اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58951
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180956
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8534
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53324
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21029
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32419
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38803 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 683 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • الشَّفاعةُ الثَّابِتةُ
      الشَّفاعةُ المُثبَتةُ لها عِدَّةُ أنواعٍ، هيَ:
      1- الشَّفاعةُ العُظمى.
      2- الشَّفاعةُ في دُخولِ المُؤمِنينَ الجَنَّةَ.
      3- الشَّفاعةُ لرَفعِ دَرَجاتِ أهلِ الجَنةِ.
      4- الشَّفاعةُ لقَومٍ استَحَقُّوا النَّارَ ألَّا يَدخُلوها.
      5- الشَّفاعةُ في أهلِ الكَبائِرِ.
      6- شفاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَعَمِّه أبي طالِبٍ في تَخفيفِ العَذابِ عنه.
      7- الشَّفاعةُ لأقوامٍ أن يَدخُلوا الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ.
      8- شَفاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأهلِ المَدينةِ.
      ومن هذه الشَّفاعاتِ ما هو خاصٌّ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومنها ما يَكونُ له ولِلأنبياءِ الآخَرينَ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومنها ما يَكونُ لخَواصِّ الخَلقِ

      الشَّفاعةُ المنفيَّةُ لها عِدَّةُ أنواعٍ، هيَ:
      1- الشَّفاعةُ التي تُطلَبُ من غَيرِ اللهِ فيما لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللهُ.
      2- الشَّفاعةُ للكُفَّارِ.
      3- الشَّفاعةُ بدونِ إذْنِ رَبِّ السَّمَواتِ والأرضِ.
      قال ابنُ تَيميَّةَ: (الشَّفاعةُ المَنفيَّةُ في القُرآنِ، كقَولِه تعالى: واتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ، وقَولِه تعالى وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُها شَفَاعَةٌ، وقَولِه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وقَولِه: فَمَا لَنا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، وقَولِه: مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ، وقَولِه: يَومَ يَأتِي تَأويلُهُ يَقُولُ الذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وأمثالِ ذلك)
      .
      وقال أيضًا عن المُشرِكينَ: (كانوا مُعتَرِفينَ بأنَّ آلِهَتَهم لَم تُشارِكِ اللهَ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ ولا خَلقِ شَيءٍ، بَل كانوا يَتَّخِذونَهم شُفَعاءَ ووَسائِطَ، كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ. وقال عن صاحِبِ يَس: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [يس: 22، 23]، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: 4] ، وقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23-22] ، فنَفى عَمَّا سِواه كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ به المُشرِكونَ، فنَفى أن يَكونَ لغَيرِه مُلْكٌ أو قِسْطٌ مِنَ الْمُلكِ، أو يَكونَ عونًا للهِ، ولَم يَبقَ إلَّا الشَّفاعةُ؛ فبيَّنَ أنَّها لا تَنفَعُ إلَّا لِمَن أذِنَ له الرَّبُّ، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وقال تعالى عن المَلائِكةِ: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، وقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] . فهذه الشَّفاعةُ التي يَظُنُّها المُشرِكونَ هيَ مُنتَفيةٌ يَومَ القيامةِ، كما نَفاها القُرآنُ) .
      وقال ابنُ القَيِّمِ: (الذي في قُلوبِ هؤلاء المُشرِكينَ وسَلَفِهم أنَّ آلِهَتَهم تَشفَعُ لهم عِندَ الله، وهذا عَينُ الشِّركِ، وقد أنكَرَ اللهُ عليهم ذلك في كِتابِه وأبطَلَه، وأخبَرَ أنَّ الشَّفاعةَ كُلَّها له، وأنَّه لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا لِمَن أذِنَ اللهُ أن يَشفَعَ فيه، ورَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، وهم أهلُ التَّوحيدِ الذينَ لَم يَتَّخِذوا من دونِ اللهِ شُفَعاءَ، فإنَّه سُبحانَه يَأذَنُ لِمَن شاءَ في الشَّفاعةِ لهم؛ حَيثُ لَم يَتَّخِذْهم شُفَعاءَ مِن دُونِه، فيَكونُ أسعَدَ النَّاسِ بشفاعةِ مَن يَأَذَنُ اللهُ له صاحِبُ التَّوحيدِ الذي لَم يَتَّخِذ شَفيعًا من دونِ الله رَبِّه ومَولاه.
      والشَّفاعةُ التي أثبَتها اللهُ ورَسولُه هيَ الشَّفاعةُ الصَّادِرةُ عن إذْنِه لِمَن وحَّدَه، والتي نَفاها اللهُ هيَ الشَّفاعةُ الشِّرْكيَّةُ التي في قُلوبِ المُشرِكينَ المُتَّخِذينَ من دونِ اللهِ شُفَعاءَ، فيُعامَلونَ بنَقيضِ قَصدِهم من شُفَعائِهم، ويَفوزُ بها الموَحِّدونَ.
      وتَأمَّلْ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي هُريرةَ -وقد سَألَه: من أسعَدُ النَّاسِ بشَفاعتِك يا رَسولَ اللهِ؟- قال: ((أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتي من قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه )) كيفَ جَعَلَ أعظَمَ الأسبابِ التي تُنالُ بها شفاعتُه تَجريدَ التَّوحيدِ، عَكسَ ما عِندَ المُشرِكينَ أنَّ الشَّفاعةَ تُنالُ باتِّخاذِهم أولياءَهم شُفعاءَ، وعِبادَتِهم ومُوالاتِهم من دونِ اللهِ، فقَلبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما في زَعمِهمُ الكاذِبِ، وأخبَرَ أنَّ سَبَبَ الشَّفاعةِ هو تَجريدُ التَّوحيدِ، فحينَئِذٍ يَأذَنُ اللهُ للشَّافِعِ أن يَشفَعَ.
