اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58932
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180947
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8524
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53305
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21029
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32416
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38789 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 582 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • الوصايا النبوية (10) إياكم والدخول على النساء

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الخطبة الأولى).
      - وصية اليوم: عن عقبة بن عامر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إيَّاكُمْ والدُّخُولَ علَى النِّساءِ)، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قالَ: (الحَمْوُ المَوْتُ) (متفق عليه).
      - شرح مجمل للوصية: قال النووي -رحمه الله-: "المراد في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم مما يحل لها تزوجه لو لم تكن متزوجة، وجرت العادة بالتساهل فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبَّهه بالموت، وهو أَولى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره، والشر يُتوقَّع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكنُ؛ لتمكُّنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكيرٍ عليه، بخلاف الأجنبي، والله أعلم".
      - الإشارة إلى أهمية الوقوف على بعض جوانب الموضوع، على النحو
      التالي:

      الوقفة الأولى: خطر فتنة النساء:
      - المرأة أعظم فتن الدنيا التي يستعملها الشيطان في غواية الإنسان، ولذلك قُدِّمت في التحذير: قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ) (رواه مسلم).
      - الشيطان وأعوانه يعملون ليل نهار على إفساد حياة المسلمين من خلال فتنة المرأة، وعلى إخراج المرأة المسلمة من بيتها، وتزيينها للرجال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)(1) (رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: 33).
      - الإسلام يسد منابع الفتنة بالنساء، بتدابير هي مِن باب: الوقاية خير من العلاج (فرض الحجاب - الأمر بغض البصر - تحريم سفر المرأة بغير محرم - تحريم تطيُب المرأة بين الأجانب): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب: 59)، وقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (*أَيُّمَا *امْرَأَةٍ *اسْتَعْطَرَتْ *فَمَرَّتْ *عَلَى *قَوْمٍ *لِيَجِدُوا *مِنْ *رِيحِهَا، *فَهِيَ *زَانِيَةٌ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).

      الوقفة الثانية: تحريم الخلوة والاختلاط:
      - ومن هذه التدابير الإسلامية لسدِّ منابع الفتنة بالمرأة: "تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: («لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ *ثَالِثَهُمَا *الشَّيْطَانُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال بعض السلف: "لو ائتمنوني على بيت المال لأمنت، ولو ائتمونوني على أمة شهواء أو سوداء لما أمنت نفسي"(2).
      - لقد حرَّم الله اختلاط الرجال بالنساء في الصلاة، وهي أشرف أحوال العبد؛ فكيف بالخلوة؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ: أوَّلُها، وشَرُّها: آخِرُها، وخَيْرُ صُفُوفِ النِّساءِ: آخِرُها، وشَرُّها: أوَّلُها) (رواه مسلم)، وعن أمِّ حُميدٍ امرأةِ أبي حُميدٍ السَّاعديِّ: أنها جاءتِ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يَا رسولَ اللهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ معك، قال: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكَ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، *وَصَلَاتُكِ *فِي *دَارِكِ *خَيْرٌ *مِنْ *صَلَاتِكِ *فِي *مَسْجِدِ *قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي) (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني)(3).
      - لقد حَرَّم الله على الصحابة -الذين هم أفضل الرجال- سؤال أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أفضل النساء- إلا مِن وراء الجدر والستر؛ فكيف بنا؟! وكيف بنسائنا؟! قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب: 53).
      - ولذا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من الخروج للجهاد والذي هو من أشرف الأعمال، ليكون مع امرأته المسافرة للحج حتى لا تكون بمفردها مع الرجال!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا وَمعهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ) (رواه البخاري، ومسلم واللفظ له)، وفي الحديث: قام رجل فقال: يَا رسول الله، اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذا وكَذا، وخَرَجَتِ امْرَأَتي حاجَّةً، قالَ: (اذْهَبْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ) (متفق عليه).

      الوقفة الثالثة: أيها الرجال... أين الغيرة؟!
      - إن الذين يرضون بدخول الرجال الأجانب على نسائهم لا غيرة عندهم: وهم متوعدون بالجزاء الأليم في الأخرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثةٌ لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح")، وخطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يومًا في الناس فقال: "أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ *يَخْرُجْنَ *فِي *الْأَسْوَاقِ *يُزَاحِمْنَ *الْعُلُوجَ!" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).
      - الغيرة على الحريم من الإيمان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وإنَّ المُؤْمِنَ يَغَارُ...) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! واللَّهِ لَأَنَا أغْيَرُ منه، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه-: (رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الجَنَّةَ، ورَأَيْتُ قَصْرًا بفِنائِهِ جارِيَةٌ، فَقُلتُ: لِمَن هذا؟ فقالَ: لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُ فأنْظُرَ إلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ)، فقالَ عُمَرُ: بأَبِي وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ، أعَلَيْكَ أغارُ؟! (متفق عليه).
      - الرجال الصالحون يغارون لخروج نسائهم للصلاة؛ فأين الذي يرضى بدخول الرجال على نسائه من هؤلاء؟!: قال ابن حجر -رحمه الله-: "ذكر أبو عمر في التمهيد: أن عمر بن الخطاب لما خطب عاتكة بنت زيد، شرطت عليه ألا يضربها ولا يمنعها من الحقّ، ولا من الصّلاة في المسجد النبويّ، ثم شرطت ذلك على الزّبير، فتحيل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرّت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: إنا للَّه، فسد النّاس، فلم تخرج بعد" (الإصابة في تمييز الصحابة).

