ذنب توبة وطاعة، تتبدل الى حسنات، كما هو ظاهر الآية (تفسير السعدي).


      وقفة مع القول الأول:
      - عليه طائفة من السلف -رحمهم الله-: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- والحسن ومجاهد وقتادة، وغيرهم: "فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا" (تفسير البغوي، تفسير الرازي، الدر المنثور للسيوطي).
      - كم مِن ذنوب أحدثت توبة صادقة، وتبدل بها حال أصحابها إلى خير حال: توبة كعب بن مالك وصاحبيه، وأثرها بعد ذلك: قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ... ) (متفق عليه) - سميت السورة بذلك تعظيمًا لشأن توبتهم - نزل القرآن يصف عظيم توبتهم وتبدل حالهم - قصتهم تتلى في المحاريب وهم أحياء يرزقون!
      - توبة عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وغيرهم: قالوا: "أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أُنْفِقُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا قِتَالا كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، الطبقات الكبرى لابن سعد)(1).
      - توبة الفضيل بن عياض -رحمه الله-: قال: "والله لأجتهدن ألا أعصي الله أبدًا"، وقال: "وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام".


      وقفة مع القول الثاني:
      - عليه طائفة من السلف -رحمهم الله-: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله السيئات حسنات"، وروي معناه عن سلمان الفارسي، وسعيد بن جبير، وغيرهما (تفسير القرطبي).
      - لا يبعد في كرم الله -تعالى- إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة(2): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا " فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) (رواه مسلم).
      - حديث أَبِي طَوِيلٍ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: (فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟) قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (نَعَمْ، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ)، قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى" (رواه البزار، والطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني).


      (3) أمور تعين على ملازمة التوبة:
      - الإخلاص لله: فإنه يحصن العبد من الزلل: قال -تعالى-: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف:24).
      - العلم الشرعي وحضور مجالس الذكر فإنه يزيد الإيمان والخشية ويجلب المغفرة: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث المجالس عن الله -عز وجل- أنه يقول للملائكة: (فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) (متفق عليه).
      - مجاهدة النفس والابتعاد عن مواطن المعاصي وأسبابها والحرص على مواطن الطاعة وأسبابها: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).
      - استحضار أضرار المعاصي وعقوبتها في الدنيا: (سخط الخالق - ضيق الرزق - تعسير الأمور وقلة التوفيق - سواد الوجه - ظلمة القلب): قال -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى:30).
      - الخوف من الموت قبل التوبة واستحضار عاقبة ذلك في الآخرة: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:99-100)، وقال -تعالى-: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر:37).


      خاتمة:
      - ملازمة التوبة من صفات عباد الرحمن، بل كان سيدهم المعصوم -صلى الله عليه وسلم- يلازم التوبة والاستغفار ليل نهار: قال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) (رواه مسلم وأحمد واللفظ له).
      فاللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
      (1) قتل عكرمة -رضي الله عنه- يوم اليرموك، وقتل سهيل بن عمرو -رضي الله عنه- شهيدًا في طاعون عمواس.
      (2) قاله القرطبي في التفسير. قلتُ: وهذا يكون باعتبار أنه لما أحدث عن كل ذنب توبة فقد أتى حسنة، وبذلك يكون التبديل. والله أعلم.

       
    • أهمية الذكر في حياة المسلم:
      أيها المسلمون، إن ذكر الله تعالى من أعظم الوسائل التي تعمر بها القلوب، وتزكو بها النفوس، وتستقيم بها الحياة؛ فهو النور الذي يبدد ظلمات الغفلة، والروح التي تبعث الحياة في القلوب، والزاد الذي لا ينفد، والأُنْس الذي لا يزول، والسكينة التي لا تُضاهيها سكينة.

      إنه بابٌ عظيمٌ من أبواب القرب من الله، به تأنس الأرواح، وتطمئن القلوب، وتستقيم الجوارح، وتسمو النفوس عن دنايا الدنيا.

      فما خاب عبدٌ جعل لسانه رطبًا بذكر الله، ولا شقي قلبٌ عمره بالتسبيح والتحميد والاستغفار.

      إن القلوب لا تحيا ولا تستقيم إلا بذكر الله؛ فإذا غفلت قسَتْ، وإذا بعدت ضاقت، وإذا هجرت الذكر اضطربت، وإن تزينت لها الدنيا بأسرها.