      ومِن جَهلِ المُشرِكِ اعتِقادُه أنَّ من اتَّخَذَه وَلِيًّا أو شَفيعًا أنَّه يَشفَعُ له، ويَنفَعُه عِندَ اللهِ، كما يَكونُ خَواصُّ المُلوكِ والوُلاةِ تَنفَعُ شفاعتُهم من والاهمِ، ولَم يَعلَموا أنَّ اللهَ لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ في الشَّفاعةِ إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، كما قال تعالى في الفَصلِ الأوَّلِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] ، وفي الفَصلِ الثَّاني: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وبَقيَ فصلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه لا يَرضى من القَولِ والعَمَلِ إلَّا التَّوحيدَ، واتِّباعَ الرَّسولِ، وعن هاتينِ الكَلِمَتينِ يَسألُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، كما قال أبو العاليةِ: كلِمَتانِ يُسألُ عنهما الأولونُ والآخِرونَ: ماذا كُنتُم تَعْبُدونَ؟ وماذا أجبْتُمُ المُرسَلينَ؟ فهذه ثَلاثةُ أصولٍ، تَقطَعُ شَجَرةَ الشِّرْكِ من قَلبِ مَن وعاها وعَقِلَها: لا شفاعةَ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، ولا يَرضى من القَولِ والعَمَلِ إلَّا تَوحيدَه، واتِّباعَ رَسولِه) .
      وقال أيضًا في الشَّفاعةِ: (بهذا السِّرِّ عُبِدَتِ الكَواكِبُ، واتُّخِذَت لها الهياكِلُ، وصُنِّفَت لها الدَّعَواتُ، واتُّخِذَتِ الأصنامُ المُجَسَّدةُ لها، وهذا بعينِه هو الذي أوجَب لعُبَّادِ القُبورِ اتِّخاذَها أعيادًا، وتَعليقَ السُّتورِ عليها، وإيقادَ السُّرُجِ عليها، وبِناءَ المَساجِدِ عليها، وهو الذي قَصَدَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إبطالَه ومَحْوَه بالكُلِّيَّةِ، وسَدَّ الذَّرائِعَ المُفْضيَةَ إليه، فوَقَفَ المُشرِكونَ في طَريقِه، وناقَضوه في قَصدِه، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شِقٍّ، وهؤلاء في شِقٍّ.
      وهذا الذي ذَكَرَه هؤلاء المُشرِكونَ في زيارةِ القُبورِ هو الشَّفاعةُ التي ظَنُّوا أنَّ آلِهَتَهم تَنفَعُهم بها، وتَشفَعُ لهم عِندَ اللهِ.
      قالوا: فإنَّ العَبدَ إذا تَعَلَّقَت رُوحُه برُوحٍ الوَجيهِ المُقَرَّبِ عِندَ الله، وتوَجَّهَ بهمَّتِه إليه، وعَكَفَ بقَلبِه عليه؛ صارَ بينَه وبينَه اتِّصالٌ يُفيضُ به عليه منه نَصيبٌ مِمَّا يَحصُلُ له من اللهِ، وشَبَّهوا ذلك بمَن يَخدُمُ ذا جاهٍ وحظوةٍ وقُربٍ من السُّلطانِ، فهو شَديدُ التَّعَلُّقِ به، فما يَحصُلُ لذلك من السُّلطانِ من الإنعامِ والإفضالِ، يَنالُ ذلك المُتَعَلِّقَ به بحَسَبِ تَعَلُّقِه به.
      فهذا سِرُّ عِبادةِ الأصنامِ، وهو الذي بَعثَ اللهُ رُسُلَه وأنزَلَ كُتُبَه بإبطالِه، وتَكفيرِ أصحابِه ولَعْنِهم، وأباحَ دِماءَهم وأموالَهم، وسَبْيَ ذَرارِيِّهم، وأوجَب لهمُ النَّارَ. والقُرآنُ من أوَّلِه إلى آخِرِه مَملوءٌ من الرَّدِّ على أهلِه، وإبطالِ مَذهَبِهم.
      قال تعالى: أمِ اتَّخَذُوا من دونِ اللهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَميعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: 43، 44]. فأخبَرُ أنَّ الشَّفاعةَ لِمَن له مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ، وهو اللهُ وحدَه، فهو الذي يَشفَعُ بنَفسِه إلى نَفسِه ليَرحَمَ عَبدَه، فيَأذَنُ هو لِمَن يَشاءُ أن يَشفَعَ فيه، فصارَتِ الشَّفاعةُ في الحَقيقةِ إنَّما هيَ له، والذي يَشفَعُ عِندَه إنَّما يَشفَعُ بإذْنِه له وأمرِه، بَعدَ شفاعتِه سُبحانَه إلى نَفسِه، وهى إرادَتُه من نَفسِه أن يَرحَمَ عَبدَه.
      وهذا ضِدُّ الشَّفاعةِ الشِّركيَّةِ التي أثبَتها هؤلاء المُشرِكونَ ومن وافَقَهم، وهي التي أبطَلَها اللهُ سُبحانَه في كِتابِه، بقَولِه: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123]، وقَولُه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 254] ، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: 51] ، وقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة: 4] .
      فأخبَرَ سُبحانَه أنَّه ليس للعِبادِ شَفيعٌ من دونِه، بَل إذا أرادَ اللهُ سُبحانَه رَحمةَ عَبدِه أَذِنَ هو لمَن يَشفَعُ فيه، كما قال تعالى: مَا مِنْ شَفِيعٍ إلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] ، وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] .
      فالشَّفاعةُ بإذنِه ليست شفاعةً مِن دُونِه، ولا الشَّافِعُ شَفيعٌ مِن دُونِه، بَل شَفيعٌ بإذْنِه.
      والفَرقُ بينَ الشَّفيعينِ كالفَرقِ بينَ الشَّريكِ والعَبدِ المَأمورِ.
      فالشَّفاعةُ التي أبطَلَها شفاعةُ الشَّريكِ؛ فإنَّه لا شَريكَ له، والتي أثبَتها شفاعةُ العَبدِ المَأمورِ الذي لا يَشفَعُ ولا يَتَقَدَّمُ بينَ يَدَيْ مالِكِه حَتَّى يَأذَنَ له، ويَقولَ: اشفَعْ في فُلانٍ؛ ولِهذا كان أسعَدَ النَّاسِ بشفاعةِ سَيِّدِ الشُّفَعاءِ يَومَ القيامةِ أهلُ التَّوحيدِ، الذينَ جَرَّدوا التَّوحيدَ وخَلَّصوه من تَعَلُّقاتِ الشِّرْكِ وشَوائِبِه، وهمُ الذينَ ارتَضى اللهُ سُبحانَه. قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وقال: يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولًا [طه: 109] .
      فأخبَرَ أنَّه لا يَحصُلُ يَومَئِذُ شفاعةٌ تَنفَعُ إلَّا بَعدَ رِضاه قَولَ المَشفوعِ له، وإذْنِه للشَّافِعِ.
      فأمَّا المُشرِكُ فإنَّه لا يَرتَضيه، ولا يَرضى قَولَه، فلا يَأذَنُ للشُّفعاءِ أن يَشفَعوا فيه؛ فإنَّه سُبحانَه عَلَّقَها بأمرينِ: رِضاه عن المَشفوعِ له، وإذْنِه للشَّافِعِ، فما لَم يوجَدْ مَجموعُ الأمرينِ لَم توجَدِ الشَّفاعةُ.