      خاتمة: عود على بدء وتحذير:
      - تذكير بوصية اليوم مرة أخرى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكُمْ والدُّخُولَ علَى النِّساءِ...) الحديث.
      - احذروا الموت، احذروا فساد البيوت، احذروا الهلاك، احذروا مخالفة أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا فالندم في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63).
      وقال الشاعر:
      أتبكي على لبنى وأنت قتلتها فقد هلكت لبنى فما أنت صانع؟!
      نسأل الله أن يحفظ على المسلمين بيوتهم وأعراضهم، والحمد لله رب العالمين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) فدعوات التحرر والتبرج والعري، يخدم عليها بكل الوسائل الممكنة (مزاحمة الرجال في كل المجالات - الأفلام الأغاني والنت - إلخ).
      (2) يفرِّط كثيرٌ من الرجال الذين لا غيرة لهم على نسائهم، فيقولون: هو مثل أخيها، أو تربَّى معها، أو هو الطبيب أو المدرس! ومن الصور المخالفة في ذلك: (دخول العمال والصناع - أو السكرتيرة والمدير - أو في المصاعد وأماكن العمل - ...).
      (3) مفهوم ذلك كله: أنكِ مأمورة باجتناب أماكن الرجال، وعليكِ بالصيانة والتعفف، والبُعد عن نظر الرجال ما استطعت.

        صوت السلف  
    • وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-(2)
        المؤامرة الآثمة كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


      مقدمة وتمهيد:
      - إثارة نفوس السامعين في كل مرة بالتنبيه على فضل مدارسة سورة يوسف: قال عطاء -رحمه الله-: "ما سمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها".
      - تذكير مجمل بما سبق مِن أمر رؤية يوسف -عليه السلام-، ونصيحة أبيه بعدم ذكرها على إخوته خشية الحسد والكيد.
      - الإشارة إلى أن الآيات التي يدور حولها الحديث اليوم تتحدث عن المؤامرة الآثمة التي يدبرها إخوة يوسف -عليه السلام- للتخلص منه، وتلاوتها مِن قوله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ . قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ . وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:7-18).
      - الإشارة إلى أن الآيات تلخص أربع مشاهد: "مشهد الحسد والتآمر - ومشهد التفاوض لإقناع يعقوب -عليه السلام- بترك يوسف - ومشهد تنفيذ المؤامرة - ومشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب".


      أولاً: مشهد الحسد والتآمر:
      قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
      - (آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ😞 علامات ودلالات على وحدانية الله وكمال صفاته، وعلى صدق الرسل وما لهم مِن الصفات الحميدة، وأثر الحسد وسوء الأخلاق وقطع الأرحام.
      - (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ😞 ظنوا أن كثرتهم تعطيهم أفضلية ولو كانوا عصاة مخالفين لأبيهم، ونسوا أن يوسف -عليه السلام- وأخاه قد سبقاهم بالطاعة وبالأدب الرفيع، والتواضع لأبيهم والاسترشاد؛ فضلاً عن كونهما صغارًا.
      - (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ😞 وهذا يدل على سوء أخلاقهم؛ وكيف ذلك وأبوهم هو "الكريم ابن الكريم ابن الكريم"؟! فظنوا بأبيهم التفضيل بسبب الزوجة الأخرى، أو لجمال يوسف الظاهر، وحاشاه؛ فالأنبياء منزهون عن ذلك.


      فائدة: فيه دليل على العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد، فإن سب الأنبياء ووصفهم بالضلال الأكيد كفر ناقل عن الملة.
      تابع: "مشهد المؤامرة": قال الله -تعالى- حكاية عنهم: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).
      - (اقْتُلُوا) (اطْرَحُوهُ) (وَأَلْقُوهُ😞 آثار الحسد وما يصل بصاحبه إليه، قال ابن إسحاق: "لقد اجتمعوا على أمر عظيم مِن قطيعة الرحم وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل!".
      - (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ😞 كيف وهم يريدون قتل حبيبه أو إبعاده عنه؟! فلو كانوا صادقين لأحبوا ما يحبه!
      - (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ😞 طريقة شيطانية يسول بها الشيطان للعبد المعصية لتهون عليه، وقد لا يمهل الإنسان العمر أو التوبة؛ وإلا فقد ظلوا على ظلمهم ومعاصيهم نحو أربعين سنة!
      - (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ😞 "قسوة أقل شدة، ولكنها شيء فظيع - ظلمة البئر - العري والجوع - الرق والعبودية".


      ثانيًا: مشهد التفاوض:
      قال الله -تعالى- حكاية عنهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ).
      - ممارسة الضغط على أبيهم بمختلف الوسائل، وكاد المريب أن يقول خذوني: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ)، والظاهر أنهم كانوا يطلبون ذلك مِن أبيهم قبْل ذلك وهو يرفض خوفًا مِن مكرهم؛ ولذلك جعلوا يأتون بالمؤكدات: "إنَّ، لام التوكيد"، (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).


      حاول يعقوب -عليه السلام- الامتناع بأمرين:


      الأول: مشقة فراق يوسف -عليه السلام- ساعات؛ فكيف وأنه سيغيب عنه سنوات؟!