      مكانة الذكر في القرآن والسنة:
      أيها المسلمون، إن المتأمل في كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم يجد آياتٍ كثيرةً تُبيِّن مكانة الذكر الرفيعة، وفضله العظيم، وأثره المبارك في الدنيا والآخرة؛ فقد أمر الله سبحانه عباده بالإكثار من ذكره، فقال جل شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41-42]، ووعد الذاكرين بأن يذكرهم، فقال سبحانه: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، وأمر عباده أن يكون ذكرهم له عن خشوعٍ وخضوعٍ واستحضارٍ لعظمته، فقال عز وجل: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، وبيَّن سبحانه عظم شأن الذكر ومكانته، فقال سبحانه: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]، وجعل كثرة الذكر من صفات المؤمنين الصادقين، فقال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، ووعد الذاكرين والذاكرات بالمغفرة والأجر العظيم، فقال جل وعلا: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]، وبيَّن سبحانه الأثر العظيم للذكر في حياة القلوب، وأنه سبيل الطمأنينة والسكينة، فقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

      وفي السُّنَّة النبوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِندَ مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟! قالوا: بَلَى، قال: ذِكْرُ اللهِ))؛ رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع.


      الذكر كنزٌ مدخرٌ:
      أيها المسلمون، إنَّ الذكر كنزٌ مُدَّخر، وذُخرٌ لا يبيد، وعطاءٌ لا ينفد، ومنحةٌ إلهيةٌ تُغني القلب قبل الجوارح، وتسمو بالروح قبل البدن، امتدح الله أهل الذكر والتفكُّر، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191].

      إنه الكنز الذي لا يحتاج إلى مالٍ ولا سلطانٍ، ولا يُشترى بثمن، ولكنه يُنال بصدق الإقبال على الله، وكثرة اللجوء إليه، واستحضار عظمته في السر والعلن، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنفال: 2].

      إن القلب إذا خلا من ذكر الله قسا، وإذا امتلأ بذكره حييَ واطمأنَّ وسكن؛ ولذلك شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم الذاكر بالحَيِّ، والغافل بالميت، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))؛ روى الشيخان.

      ذكر الله أفضل الأعمال وأزكاها، وهو الوصية الجامعة من النبي لأصحابه، فقد أخرج الترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي عن عبدالله بن بُسْر رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبَّث به قال: ((لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله)).


      إن ذكر الله خطوتك الأهم لحماية حياتك الزوجية والأسرية، إنه السياج الحافظ، إنه القرب من الرحمن الرحيم، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله، أنه سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)).

      ذكر الله سبب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُم الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُم اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)).


      فيا لها من منزلة! أن يذكرك الله في الملأ الأعلى، وأنت تذكره في الأرض.

      إنَّ الذاكرين هم السابقون يوم القيامة، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ: ((سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ))، قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ)).


      والذاكرون هم أهل الكرم يوم القيامة؛ فعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقولُ اللهُ جلَّ وعلا: سيعلَمُ أهلُ الجمعِ اليومَ مَن أهلُ الكرَمِ. فقيل: مَن أهلُ الكرَمِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: أهلُ مجالِسِ الذِّكرِ في المساجِدِ))؛ صحيح ابن حبان، بل هم أهل الجنة، فقد روى الإمام أحمد والمنذري وغيرهما بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما غنيمةُ مجالسِ الذِّكرِ؟ قال: ((غنيمةُ مجالسِ الذِّكرِ الجنَّةُ))؛ (صححه الألباني).


      الغفلة عن ذكر الله وآثارها:
      أيها المسلمون، إن من أعظم ما يُهلك القلوب ويُقسِّيها الغفلة عن ذكر الله تعالى، فإن القلب إذا خلا من ذكر الله لم يبقَ فيه نور الهداية، ولا سكينة الإيمان، بل يمتلئ قسوةً واضطرابًا وضيقًا، وإن ظهر لصاحبه أنه في سعةٍ من الدنيا، قال الله تعالى محذرًا من حال الغافلين: ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، والغفلة عن الذكر سببٌ لضيق الصدر وتعاسة القلب، ولو توافرت أسباب الدنيا كلها، قال سبحانه: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 124].