      وسِرُّ ذلك أنَّ الأمرَ كُلَّه للهِ وَحْدَه، فليس لأحَدٍ مَعَه من الأمرِ شَيءٌ، وأعلى الخَلقِ وأفضَلُهم وأكرَمُهم عِندَه همُ الرُّسُلُ والمَلائِكةُ المُقَرَّبونَ، وهم عَبيدٌ مَحضٌ، لا يَسبِقونَه بالقَولِ، ولا يَتَقَدَّمونَ بينَ يَدَيه، ولا يَفعَلونَ شَيئًا إلَّا بَعدَ إذْنِه لهم وأمرِهم، ولا سيَّما يَومَ لا تَملِكُ نَفسٌ لنَفسٍ شَيئًا، فهم مَملوكونُ مَربوبونَ، أفعالُهم مُقَيَّدةٌ بأمرِه وإذْنِه، فإذا أشرَك بهم المُشرِكُ، واتَّخَذهم شُفَعاءَ من دونِه، ظَنًّا منه أنَّه إذا فعَلَ ذلك تَقَدَّموا وشَفَعوا له عِندَ الله؛ فهو من أجهَلِ النَّاسِ بحَقِّ الرَّبِّ سُبحانَه، وما يَجِبُ له، ويَمتَنِعُ عليه) .
      وقال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ: (الشَّفاعةُ شَفاعتانِ: شفاعةٌ مَنفيَّةٌ، وشفاعةٌ مُثْبَتةٌ.
      فالشَّفاعةُ المَنفيَّةُ هيَ التي تُطلَبُ من غَيرِ الله فيما لا يَقْدِرُ عليه إلَّا اللهُ، والدَّليلُ قَولُه تعالى: يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأتيَ يَومٌ لا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمونَ [البقرة: 254] .
      والمُثبَتةُ هيَ التي تُطلَبُ من الله، فيما لا يَقْدِرُ عليه إلَّا اللهُ، والشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بالشَّفاعةِ، والمَشفوعُ له مَن رَضِيَ اللهُ قَولَه وعَمَلَه، بَعدَ الإذْنِ، والدَّليلُ قَولُه تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] ) .
      وقال حَمدُ بنُ ناصِرِ بنِ مَعمَرٍ: (أمَّا الفَرقُ بينَ الشَّفاعةِ المُثْبَتةِ والشَّفاعةِ المَنفيَّةِ، فهيَ مَسألةٌ عَظيمةٌ، ومن لَم يَعرِفْها لَم يَعرِفْ حَقيقةَ التَّوحيدِ والشِّرْكِ، والشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ رَحِمَه اللهُ تعالى عَقدَ لها بابًا في كِتابِ التَّوحيدِ، فقال: بابُ الشَّفاعةِ، وقَولِ اللهِ تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، ثُمَّ ساقَ الآياتِ، وعَقَّبَه بكَلامِ الشَّيخِ تَقي الدِّينِ.
      فأنتَ راجِعِ البابَ، وأمعِنِ النَّظَرَ فيه، يَتَبَيَّنْ لَك حَقيقةَ الشَّفاعةِ، والفَرقَ بينَ ما أثبَتَه القُرآنُ وما نَفاه، وإذا تَأمَّلَ الإنسانُ القُرآنَ، وجَدَ فيه آياتٍ كثيرةً في نَفي الشَّفاعةِ، وآياتٍ كثيرةً في إثباتِها؛ فالآياتُ التي فيها نَفيُ الشَّفاعةِ، مِثلُ قَولِه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، ومِثلُ قَولِه: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 254] ، وقَولُه: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: 4] ، وقَولُه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: 44] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ.
      وأمَّا الآياتُ التي فيها إثباتُ الشَّفاعةِ، فمِثلُ قَولِه تعالى: وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى [النَّجم: 26] ، وقَولِه: ولا تَنفَعُ الشَّفاعةُ عِندَه إلَّا لِمِن أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23] ، وقَولِه: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وقَولِه: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ له الرَّحمَنُ ورَضِيَ له قَولًا [طه: 109] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ.
      فالشَّفاعةُ التي نَفاها القُرآنُ هيَ التي يَطلُبُها المُشرِكونَ من غَيرِ الله، فيَأتون إلى قَبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو إلى قَبرِ مَن يَظنُّونَه من الأولياءِ والصَّالِحينَ، فيَستَغيثُ به، ويَستَشفِعُ به إلى اللهِ، لَظَنِّه أنَّه إذا فعَلَ ذلك شَفَعَ له عِندَ الله، وقَضى اللهُ حاجَتَه، سَواءٌ أرادَ حاجةً دُنيَويَّةً أو حاجةً أُخرَويَّةً، كما حَكى اللهُ عن المُشرِكينَ في قَولِه: ويَقولونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: 18] ، لَكِن كان الكُفَّارُ الأوَّلونَ يَستَشفِعونَ بهم في قَضاءِ الحاجاتِ الدُّنيويَّةِ، وأمَّا المَعادِ فكانوا مُكَذِّبينَ به، جاحِدينَ له، وأمَّا المُشرِكونَ اليَومَ فيَطلُبونَ من غَيرِ الله حَوائِجَ الدُّنيا والآخِرةِ، ويَتَقَرَّبونَ بذلك إلى الله، ويَستَدِلُّونَ عليه بالأدِلَّةِ الباطِلةِ، وحُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: 16] .
      وأمَّا الشَّفاعةُ التي أثبَتها القُرآنُ فقَيَّدَها سُبحانَه بإذنِه للشَّافِعِ، ورِضاه عن المَشفوعِ له، فلا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبيٌّ مُرسَلٌ، ولا يَأذَنُ للشُّفعاءِ أن يَشفَعوا إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، وهو سُبحانَه لا يَرضى إلَّا التَّوحيدَ.
      وأخبَرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أسعَدَ النَّاسِ بشفاعتِه أهلُ التَّوحيدِ والإخلاصِ، فمَن طَلَبَها منه اليَومَ حُرِمَها يَومَ القيامةِ، واللهُ سُبحانَه قد أخبَرَ أنَّ المُشرِكينَ لا تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ، وإنَّما تَنفَعُ من جَرَّدَ تَوحيدَه، بحَيثُ أن يَكونَ اللهُ وحدَه هو إلَهَه ومَعبودَه، وهو سُبحانَه لا يَقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان خالِصًا، كما قال تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ [الزُّمَر: 3] .