      الثاني: خشية أن يأكله الذئب لانشغالهم عنه ولصغره، وقد أخذوها مِن فمه حجة لهم!
      - وقفة: الواحد منا يشق عليه فراق أهله وعياله أيامًا أو شهورًا، وليس فيهم مِن الصفات الجميلة -خُلُقًا وخَلقًا- عشر معشار ما كان ليوسف -عليه السلام-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يوسف -عليه السلام-: (اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ) (رواه مسلم)، مع ما جمع مِن صفات الجمال الباطن؛ فكيف وهم يريدون تغييبه أبدًا؟!


      ثالثًا: مشهد تنفيذ المؤامرة:
      قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ... ).
      - اتفاق عجيب على طفل صغير!
      انظر ماذا يفعل الحسد بأصحابه... !
      قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر السدي وغيره: أنه لم يكن بيْن إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أنه غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول مِن شتم ونحوه، والفعل مِن ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون وسطه يقال له الراغوفة فقام فوقها" اهـ.
      - وقفة: لكَ أن تتأمل كيف كان حال هذا الطفل البريء الطاهر النجيب الذكي الكريم؟ ولك أن تتخيل الحال حين انصرفوا عنه وتركوه، وجاء عليه الليل وهو في ظلمة البئر كذلك! لكَ أن تتخيل حال طفل صغير حُرِم مِن أبيه الحنون وأمه الشفيقة وأخيه الرفيق بنيامين! لكَ أن تتخيل ما المصير الذي ينتظره: أهو الموت خوفًا ورعبًا وهمًّا، أم هو الموت جوعًا وضعفًا، أم ماذا هو المصير؟! شيء يُبكي القلب قبْل العين! ولكن رحمة الله العليم الحكيم أعظم مِن أبيه وأمه والناس أجمعين!
      - (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ😞 وحي إلهام وتثبيت، وإظهار للحفظ والرعايا والنصرة، وبما سيؤول إليه الأمر مِن لقائك بهم مرة أخرى ورفعتك عليهم.


      رابعًا: مشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب:
      قال الله -تعالى-: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
      - دموع التماسيح المفترسة وحقيقتها الكذب؛ لأنها لا تبكي أصلاً وإن غمرت عيونها بالماء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).
      - (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ😞 خبر وقعه كالصاعقة -أو أشد- على قلب الأب الحنون.
      - (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قطعوا على أنفسهم طريق الرجوع عن الكذب، فما قالوا: "ضلَّ منا في الطريق"؛ فأمكن الرجوع بـ"وجدناه"!
      - (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ).


      أمران جعلا يعقوب -عليه السلام- لا يصدقهم:
      الأول: ما كانوا عليه مِن الحسد وسوء الخلق.
      الثاني: أين آثار الذئب على القميص مِن تقطيعٍ وافتراس؟
      - (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) فالقميص غير الممزق يؤكِّد ذلك، وأن يوسف -عليه السلام- لم يمت.
      - (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ😞 سأصبر مِن غير جزعٍ في القلب، ولا شكوى لغير الله، ولا عمل بالجوارح ينافي ذلك، وسأتوكل على ربي في جلب المنافع ورفع المضار وإنفاذ وعده، فالله لطيف لما يشاء.
      ما أجمل هذه الكلمات إذا قالها كل مظلوم مبتلى، وأيقن ما تحمله! قالت عائشة -رضي الله عنها- لما اُتهمت ظلمًا وزورًا في حادثة الإفك: "وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)" (متفق عليه).


      خاتمة: ماذا فعل الله -تعالى- بالطفل البريء الذي ألقي في البئر ظلمًا وعدوانًا وهو الذي اصطفاه واجتباه، وأراه مِن آياته ما أراه؟
      هذا هو موضوع الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

       
    • الكبائر (9) قطع الأرحام

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء: 31).
      - قطع الأرحام من أكبر الكبائر، وأعظم المفاسد التي تدمِّر مجتمعات المسلمين، وقد جاء فيه الوعيد الشديد واللعن الأكيد(1): قال -تعالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وأَعْمى أَبْصارَهُمْ) (محمد: 22-23)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) (رواه مسلم).


      مكانة صلة الأرحام في الإسلام:
      - عظَّم الإسلام من صلة الأرحام، وأقر العربَ على تعظيمهم الصلة ونبذهم القطيعة؛ فخاطبهم من خلالها بالتوحيد: قال -تعالى-: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي *تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) (النساء: 1). "وكانت العرب تقول: أنشدك الله والرحم".
      - عظم الإسلام من علاقة الأخوة بين عموم المسلمين؛ فرفع من شأن صلة الأرحام أكثر وأشد بين المؤمنين: قال -تعالى-: (*إِنَّمَا *الْمُؤْمِنُونَ *إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، وقال -تعالى-: (*وَأُولُو *الْأَرْحَامِ *بَعْضُهُمْ *أَوْلَى *بِبَعْضٍ *فِي *كِتَابِ *اللَّهِ) (الأنفال: 75).
      - وحرم الإسلام القطيعة بين عموم المسلمين، فعظم التحريم أكثر وأشد بين الأرحام المؤمنين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) (متفق عليه)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: *هَذَا *مَقَامُ *الْعَائِذِ *بِكَ *مِنَ *الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ) (متفق عليه).
      - سيأتي الحديث عن فضائل صلة الرحم في الدِّين والدنيا عند الحديث عن وسائل المحافظة على صلة الأرحام.