      والغفلة عن ذكر الله لها آثار عظيمة على النفس والحياة؛ فهي تجلب الشيطان، وتُسخط الرحمن، وتنزل الهمَّ والغمَّ في القلب، وتبعدُ عنه الفرحَ والسُّرورَ، وتُبلِّدُ الذِّهن، وتسدُّ أبوابَ المعرفة، وتبعد العبد عن اللّه- عزَّ وجلَّ- وتجرُّه إلى المعاصي، قال ابن القيِّم رحمه الله: لا سبيل للغافل عن الذِّكر إلى مقام الإحسان. وقال: على قدرِ غفلةِ العبد عن الذِّكر يكون بعده عن اللّه. وقال: إنَّ الغافل بينه وبين اللّه- عزَّ وجلَّ- وحشة لا تزول إلَّا بالذِّكر. وقال: إنَّ مجالس الذِّكر مجالسُ الملائكة، ومجالسَ اللَّغو والغفلة مجالسُ الشَّياطين، فليتخيَّر العبد أعجبهما إليه وأولاهما به، فهو مع أهله في الدُّنيا والآخرة.فالغفلة بابٌ للانحراف، ومفتاحٌ للضياع، وسببٌ للخذلان والحرمان.

      فالحذر الحذر من الغفلة عن ذكر الله تعالى، فإنها سبب الضلال، والحذر من مجالسة أهل الغفلة وصحبتهم وطاعتهم، فإن الإنسان يتأثر بمجالسة الغافلين؛ قال الله سبحانه: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

      أوقات الذكر وفضائلها:
      أيها المسلمون، لقد تبيَّن لنا أن الذكر هو الكنز المُدَّخر، والحياة التي تُحيي القلوب بعد موتها، والنور الذي يبدد ظلمات الغفلة، والزاد الذي لا ينفد ولا يزول؛ فإن الله جلَّ في علاه قد أكرم عباده بأن جعل لهذا الكنز مواسم تتجدد، وأوقاتًا تتأكد، ليكون العبد فيها أقرب إلى ربِّه، وأعظم أجرًا، وأصفى قلبًا، وأشد حضورًا مع الله سبحانه وتعالى.

      فمن تلك الأوقات المباركة: أذكار الصباح والمساء، وهي حصن المؤمن الحصين، وسياجه المنيع، يدخل بها يومه في رعاية الله، ويختم بها ليلته في كنفه وحفظه، قال الله تعالى: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [سورة الأحزاب: 42]، فمن لزمها عاش محفوظًا بحفظ الله، مطمئن القلب، ثابت الفؤاد، لا تزلزله فتن الدنيا ولا مخاوفها.

      وأدبار الصلوات المكتوبات، وهي لحظات الصفاء بعد أعظم القربات، يُتبع فيها العبد صلاته بذكر الله وتسبيحه وتحميده وتكبيره واستغفاره، كأنه يُجدد العهد مع ربِّه بعد الوقوف بين يديه، فتزداد الصلة رسوخًا، ويعلو النور في القلب نورًا، وتُجبر بها النقصات وتُرفَع الدرجات.

      ومن أعظم مواسم الذكر وأجلِّها عشر ذي الحجة، التي أقسم الله بها فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر:1-2]، فالذكر فيها خصوصًا التكبير سُنَّة نبوية، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ))؛ رواه أحمد بإسناد صحيح.

      وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ، وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ"؛ رواه البخاري في صحيحه، وقد كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السُّوقِ في أَيام العشْر يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ الناس بِتَكْبِيرِهِمَا))؛ البخاري معلق. فتتحوَّل فيها الأرض إلى ميدان ذكر، والقلوب إلى بيوت طاعة، والألسنة إلى أنهار تسبيحٍ وشكرٍ.

      وأوقات الأسحار، تلك الساعات التي ينسحب فيها ضجيج الدنيا، ويخلو العبد بربِّه، منكسر القلب، صادق التوبة، رافعًا يديه مستغفرًا، قال تعالى: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18]، فهي ساعةُ صدقٍ لا رياء فيها، وخلوة صفاء لا يطَّلِع عليها إلا الله، تنزل فيها الرحمات وتُستجاب فيها الدعوات.

      أن الذكر لا يُقيَّد بزمان، ولا يُحصر في وقت، بل هو حياة المؤمن في كل لحظة، وسر سعادته في كل حال؛ به ينهض إذا ضعف، ويثبت إذا اضطرب، ويأنس إذا استوحش.

      فأكثروا- رحمكم الله- من ذكره؛ اذكروه عند الصباح والمساء، اذكروه عند الشدة والرخاء، اذكروه بألسنتكم، واستحضروه بقلوبكم.

      فوالله، ما سَعِدَت القلوب إلا بذكره، ولا اطمأنَّت النفوس إلا بقربه، ولا فاز العبد إلا بالإقبال عليه.

      نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وأن يحيي قلوبنا بذكره، ويُلهج ألسنتنا بحمده، ويختم لنا بطاعته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


      د. عبدالرزاق السيد

      شبكة الألوكة

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183075
    • إجمالي المشاركات
      2538287
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×