      فإذا تَأمَّلْتَ الآياتِ تَبَيَّنَ لَك أنَّ الشَّفاعةَ المَنفيَّةَ هيَ التي يَظُنُّها المُشرِكونَ، ويَطلُبونَها اليَومُ من غَيرِ الله. وأمَّا الشَّفاعةُ المُثْبَتةُ فهيَ التي لأهلِ التَّوحيدِ والإخلاصِ، كما أخبَرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ شفاعتَه نائِلةٌ من مات من أمَّتِه لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا ، واللهُ أعلَمُ) .
      وقال السَّعديُّ: (إنَّ المُشرِكينَ يُبَرِّرونَ شِرْكَهم ودُعاءَهم للمَلائِكةِ والأنبياءِ والأولياءِ بقَولِهم: نَحنُ نَدعوهم مَعَ عَلْمِنا أنَّهم مَخلوقونَ ومَملوكونَ، ولَكِن حَيثُ إنَّ لهم عِندَ الله جاهًا عَظيمًا ومَقاماتٍ عاليةً، نَدعوهم ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفى وليَشفَعوا لَنا عِندَه، كما يُتَقَرَّبُ إلى الوُجهاءِ عِندَ المُلوكِ والسَّلاطينِ، ليَجعَلوهم وسائِطَ لقَضاءِ حاجاتِهم وإدراكِ مَآرِبِهم. وهذا من أبطَلِ الباطِلِ، وهو تَشبيهُ اللهِ العَظيمِ مَلِكِ المُلوكِ الذي يَخافُه كُلُّ أحَدٍ، وتَخضَعُ له المَخلوقاتُ بأسْرِها بالمُلوكِ الفُقَراءِ المُحتاجينَ للوُجَهاءِ والوُزَراءِ في تَكميلِ مُلْكِهم ونُفوذِ قوَّتِهم.
      فأبطَلَ اللهُ هذا الزَّعمَ وبيَّنَ أنَّ الشَّفاعةَ كُلَّها له، كما أنَّ المُلكَ كُلَّه له، وأنَّه لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ إلَّا لمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، ولا يَرضى إلَّا تَوحيدَه وإخلاصَ العَمَلِ له. فبيَّنَ أنَّ المُشرِكَ ليس له حَظٌّ ولا نَصيبٌ من الشَّفاعةِ.
      وبيَّنَ أنَّ الشَّفاعةَ المُثْبَتةَ التي تَقَعُ بإذْنِه إنَّما هيَ الشَّفاعةُ لأهلِ الإخلاصِ خاصَّةً، وأنَّها كُلَّها منه؛ رَحمةً منه وكَرامةً للشَّافِعِ، ورَحمةً منه وعَفوًا عن المَشفوعِ له، وأنَّه هو المَحمودُ عليها في الحَقيقةِ، وهو الذي أَذِنَ لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها وأنالَه المَقامَ المَحمودَ) .
      وقال الشِّنقيطيُّ: (إنَّ الشَّفاعةَ المَنفيَّةَ هيَ الشَّفاعةُ للكُفَّارِ، والشَّفاعةُ لغَيرِهم بدونِ إذْنِ رَبِّ السَّمَواتِ والأرضِ، أمَّا الشَّفاعةُ للمُؤمِنينَ بإذْنِه فهيَ ثابِتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. فنَصَّ على عَدَمِ الشَّفاعةِ للكُفَّارِ بقَولِه: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضَى 21 28، وقد قال: (ولا يُرضى لعِبادِه الكَفرَ) 39 7، وقال تعالى عنهم مُقَرَّرًا له: (فما لَنا من شافِعينَ) 26 100 وقال: (فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ) 74 48 إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وقال في الشَّفاعةِ بدونِ إذْنه: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] ، وقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] ، وقال: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: 109] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وادِّعاءُ شُفَعاءَ عِندَ اللهِ للكُفَّارِ أو بغَيرِ إذْنِه: من أنواعِ الكُفرِ به جَلَّ وعلا، كما صَرحَ بذلك في قَولِه: وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18] . تَنبيهٌ: هذا الذي قَرَّرناه من أنَّ الشَّفاعةَ للكُفَّارِ مُستَحيلةٌ شَرعًا مُطلَقًا، يُستَثنى منه شفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِعَمِّه أبي طالِبٍ في نَقلِه من مَحَلٍّ من النَّارِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ منها، كما ثَبَتَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّحيحِ، فهذه الصُّورةُ التي ذَكَرنا من تَخصيصِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ) .
      وقال ابنُ عُثَيمين: (الشَّفاعةُ نَوعانِ:
      النَّوعُ الأوَّلُ: شفاعةٌ ثابِتةٌ صَحيحةٌ، وهيَ التي أثبَتها اللهُ تعالى في كِتابِه، أو أثبَتها رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا تَكونُ إلَّا لأهلِ التَّوحيدِ والإخلاصِ؛ لأنَّ أبا هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه قال: يا رَسولَ اللهِ مَن أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتِك؟ قال: ((مَن قال لا إلَه إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه)) .
      وهذه الشَّفاعةُ لها شُروطٌ ثَلاثةٌ:
      الشَّرطُ الأوَّلُ: رِضا اللهِ عن الشَّافِعِ.
      الشَّرطُ الثَّاني: رِضا اللهِ عن المَشفوعِ له.
      الشَّرطُ الثَّالِثُ: إذْنُ اللهِ تعالى للشَّافِعِ أن يَشفَعَ...
      النَّوعُ الثَّاني: الشَّفاعةُ الباطِلةُ التي لا تَنفَعُ أصحابَها، وهيَ ما يَدَّعيه المُشرِكونَ من شفاعةِ آلِهَتِهم لهم عِندَ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّ هذه الشَّفاعةَ لا تَنفَعُهم، كما قال اللهُ تعالى: فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ [المُدَّثِر: 48] ؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لا يَرضى لهؤلاء المُشرِكينَ شِرْكَهم، ولا يُمكِنُ أن يَأذَنَ بالشَّفاعةِ لهم؛ لأنَّه لا شفاعةَ إلَّا لِمَنِ ارتَضاه اللهُ عزَّ وجَلَّ، واللهُ لا يَرضى لعِبادِه الكُفرَ ولا يُحِبُّ الفَسادَ، فتَعَلُّقُ المُشرِكينَ بآلِهَتِهم يَعبُدونَها ويَقولونَ: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: 18] تَعَلُّقٌ باطِلٌ غَيرُ نافِعٍ، بَل هذا لا يَزيدُهم من اللهِ تعالى إلَّا بُعدًا، على أنَّ المُشرِكينَ يَرجُونَ شفاعةَ أصنامِهم بوسيلةٍ باطِلةٍ، وهيَ عِبادةُ هذه الأصنامِ، وهذا من سَفَهِهم أن يُحاوِلوا التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى بما لا يَزيدُهم منه إلَّا بُعدًا!) .