      عقوبة قاطع الرحم في الإسلام:
      - قاطع الأرحام ملعون في كتاب الله: قال علي بن الحسين لولده: "يا بني لا تصحبن قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواطن: قوله -تعالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وأَعْمى أَبْصارَهُمْ) (محمد: 22-23)، وقوله -تعالى-: (والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرعد: 25)، وقوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: 27)".
      - قاطع الأرحام لا يُرفع له عمل ولا يقبله الله حتى يصل رحمه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (*إِنَّ *أَعْمَالَ *بَنِي *آدَمَ *تُعْرَض *عَلَى *اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عشيةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ *عَمَلُ *قَاطِعِ *رَحِمٍ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني لغيره).
      - قاطع الأرحام معجَّل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ -تعالى- لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
      - قاطع الرحم لا يدخل الجنة: قال رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) (رواه مسلم).
      - قاطع الرحم بالجملة مقطوع الصلة بالله -عز وجل-: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، *مَنْ *وَصَلَهَا *وَصَلْتُهُ، *وَمَنْ *قَطَعَهَا *بَتَتُّهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).


      من أسباب وقوع القطيعة بين الأرحام(2):
      1- الجهل بعاقبة قطيعة الأرحام في الدنيا والآخرة.
      2- الحسد، وبخاصة لمَن تميز مِن القرابات بعلم أو مال، أو جمال، أو جاه، أو قبول عند الناس، أو ذرية صالحة.
      3- النميمة والوشاية والإصغاء إلى أصحابها.
      4- العجب والكبر، ويظهر أكثر بعد الترقي في الوظائف والمراكز الدنيوية أو الدينية من ضعاف الدِّين، فيتنكر لأرحامه الفقراء والبسطاء، بل قد يصل إلى قطيعة الأبوين!
      5- حالات الطلاق والنزاعات الأسرية، وكم من إساءات يندى لها الجبين، ارتكبها القرابات عند الطلاق والنزاعات، ما كان يحلم بها الشيطان الرجيم!


      سبيل المحافظة على صلة الأرحام:
      - يتلخَّص ذلك في أمرين:
      أولًا: معرفة فضل الصلة على الدنيا والدين.
      - صلة الرحم... سبب لمغفرة الذنوب، وتسهيل الحساب على الإنسان يوم القيامة:‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-:‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏-صلى الله عليه وسلم-،‏ ‏فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ قَالَ: (‏هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَبِرَّهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
      - صلة الرحم سبب للبركة في العمر والرزق، والذكر الطيب بعد الموت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ *سَرَّهُ *أَنْ *يُبْسَطَ *لَهُ *فِي *رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (متفق عليه).
      - صلة الرحم لها أثر عظيم في بثِّ المحبة بين أفراد الأسرة والمجتمع الإسلامي، ويترتب عليها فوائد كثيرة لهم (تناصر - تناصح - تكافل - قوة - رضا الرب).


      ثانيًا: الصبر والعفو والصفح والتجاوز:
      - الأرحام والقرابات بشر يخطؤون، وهذه طبيعة الحياة: قال الذين عاشوا في بيت نبوة: (إِنَّ أَبَانَا *لَفِي *ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يوسف: 8)، وقالوا عن أخيهم البريء: (?اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) (يوسف: 9)، ومع ذلك كان موقف الأب: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . قَالَ *سَوْفَ *أَسْتَغْفِرُ *لَكُمْ *رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف: 97-98)، والأخ: (قَالَ *لَا *تَثْرِيبَ *عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92).
      - الصبر والإحسان والاحتساب هو سبيل التعامل مع أذى القرابات؛ للحفاظ على صلة الأرحام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا) (رواه البخاري). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه مسلم). وقال: (*أَفْضَلُ *الصَّدَقَةِ *عَلَى *ذِي *الرَّحِمِ *الْكَاشِحِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).


      خاتمة:
      - قم الآن وسارع بصلة أرحامك، واعفُ عنهم وإن أساءوا: قال -تعالى-: (*وَلْيَعْفُوا *وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: 22)، وقال -تعالى-: (وَسَارِعُوا *إِلَى *مَغْفِرَةٍ *مِنْ *رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 133-134).
      فاللهم أصلح ذات بين المسلمين، وألِّف بين قلوبهم.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) الأرحام: اسم شامل لكافة الأقارب من غير تفريق بين المحارم، أو الأرحام وغيرهم -على الراجح من الأقوال-.
      (2) لقد وَصَل الأمر ببعض الناس أن يمتلئ قلبه غيظًا وحقدًا على أقاربه وذوي رحمه، فيقاطعهم ويعاديهم، ويورث ذلك في ذريته، بل ربما يعلن عليهم الحرب الشعواء في المحاكم والقضاء، ولربما كان ذلك لأتفه الأسباب، قال -تعالى-: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: 53).
       
    • أقسامُ الصَّبرِ

      ينقَسِمُ الصَّبرُ بعِدَّةِ اعتِباراتٍ:

      - فباعتِبارِ مَحَلِّه ينقَسِمُ إلى ضَربَينِ:
      (ضَربٌ بَدَنيٌّ، وضَربٌ نَفسانيٌّ، وكُلٌّ مِنهما نَوعانِ: اختياريٌّ واضطِراريٌّ، فهذه أربَعةُ أقسامٍ:

      الأوَّلُ: البَدَنيُّ الاختياريُّ: كتَعاطي الأعمالِ الشَّاقَّةِ على البَدَنِ اختيارًا وإرادةً.

      الثَّاني: البَدَنيُّ الاضطِراريُّ: كالصَّبرِ على ألمِ الضَّربِ والمَرَضِ والجِراحاتِ، والبَردِ والحَرِّ وغَيرِ ذلك.

      الثَّالثُ: النَّفسانيُّ الاختياريُّ: كصَبرِ النَّفسِ عن فِعلِ ما لا يحسُنُ فِعلُه شَرعًا ولا عَقلًا.

      الرَّابعُ: النَّفسانيُّ الاضطِراريُّ: كصَبرِ النَّفسِ عن مَحبوبها قَهرًا إذا حيلَ بَينَها وبَينَه.

      فإذا عَرَفتَ هذه الأقسامِ فهي مُختَصَّةٌ بنَوعِ الإنسانِ دونَ البَهائِمِ، ومُشاركةٌ للبَهائِمِ في نَوعَينِ مِنها، وهما: صَبرُ البَدَنِ والنَّفسِ الاضطراريَّانِ، وقد يكونُ بَعضُها أقوى صَبرًا مِنَ الإنسانِ، وإنَّما يتَمَيَّزُ الإنسانُ عنها بالنَّوعَينِ الاختياريَّينِ، وكثيرٌ مِنَ النَّاسِ تَكونُ قوَّةُ صَبرِه في النَّوعِ الذي يُشارِكُ فيه البَهائِمَ، لا في النَّوعِ الذي يخُصُّ الإنسانَ، فيُعَدُّ صابرًا وليسَ مِنَ الصَّابرينَ... فالإنسانُ مِنَّا إذا غَلبَ صَبرُه باعِثَ الهَوى والشَّهوةِ التَحَقَ بالمَلائِكةِ، وإن غَلبَ باعِثُ الهَوى والشَّهوةِ صَبرَه التَحَقَ بالشَّياطينِ، وإن غَلبَ باعِثُ طَبعِه مِنَ الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ صَبرَه التَحَقَ بالبَهائِمِ. قال قتادةُ: خَلقَ اللهُ سُبحانَه المَلائِكةَ عُقولًا بلا شَهَواتٍ، وخَلق البَهائِمَ شَهَواتٍ بلا عُقولٍ، وخَلق الإنسانَ وجَعل له عَقلًا وشَهوةً؛ فمَن غَلبَ عَقلُه شَهوتَه فهو مِنَ المَلائِكةِ، ومَن غَلبَت شَهوتُه عَقلَه فهو كالبَهائِمِ، ولَمَّا خُلقَ الإنسانُ في ابتِداءِ أمرِه ناقِصًا، لم يُخلَقْ فيه إلَّا شَهوةُ الغِذاءِ الذي هو مُحتاجٌ إليه، فصَبرُه في هذه الحالِ بمَنزِلةِ صَبرِ البَهائِمِ، وليسَ له قَبل تَمييزِه قوَّةُ الاختيارِ، فإذا ظَهَرَت فيه شَهوةُ اللَّعِبِ استَعَدَّ لقوَّةِ الصَّبرِ الاختياريِّ على ضَعفِها فيه، فإذا تَعَلَّقت به شَهوةُ النِّكاحِ ظَهَرَت فيه قوَّةُ الصَّبرِ، وإذا تَحَرَّك سُلطانُ العَقلِ وقَويَ استَعانَ بجَيشِ الصَّبرِ) .


      - وباعتِبارِ مُتَعَلِّقِه ينقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:
      (صَبرٌ على الأوامِرِ والطَّاعاتِ حتَّى يُؤَدِّيَها، وصَبرٌ عنِ المَناهي والمُخالفاتِ حتَّى لا يقَعَ فيها، وصَبرٌ على الأقدارِ والأقضيةِ حتَّى لا يتَسَخَّطَها...
      فأمَّا الذي مِن جِهةِ الرَّبِّ فهو أنَّ اللهَ تعالى له على عَبدِه حُكمانِ: حُكمٌ شَرعيٌّ دينيٌّ، وحُكمٌ كونيٌّ قدَريٌّ؛ فالشَّرعيُّ مُتَعَلِّقٌ بأمرِه، والكونيُّ مُتَعَلِّقٌ بخَلقِه، وهو سُبحانُه له الخَلقُ والأمرُ، وحُكمُه الدِّينيُّ الطَّلبيُّ نَوعانِ بحَسبِ المَطلوبِ؛ فإنَّ المَطلوبَ إن كان مَحبوبًا له فالمَطلوبُ فِعلُه إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستَحَبًّا، ولا يتِمُّ ذلك إلَّا بالصَّبرِ، وإن كان مَبغوضًا له فالمَطلوبُ تَركُه إمَّا تَحريمًا وإمَّا كراهةً، وذلك أيضًا مَوقوفٌ على الصَّبرِ، فهذا حُكمُه الدِّينيُّ الشَّرعيُّ، وأمَّا حُكمُه الكونيُّ فهو ما يقضيه ويُقدِّرُه على العَبدِ مِنَ المَصائِبِ التي لا صُنعَ له فيها، ففرضُه الصَّبرُ عليها، وفي وُجوبِ الرِّضا بها قَولانِ للعُلماءِ، وهما وجهانِ في مَذهَبِ أحمَدَ، أصَحُّهما أنَّه مُستَحَبٌّ، فمَرجِعُ الدِّينِ كُلِّه إلى هذه القَواعِدِ الثَّلاثِ: فِعلُ المَأمورِ، وتَركُ المَحظورِ، والصَّبرُ على المَقدورِ، وأمَّا الذي مِن جِهةِ العَبدِ فإنَّه لا ينفكُّ عن هذه الثَّلاثِ ما دامَ مُكلَّفًا، ولا تَسقُطُ عنه هذه الثَّلاثُ حتَّى يسقُطَ عنه التَّكليفُ، فقيامُ عُبوديَّةِ الأمرِ والنَّهيِ والقدَرِ على ساقِ الصَّبرِ، ولا تَستَوي إلَّا عليه كما لا تَستَوي السُّنبُلةُ إلَّا على ساقِها، فالصَّبرُ مُتَعَلِّقٌ بالمَأمورِ والمَحظورِ والمَقدورِ بالخَلقِ والأمرِ) .