      الدرر السنية



       
    • الوصايا النبوية (14) عليك بالإياس مما في أيدي الناس

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى).
      - وصية اليوم: عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: (عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ، وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ، وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ، وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ) (رواه الحاكم والبيهقي، وقال الألباني: "حسن لغيره").
      - الإشارة إلى أن هذه الوصية يرجى للمؤمن إذا أخذ بها، العزة والكرامة في الدنيا والآخرة: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8).

      (1) عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ(1):
      - إذا أردتَ أن تكون غنيًّا عن الناس، عزيزًا بينهم، محبوبًا مطلوبًا، فلا تمدن عينيك إلى ما في أيديهم من متاع الدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وازْهَد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يحبُّكَ النَّاسُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الالباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعزَّهُ استغناؤهُ عنِ النَّاسِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وحسنه الألباني).
      - استغنِ عما في أيدي الناس ولو كنت أفقرهم، فإنك لا تزال بذلك سيدًا كريمًا: قال أعرابي لأهل البصرة: "مَن سيدكم؟ قالوا: الحسن البصري. قال: بمَ سادكم؟ فقالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم"، وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دنياهم، فإذا فعل ذلك؛ استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه".
      وقال الشاعر:
      كن زاهدا فيما حوته يد الورى تـبـقـى إلـى كـل الأنـام حـبـيـبًا

      (2) وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ:
      - الإنسان إذا ابتلي بداء الطمع لا يشبع أبدًا مهما أعطاه الله -تعالى- من رزق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغَى ثالِثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ) (متفق عليه).
      - علاج هذا الداء الوبيل هو الرضا بالقليل، ومجاهدة النفس وردها عن جعل الدنيا أكبر الهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ: فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ: جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ورُوي أن موسى -عليه السلام- سأل ربه -تعالى- فقال: "أي عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته" (إحياء علوم الدين للغزالي).
      وقال أبو العتاهية:
      رَغيفُ خُبزٍ يَابِسٍ ... تَأكُلُهُ فِي زَاوِيَه
      وَكُوزُ مَاءٍ بَارِدٍ ... تَشْرَبُهُ مِنْ صَافِيَهْ
      وَغُرفَةٌ ضَيِّقَةٌ ... نَفْسُكَ فِيهَا خَالِيَهْ
      أَوْ مَسجِدٌ بِمَعزِلٍ ... عَنِ الوَرَى فِي نَاحِيَهْ
      تَقرَأُ فِيهِ مُصحَفًا ... مُستَنِدًا لُسَارِيَهْ
      مُعتَبِرًا بِمَنْ مَضَى .... مِنَ القُرُونِ الخَالِيَهْ
      خَيْرٌ مِنَ السَّاعَاتِ ... فِي فَيْءِ القُصُورِ العَالِيَهْ

      (3) وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ:
      - إشارة إلى الاستعداد للموت في كل لحظة، والحرص على العمل الصالح ليكون آخر ما يلقى البعد به ربه: "التأمل لمشهد إنسان يعلم أن ملك الموت واقف أمامه ينتظر انصرافه من الصلاة! فكيف سيؤدي هذه الصلاة؟!".
      - مَن كان ينتظر الموت سيقصر أمله، ويكثر عمله الصالح: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟) فَقُلْتُ: خُصٌّ لَنَا، وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا أُرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْدُدْ *نَفْسَكَ *فِي *الْمَوْتَى) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).
      - وفي التوجيه التنبيه على الإحسان في أداء الصلاة: قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1-2)، وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) (رواه مسلم)، وعن عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: "رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي وفي صدرِه أزيزٌ كأزيزِ الرَّحى مِنَ البكاءِ" (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الرَّجلَ لينصرِفُ، وما كُتِبَ لَه إلَّا عُشرُ صلاتِهِ تُسعُها ثُمنُها سُبعُها سُدسُها خُمسُها رُبعُها ثُلثُها، نِصفُها) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أسوَأُ النَّاسِ سَرِقةً الذي يَسرِقُ مِن صَلاتِه)، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيف يَسرِقُ مِن صَلاتِه؟ قال: (لا يُتِمُّ رُكوعَها، ولا سُجُودَها) (رواه أحمد، وقال الألباني: "صحيح لغيره").