      - وباعتِبارِ تَعَلُّقِ الأحكامِ الخَمسةِ به ينقَسِمُ إلى خَمسةِ أقسامٍ:
      (إلى واجِبٍ ومَندوبٍ ومَحظورٍ ومَكروهٍ ومُباحٍ.
      فالصَّبرُ الواجِبُ ثَلاثةُ أنواعٍ:
      أحدُها: الصَّبرُ عنِ المُحَرَّماتِ.
      والثَّاني: الصَّبرُ على أداءِ الواجِباتِ.
      والثَّالثُ: الصَّبر على المَصائِبِ التي لا صُنعَ للعَبدِ فيها، كالأمراضِ والفقرِ وغَيرِها.
      وأمَّا الصَّبرُ المَندوبُ: فهو الصَّبرُ عنِ المَكروهاتِ، والصَّبرُ على المُستَحبَّاتِ، والصَّبرُ على مُقابلةِ الجاني بمِثلِ فِعلِه.
      وأمَّا المَحظورُ فأنواعٌ: أحدُها: الصَّبرُ عنِ الطَّعامِ والشَّرابِ حتَّى يموتَ، وكذلك الصَّبرُ عنِ الميتةِ والدَّمِ ولحمِ الخِنزيرِ عِندَ المَخمَصةِ حَرامٌ إذا خاف بتَركِه المَوتَ؛ قال طاوُسٌ وبعدَه أحمَدُ: مَن اضطُرَّ إلى أكلِ المَيتةِ والدَّمِ فلم يأكُلْ فماتَ، دَخل النَّارَ...
      ومِنَ الصَّبرِ المَحظورِ: صَبرُ الإنسانِ على ما يقصِدُ هَلاكَه مِن سُبعٍ أو حَيَّاتٍ أو حَريقٍ أو ماءٍ، أو كافِرٍ يُريدُ قَتلَه، بخِلافِ استِسلامِه وصَبرِه في الفِتنةِ وقِتالِ المُسلمينَ؛ فإنَّه مُباحٌ له، بَل يُستَحَبُّ، كما دَلَّت عليه النُّصوصُ الكثيرةُ.
      وقد سُئِل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هذه المَسألةِ بعَينِها فقال: ((فليكُنْ كخَيرِ ابنَي آدَمَ) ) . وفي لفظٍ: ((... وليكُنْ عَبدَ اللهِ المَقتولَ، ولا يكُنْ عَبدَ اللهِ القاتِلَ)) ...


      وأمَّا الصَّبرُ المَكروهُ فله أمثِلةٌ:
      أحَدُها: أن يصبرَ عنِ الطَّعامِ والشَّرابِ واللُّبسِ وجِماعِ أهلِه حتَّى يتَضَرَّرَ بذلك بَدَنُه.
      الثَّاني: صَبرُه عن جِماعِ زَوجَتِه إذا احتاجَت إلى ذلك ولم يتَضَرَّرْ به.
      الثَّالثُ: صَبرُه على المَكروهِ.
      الرَّابعُ: صَبرُه عن فِعلِ المُستَحَبِّ.
      وأمَّا الصَّبرُ المُباحُ: فهو الصَّبرُ عن كُلِّ فِعلٍ مُستَوي الطَّرَفينِ، خُيِّر بَينَ فِعلِه وتَركِه والصَّبرِ عليه) .
      ومِن جِهةٍ أُخرى ينقَسِمُ الصَّبرُ مِن حَيثُ المَدحُ والذَّمُّ إلى قِسمَينِ:

      قِسمٌ مَذمومٌ، وقِسمٌ مَمدوحٌ:
      فالمَذمومُ:
      الصَّبرُ عنِ اللهِ وإرادتِه ومَحَبَّتِه وسَيرِ القَلبِ إليه، فإنَّ هذا الصَّبرَ يتَضَمَّنُ تَعطيلَ كمالِ العَبدِ بالكُلِّيَّةِ وتَفويتَ ما خُلقَ له، وهذا كما أنَّه أقبَحُ الصَّبرِ فهو أعظَمُه وأبلغُه؛ فإنَّه لا صَبرَ أبلغُ مِن صَبرِ مَن يصبرُ عن مَحبوبِه الذي لا حَياةَ له بدونِه البَتَّةَ.

      وأمَّا الصَّبرُ المَحمودُ فنَوعانِ:
      صَبرٌ للهِ، وصَبرٌ باللهِ؛ قال اللهُ تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127] ، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48]... وزادَ بَعضُهم قِسمًا ثالثًا مِن أقسامِ الصَّبرِ، وهو الصَّبرُ مَعَ اللهِ، وجَعَلوه أعلى أنواعِ الصَّبرِ) .

      قال ابنُ القَيِّمِ: (وأمَّا الصَّبرُ على اللهِ سُبحانَه فهو الصَّبرُ على أحكامِه الدِّينيَّةِ والكونيَّةِ، فهو يرجِعُ إلى الصَّبرِ على أوامِرِه والصَّبرِ على ابتِلائِه، فليسَ في الحَقيقة قِسمًا ثالثًا، واللهُ أعلمُ) .
      (وزادَ بَعضُهم قِسمًا آخَرَ مِن أقسامِه، وسَمَّاه الصَّبرَ فيه، وهذا أيضًا غَيرُ خارِجٍ عن أقسامِ الصَّبرِ المَذكورةِ، ولا يُعقَلُ مِنَ الصَّبرِ فيه مَعنًى غَيرُ الصَّبرِ له) .


      وقَسَّمَ الماوَرديُّ الصَّبرَ المَحمودَ إلى سِتَّةِ أقسامٍ، فقال:
      (واعلَمْ أنَّ الصَّبرَ على سِتَّةِ أقسامٍ، وهو في كُلِّ قِسمٍ مِنها مَحمودٌ:
      فأوَّلُ أقسامِه وأَولاها: الصَّبرُ على امتِثالِ ما أمَرَ اللهُ تعالى به، والانتِهاءُ عَمَّا نَهى اللهُ عنه؛ لأنَّ به تَخلُصُ الطَّاعةُ، وبها يصِحُّ الدِّينُ، وتُؤَدَّى الفُروضُ، ويُستَحَقُّ الثَّوابُ، كما قال في مُحكمِ الكِتابِ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ... وليس لمَن قَلَّ صَبرُه على طاعةٍ حَظٌّ مِن بِرٍّ ولا نَصيبٌ مِن صَلاحٍ...
      وهذا النَّوعُ مِنَ الصَّبرِ إنَّما يكونُ لفرطِ الجَزَعِ وشِدَّةِ الخَوفِ؛ فإنَّ مَن خاف اللهَ عَزَّ وجَل صَبَرَ على طاعَتِه، ومَن جَزِعَ مِن عِقابِه وقَف عِندَ أوامِرِه.

      الثَّاني: الصَّبرُ على ما تَقتَضيه أوقاتُه مِن رَزيَّةٍ قد أجهَده الحُزنُ عليها، أو حادِثةٍ قد كدَّه الهَمُّ بها؛ فإنَّ الصَّبرَ عليها يَعقُبُه الرَّاحةُ مِنها، ويكسِبُه المَثوبةَ عنها، فإن صَبر طائِعًا وإلَّا احتَمَل هَمًّا لازِمًا، وصَبَرَ كارِهًا آثِمًا.
      وقال عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه للأشعَثِ بنِ قَيسٍ: (إنَّك إن صَبَرتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأجورٌ، وإن جَزِعتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأزورٌ)...

      الثَّالثُ: الصَّبرُ على ما فاتَ إدراكُه مِن رَغبةٍ مَرجوَّةٍ، وأعوزَ نَيلُه مِن مَسَرَّةٍ مَأمولةٍ؛ فإنَّ الصَّبرَ عنها يُعقِبُ السُّلُوَّ مِنها، والأسَفُ بَعدَ اليأسِ خُرقٌ...
      وقال بَعضُ الحُكماءِ: اجعَلْ ما طَلبتَه مِنَ الدُّنيا فلم تَنَلْه مِثلَ ما لا يخطُرُ ببالِك فلم تَقُلْه.

      الرَّابعُ: الصَّبرُ فيما يُخشى حُدوثُه مِن رَهبةٍ يخافُها، أو يَحذَرُ حُلولَه مِن نَكبةٍ يخشاها، فلا يتَعَجَّلُ همَّ ما لم يأتِ؛ فإنَّ أكثَرَ الهمومِ كاذِبةٌ، وإنَّ الأغلبَ مِنَ الخَوفِ مَدفوعٌ...
      وقال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَه اللهُ: لا تَحمِلنَّ على يومِك همَّ غَدِك؛ فحَسبُ كُلِّ يومٍ هَمُّه.

      الخامِسُ: الصَّبرُ فيما يتَوقَّعُه مِن رَغبةٍ يرجوها، وينتَظِرُ مِن نِعمةٍ يأمُلُها؛ فإنَّه إن أدهَشَه التَّوقُّعُ لها، وأذهَله التَّطَلُّعُ إليها انسَدَّت عليه سُبُلُ المطالبِ، واستَفزَّه تَسويلُ المَطامِعِ، فكان أبعَدَ لرَجائِه، وأعظَم لبَلائِه.
      وإذا كان مَعَ الرَّغبةِ وَقورًا، وعِندَ الطَّلبِ صَبورًا، انجَلت عنه عَمايةُ الدَّهَشِ، وانجابَت عنه حَيرةُ الوَلَهِ، فأبصَرَ رُشدَه وعَرَف قَصدَه. وقد رويَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((والصَّبرُ ضِياءٌ)) . يعني -واللهُ أعلمُ- أنَّه يكشِفُ ظُلَمَ الحَيرةِ، ويوضِّحُ حَقائِقَ الأُمورِ.