      (4) وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ:
      - كن حكيمًا في كل تصرفاتك، ولا تقدم على شيء الا بعد تفكير؛ حتى لا ترتكب ما يضعك في موقف الاعتذار، لاسيما بين يدي اللئام(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (*التأَنِّي *مِنَ *اللهِ، *والعَجَلَةُ *مِنَ *الشَّيْطَانِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: (*إِنَّ *فِيكَ *خَصْلَتَيْنِ *يُحِبُّهُمَا *اللهُ: *الْحِلْمُ، *وَالْأَنَاةُ) (رواه مسلم)، وقال بعض الحكماء: "مَن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب، ومَن ركب العجل أدركه الزلل".
      خاتمة: عود على بدء:
      - تذكير بوصية اليوم مرة أخرى، مع الإشارة إلى مجمل فوائدها التي يرجى منها تحقق العزة للمؤمن.
      فاللهم أعزنا بالإسلام، وزيِّنا بالإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) تنبيه: اعلم أن الغنى المقصود في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الغنى الحقيقي، وهو غنى النفس، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه).
      (2) يعني: أنك قد لا تبقى في الدنيا إلى أن يسقط هذا الحائط، بل العمر أقصر وأسرع من ذلك.
      (3) لا مانع من الاعتذار عند الخطأ، ولكن هذا يجعل للناس عليك يدًا؛ فكيف إذا كان المعتَذَر إليه لئيمًا
    • إذا كانت حبال الصلة بينك وبين الله مقطوعة، ترفع يدك إلى السماء وتشعر أن قلبك ليس معك .. وتشعر أن حياتك صارت مضطربة وقد سيطر عليك الحزن والاكتئاب .. فهذه من أعراض مرض قلبك، وهو أخطر من أمراض الأبدان .. لأن أمراض الأبدان ظاهرة ومن الممكن أن تعالج وإنما أمراض القلوب خفية ..
      ولكن سأدلك على وصفة العلاج، والتي بدايتها من إكسير الحياة، القرآن الكريم .. {يَا أَيّهَا النَّاس قَد جَاءَتكم مَوعِظَةٌ مِن رَبِّكم وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصّدورِ وَهدًى وَرَحمَةٌ لِلمؤمِنِينَ} [يونس: 57]


      النبي قال "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا" [رواه أحمد وصححه الألباني] ..
      فلن يكشف الهمّ والحزن سوى القرآن، لإنه أعظم سبب في تطهير قلبك.
          والقرآن هو أعظم أدوية القلوب لا محالة .. النبي قال "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا"[رواه أحمد وصححه الألباني] ..
      وهو الكتاب الوحيد الذي لا تمل القلوب الطاهرة منه .. فكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه "والله لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا" ..
      فإن كان قلبك غير طاهر، لن تتأثر به ..
      قال تعالى {سَأَصرِف عَن آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ ..}[الأعراف: 146] ..وقال عز وجل {..إِنَّا جَعَلنَا عَلَى قلوبِهِم أَكِنَّةً ..}[الكهف: 57]
      أكِنة أي أغطية كثيفة، لذلك يحول الله بين المرء وقلبه ..
      قال الحسن البصري "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق"
      وإذا قرأت القرآن ستقوم بزيادة أو نقصان، فإما أن يطهر قلبك ويزيد إيمانك ويكون شفاء ورحمة وإما أن تزداد خسرنًا على خسرانك.
      والبعض قد يكون له وردًا من القرآن ويحافظ عليه ولكنه مازال يعاني من الآفات القلبية ولم يحدث القرآن أثرًا في قلبه .. وهذا لإنه لم يحسن التداوي به، فقد إتخذت تلاوته عمل تفعله دون أن تتوقف مع آياته وتتدبرها بقلبك فلم تتأثر.
      فلابد أن تهيئ قلبك قبل القراءة سواءًا بالاستغفار أو أن تقرأ ما تيسر قبل الشروع في قراءة وردك، حتى يطهر قلبك .. وعليك أن تقرأ الورد حال صفاء ذهنك، بعد الفجر أو في الأسحار ..
      فقراءة النهار ليس لها تأثير قراءة الليل {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدّ وَطئًا وَأَقوَم قِيلًا}[المزمل: 6] .. حتى تتواصل مع الله وتنهل من هذا المعين الصافي.
      وحتى تحسن التداوي بالقرآن، لابد أولاً أن تعظم القرآن في قلبك وهذا يكون عن طريق معرفة فضله ..

        وفضـل القـرآن هو ..
      1) طريقك الي محبة الرحمن .. قال "من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف" [حسنه الألباني، صحيح الجامع (6289)]
      2) يحفظك من الفتن .. إن كنت تخشى فتن الشهوات والشبهات الكثيرة في زماننا، فإنك بحاجة إلى حفظ ورعاية الرحمن .. وهذا نصيب أهل القرآن الذين لهم حفظ وعناية خاصة، كما قال النبي "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"[رواه النسائي وصححه الألباني]
      3) طريقك إلى التميز .. إن كنت تريد أن تكون متميزًا وتصير من خير الناس، عليك بالقرآن .. قال رسول الله "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"[صحيح البخاري]
      4) الرفعة والعز بالقرآن .. إذا أردت أن تكون لك العزة وأن تسير مرفوع الرأس في زمن الذل والصغار والهوان، فعليك بالقرآن .. قال "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين"[رواه مسلم ]
      يرفع من قرأه فأحسن، وتدبره فأمعن، وعمل بما فيه .. أما من أعرض عنه {.. فَإِنَّ لَه مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشره يَومَ القِيَامَةِ أَعمَى}[طه: 124].. كما كان أعمى البصر والبصيرة في حياته يكون كذلك يوم القيامة .
      5) طريقك إلى الصلة بالله تعالى .. يا مقطوع هذا طريق الوصال مع الله تعالى، قال رسول الله "أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا"[رواه البزار وصححه الألباني]
      6) طريقك إلى قناطير من الحسنات .. فقناطير من الحسنات في إنتظارك إذا ما أنت عظمت القرآن وأحببته، النبي يقول "اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه أما إني لا أقول { ألم } حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر فتلك ثلاثون"[صحيح الجامع (1164)]
      وليس هذا فقط، بل إن الله سبحانه وتعالى يعطي معلم القرآن ثواب كل حرف من القرآن يقرأه مَن علمه .. يقول "من علم آية من كتاب الله عز وجل كان له ثوابها ما تليت"[السلسلة الصحيحة (1335)]
      7) يُنجيك من هوّل الموقف يوم القيامة .. لو تدري أي عز وكرامة يصيبان قاريء القرآن في هوّل الموقف يوم القيامة، والله ما توانيت لحظة عن الاستمساك بهذا الكتاب العزيز .. رسول الله قال "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزداد بكل آية حسنة" [رواه الترمذي وحسنه الألباني]
      لذلك قال ابن الجوزي "من يسمع هذا الحديث ولا تهفو نفسه لحفظ القرآن فهو مطرود"
      😎 يشفع لك في هذا اليوم العصيب .. النبي قال"القرآن شافع مشفع وماحل مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار" [رواه ابن حبان وصححه الألباني] .. وماحل أي ساعي يسعى حتى يُدخلك الجنة، فمن أتبعه وعمل بما فيه فهو شافع له مقبول الشفاعة فيه ومن ترك العمل به ساقه إلى النار.
      9) من أعظم أسباب الوقاية من النار .. أن يمنّ الله عليك بحفظ القرآن، قال النبي "لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار"[حسنه الألباني، صحيح الجامع (5282)] .. والإهاب هو الجلد، فلو جُعل القرآن في جسد ثم أُلقي هذا الجسد في النار ما مسته.

      لذا أهم مشروع في حياتك منذ هذه اللحظة هو حفظ القرآن وتلاوته وتدبره والتعايش معه ..
      ها قد دُللت على طريق الشفاء، فأقبل على القرآن لتكون في المنزلة العظمى عند الله تعالى كما قال "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" [متفق عليه]
      نسأل الله أن يمنّ علينا بحفظ كتابه، وقراءته آناء الليل وأطراف النهار؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه،،

      تزكية النفس للشيخ هانى حلمى
      أعظم أدوية القلوب
      الكلم الطيب


    • يقين العبد أن الإصرار على المعاصي يؤدي إلى سوء الخاتمة
      قال أبو محمد الإشبيلي رحمه الله : واعلم أنَّ سوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- أسباباً, ولها طرقاً وأبواباً, أعظمها : الاكباب على الدنيا, والإعراض عن الأخرى, والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل, ولقد بكى سفيان الثوري ليلة حتى الصباح, فلما أصبح قيل له : كلُّ هذا خوفاً من الذنوب ؟ فأخذ تبنةً من الأرض, وقال : الذنوب أهون من هذا, وإنما أبكى من خوف الخاتمة....وهذا من أعظم الفقه : أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت, فتحول بينه وبين الخاتمة بالحسنى, وقال: واعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره, وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به, ولله الحمد وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة, أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم, أو لمن كان مستقيماً ثم تغيرت حاله وخرج عن سنته, وأخذ في طريق غير طريقه فيكون عمله ذلك سبباً لسوء خاتمته وسوء عاقبته

      وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: من مات مصراً على المعصية فيخاف عليه فربما إذا عاين علامات الآخرة استفزه الشيطان وغلبه على قلبه حتى يموت على التبديل والتغير
      وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله : مات كثير من المصرين على المعاصي على أقبح أحوالهم...وكثيراً ما يقع هذا للمصرين على الخمر المدنين لشربها.
      وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله :إن أكلة الرِّبا مُجرب لهم سوء الخاتمة,وقال الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله : فالغالب أن من تعاطي الربا لا يختم له بخير, في الغالب أنه يموت على شر, لأن دمه ولحمه نبت على سُحت, فحريّ ألا يوفق ولا يُختم له بخيرٍ, وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : والمعاملة بالربا أيضاً من أسباب سوء الخاتمة
      وقال ابن رجب رحمه الله خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنه للعبد لا يطلع عليها الناس من جهة عمل سيئ..فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت.
      وقال العلامة ابن القيم رحمه الله : كيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره, واتبع هواه, وكان أمره فرطاً ؟ فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى غافل عنه متعبد لهواه أسير لشهواته, ولسان يابس من ذكره, وجوارح معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته, أن توفق للخاتمة الحسنى, ولقد قطع خوف سوء الخاتمة ظهور المتقين.
      وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : كثير من الناس يحرص ألا يخطئ في العمل الظاهر, وقلبه مليء بالحقد على المسلمين, وعلمائهم, وعلى أهل الخير, وهذا يُختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله, لأن القلب إذا كان فيه سريرة خبيثة فإنها تهوى بصاحبه في مكان سحيق...وأيضاً من أسباب سوء الخاتمة محبة الكفار, لأنها سريرة خبيثة, بل الواجب على المسلم محبة المسلمين وموالاتهم وكراهية الكفار ومعاداتهم, فإذا كان الأمر بالعكس عند أحد الناس فذلك أمر خطير يخشى على صاحبه أن يختم له بسوء الخاتمة.  