      السَّادِسُ: الصَّبرُ على ما نَزَل مِن مَكروهٍ، أو حَلَّ مِن أمرٍ مخوفٍ.
      فبالصَّبرِ في هذا تَنفتِحُ وُجوهُ الآراءِ، وتُستَدفعُ مكائدُ الأعداءِ؛ فإنَّ مَن قَلَّ صَبرُه عَزَبَ رَأيُه، واشتَدَّ جَزَعُه، فصارَ صَريعَ همومِه، وفريسةَ غُمومِه. وقد قال اللهُ تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17]...
      واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، والفرَجَ مَعَ الكربِ، واليُسرَ مَعَ العُسرِ) .

      الدرر السنية

       
    • بعد أن توجَّه الخطاب القرآني إلى بني إسرائيل - والعلماء منهم خاصة - بالترهيب والإنكار والتوبيخ على ما كان منهم؛ انتقل إلى أسلوب الترغيب والتحفيز، فجاء الأمر بالاستعانة بالصبـر، إذ به ملاك الهدى والسداد؛ وجاء الأمر بالاستعانة بالصلاة، إذ بها الفلاح والرشاد.

      وبيان ذلك: أن مما يصد الناس عن اتباع الدين القويم إلفهم بأحوالهم القديمة، وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها، فإذا تخلَّقوا بأخلاق الصبر سهل عليهم اتباع الحق، ومفارقة ما أَلْفَوْه من عادات جاهلية، وأعراف لا يقرها الشرع الحنيف.

      ومن هنا جاء الأمر لبني إسرائيل بالاستعانة بالصبر على الوفاء بما عاهدوا الله عليه في طاعته واتباع أمره، وترك ما يميلون إليه من الرياسة وحب الدنيا، ومن ثم التسليم لأمر الله، واتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


      وحسبك بمزية الصبر أن الله جعلها سببًا من أسباب الفوز، قال تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
      قال الغزالي رحمه الله: ذكر الله الصبر في القرآن في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال سبحانه: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} (السجدة:24) وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} (الأعراف:137) وقال أيضًا: {إن الله مع الصابرين} (البقرة:153) والآيات كثيرة في هذا المعنى.


      وأنت - قارئي الكريم - إذا تأملت وأمعنت النظر، وجدت أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ فإذا صار الصبر خُلُقًا لصاحبه، هان عليه كل شيء لأجل الخضوع للحق والتسليم للبرهان.


      وبهذا يظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر، فإنه خُلُق يفتح أبواب النفوس لقبول الحق والخضوع له.
      أما طلب الاستعانة بالصلاة، فهي فضلاً عن كونها شكرًا للمنعم وخضوعًا لأمره، فإن فيها صبراً من جهات عدة؛ إذ فيها مخالفة حال المرء المعتادة، ولزومه حالة في وقت معين، وفيها تجلية الأحزان وكشف الكربات؛ وقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان إذا حَزَبه أمر صلى) رواه أبو داود و أحمد، أَي: إذا نزل به أمر مُهِمّ، أَو أَصابَه غمّ وهمٌّ واشتد عليه بادر إلى الصلاة؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: (أرحنا بها يا بلال) رواه أبو داود و أحمد، وهذا أمر يلمسه من تحرَّاه وقصده من المصلين، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ففي الصلاة أكبر العون على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد.


      ثم إن الآية التي بين يديك، نظير قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} (طـه:130) فأَمَرَ سبحانه نبيه في نوائبه كافة بالفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون والثبات وكشف الهموم والكربات.


      والضمير في قوله تعالى: {وإنها لكبيرة} راجع - على أرجح الأقوال - إلى جميع المأمورات والوصايا السابقة التي خوطب بها بني إسرائيل.

      والمراد (بالكبيرة) هنا الصعبة التي تشق على النفوس؛ وإطلاق (الكِبَرُ)على الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير، قال تعالى: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} (البقرة:143) وقال سبحانه: {وإن كان كَبُرَ عليك إعراضهم} (الأنعام:35).


      وقوله تعالى: {إلا على الخاشعين} الخاشع هنا هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من نهيه، وهذا الوصف في الآية يشبه ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه) رواه الترمذي و أحمد ؛ والمعنى على ما تقدم: أن الاستعانة بالصبر والصلاة ليس بالأمر اليسير على الأنفس، بل هو خاص بالنفوس الخاضعة لطاعته سبحانه، والمصدقة بوعده، والخائفة من وعيده.


      على إن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل وتهديدهم، بيد أن خطابها ليس خاصًا بهم وحدهم فحسب، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول أهل العلم، يُنبئك بهذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} (البقرة:153) وعلى هذا فإننا اليوم - نحن المسلمين - أولى الناس بوعي هذا الخطاب القرآني، والعمل به، خاصة بعد ما آل أمر الأمة إلى ما لا يخفى.

      نسأل الله التوفيق والعون والفرج والخاتمة بالحسنى.

      · المصدر:
      موقع الشبكة الإسلامية

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183066
    • إجمالي المشاركات
      2538268
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      11930

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×