      يقين العبد أن الذنب إذا كان فيه تعد على الآخرين فالغالب أن العقوبة تتعجل

      عن أبي بكرة رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال : (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) [أخرجه أبو داود]

      قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : الذنب إذا كان فيه تعدٍّ على العباد, فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين, عقوبة الدنيا والآخرة, عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه, ولا شك أن الإنسان إذا اعتدي عليك ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله سبحانه وتعالى اقتصَّ لك منه, وقال ابن القيم رحمه الله : من ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة رحم.
    • لفظ (الخوف) في القرآن الكريم

      (الخوف) حالة نفسية وجسدية تنتاب الإنسان عند توقع مكروه لدليل مظنون، أو معلوم، ويضاده الأمن، ويستعمل في الأمور الدنيوية والأخروية.

      و(الخوف) من الله أجلُّ منازل العابدين، وكل واحد إذا خفته هربت منه إلا الله، فإنك إذا خفته هربت إليه. و(الخوف) من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد ونحوه، بل إنما يراد به الكف عن المعاصي واختيار الطاعات؛ ولذلك قيل: لا يُعَدُّ خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه ومحارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.

      ولفظ (الخوف) تردد في القرآن الكريم بكثرة، ونحاول فيما يلي التعرف على دلالته في القرآن، ونستبين المعاني التي ورد عليها، بادئين ببيان معناه اللغوي.

      (الخوف) من حيث الأصل اللغوي يدل على الذعر والفزع؛ يقال: خفت الشيء خوفاً، وخيفة، ومخافة: إذا توقع حلول مكروه، أو فوت محبوب. ويقال: خافه على كذا، وخاف منه، وخاف عليه، فهو خائف. ويقال: تخوَّف الشيء: تنقَّصَه. وتخوَّف فلاناً حقه: تنقَّصَه حقه.


      ولفظ (الخوف) ورد في القرآن الكريم في أربعة وعشرين ومائة موضع (124)
      جاء في سبعة وثمانين منها (87) بصيغة الفعل، من ذلك قوله عز وجل: {إني أخاف الله رب العالمين} (المائدة:28)، وجاء في سبعة وثلاثين موضعاً (37) بصيغة الاسم، من ذلك قوله تعالى: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} (البقرة:38).

      وقُرِنَ (الخوف) في مواضع كثيرة في القرآن بـ (لا) الناهية، وبـ (لا) النافية، فمثال الأول قوله عز وجل: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} (القصص:25)، ومثال الثاني قوله سبحانه: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} (طه:112).


      ولفظ (الخوف) ورد في القرآن الكريم على سبعة معان:

      الأول: بمعنى الخوف من العدو، ومنه قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف} (البقرة:155)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني خوف العدو. نظيره قوله تبارك وتعالى: {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} (قريش:4)، قال مجاهد: آمنهم من كل عدو في حرمهم.

      الثاني: بمعنى الحرب والقتال، ومنه قوله سبحانه: {فإذا جاء الخوف} (الأحزاب:19)، أي: إذا حضر البأس، وجاء القتال خافوا الهلاك والقتل. نظيره في الآية نفسها قوله تعالى: {فإذا ذهب الخوف} (الأحزاب:19)، أي: إذا انقطعت الحرب واطمأنوا، سلطوا ألسنتهم عليكم. قال ابن عاشور: ولا يُعرف إطلاق (الخوف) على (الحرب) قبل القرآن.

      الثالث: بمعنى القتل والهزيمة، ومنه قوله عز وجل: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} (النساء:83)، ذكر البغوي أن {الخوف} في هذه الآية بمعنى: القتل أو الهزيمة. وقال الطبري: تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم.

      الرابع: بمعنى العلم والدراية، وهذا كثير، منه قوله عز وجل: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} (البقرة:182)، قال البغوي: أي: عَلِمَ من موص. ومثله قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} (النساء:128)، قال الطبري: علمت من زوجها استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها.

      الخامس: بمعنى الظن، ومنه قوله عز وجل: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} (البقرة:229)، أي: يظنا. وفي قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه: (إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله). نظيره قوله سبحانه: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} (البقرة:229)، أي: ظننتم. قال الطبري: "العرب قد تضع (الظن) موضع (الخوف)، و(الخوف) موضع (الظن) في كلامها؛ لتقارب معنييهما.

      السادس: بمعنى الخوف نفسه، ومنه قوله تعالى: {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (آل عمران:170)، قال الطبري : لا خوف عليهم؛ لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا. نظيره قوله عز وجل: {ألا تخافوا ولا تحزنوا} (فصلت:30)، أي: لا تخافوا ما تقدمون عليه من بعد مماتكم، قال السدي: لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما بعدكم. وقال مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من دنياكم من أهل وولد؛ فإنا نخلفكم في ذلك كله. والأمثلة القرآنية بحسب هذا المعنى كثيرة.

      السابع: بمعنى النقص، ومنه قوله سبحانه: {أو يأخذهم على تخوف} (النحل:47)، قال مجاهد: على تنقص، أي: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء، حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوفه الدهر وتخونه: إذا نقصه، وأخذ ماله وحشمه. ويقال: هذا لغة بني هزيل. وفي الآية معنى آخر ذكره ابن كثير، وهو أن يأخذهم الله في حال خوفهم من أَخْذِه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يُتوقع مع الخوف شديد. ولم يأت (الخوف) في القرآن بحسب هذا المعنى إلا في الآية التي ذكرناها.

      وحاصل القول: إن لفظ (الخوف) جاء في القرآن الكريم على عدة معان، أهمها معنى (الحرب)، و(العدو)، و(العلم)، و(الظن)، وأكثر ما جاء بمعنى (الخوف) نفسه، وهو الحالة النفسية التي تنتاب الإنسان جراء توقع ما يَرِدُ من المكروه، أو يفوت من المحبوب.



      اسلام ويب
       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183093
    • إجمالي المشاركات
      2538328
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×