اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58774
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180868
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260004
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8466
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53231
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29728
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32395
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38751 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 285 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • صُوَرُ الغِيبةِ الغِيبةُ تكونُ في جميعِ الصِّفاتِ الخِلْقيَّةِ والخُلُقيَّةِ، وفي جميعِ أمورِ الدُّنيا والدِّينِ.

      قال ابنُ عُثَيمين عن الغِيبةِ هي: (ذِكرُك أخاك بما يَكرَهُ، سواءٌ كان ذلك في خِلقتِه أو خُلُقِه، أو في أحوالِه، أو في عَقلِه، أو في ذَكائِه، أو في غيرِ ذلك) .

      وقال الغَزاليُّ: (حَدُّ الغِيبةِ: أن تَذكُرَ أخاك بما يَكرَهُه لو بلَغَه، سواءٌ ذكَرْتَه بنَقصٍ في بدَنِه، أو نَسَبِه، أو في خُلُقِه، أو في فِعلِه، أو في قَولِه، أو في دينِه، أو في دُنياه... حتَّى في ثوِبه، ودارِه، ودابَّتِه.
      أمَّا البَدَنُ: فذِكرُك العَمَشَ، والحَوَلَ، والقَرَعَ، والقِصَرَ، والطُّولَ، والسَّوادَ، والصُّفرةَ، وجميعَ ما يُتصوَّرُ أن يوصَفَ به ممَّا يَكرَهُه، كيفما كان.

      وأمَّا النَّسَبُ: فبأن تقولَ: أبوه فاسِقٌ، أو خسيسٌ، أو إسكافٌ، أو زَبَّالٌ، أو شيءٌ ممَّا يكرَهُه، كيفما كان.

      وأمَّا الخُلُقُ: فبأن تقولَ: هو سَيِّئُ الخُلُقِ، بخيلٌ، مُتكَبِّرٌ، مُراءٍ، شديدُ الغَضَبِ، جَبانٌ، عاجِزٌ، ضعيفُ القَلبِ، متهَوِّرٌ... وما يجري مجراه.
      وأمَّا في أفعالِه المتعَلِّقةِ بالدِّينِ: فكقولِك: هو سارِقٌ، أو كذَّابٌ، أو شارِبُ خمرٍ، أو خائنٌ، أو ظالمٌ، أو مُتهاوِنٌ بالصَّلاةِ أو الزَّكاةِ، أو لا يُحسِنُ الرُّكوعَ أو السُّجودَ، أو لا يُحسِنُ قِسمَتَها، أو لا يَحرُسُ صَومَه عن الرَّفَثِ والغِيبةِ والتَّعرُّضِ لأعراضِ النَّاسِ.

      وأمَّا فِعلُه المتعَلِّقُ بالدُّنيا: فكقولِك: إنَّه قليلُ الأدَبِ، متهاوِنٌ بالنَّاسِ، أو لا يرى لأحَدٍ على نفسِه حَقًّا، أو يرى لنَفسِه الحَقَّ على النَّاسِ، أو أنَّه كثيرُ الكلامِ، كثيرُ الأكلِ، نَؤومٌ، ينامُ في غيرِ وَقتِ النَّومِ، ويجلِسُ في غيرِ مَوضِعِه.

      وأمَّا ثوبُه: فكقَولِك: إنَّه واسِعُ الكُمِّ، طويلُ الذَّيلِ، وَسِخُ الثِّيابِ.
      وقال قومٌ: لا غِيبةَ في الدِّينِ؛ لأنَّه ذمُّ ما ذمَّه اللهُ تعالى، فذِكرُه بالمعاصي وذَمُّه بها يجوزُ، بدليلِ ما رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذُكِرَت له امرأةٌ وكثرةُ صلاحِها وصَومِها، ولكِنَّها تؤذي جيرانَها بلسانِها، فقال: ((هي في النَّار)) ) .

      من صُوَرِ الغِيبةِ التي يَغفُلُ عنها كثيرٌ من النَّاسِ:

      1- الإصغاءُ للغِيبةِ من بابِ التَّعجُّبِ مِن فِعلِ الذي اغتيبَ.

      2- ذِكرُ حالِ الذي اغتيبَ، وإظهارُ التَّألُّمِ والاستياءِ لحالِه، والدُّعاءُ له أمامَ الآخَرينَ.
      قال أبو حامدٍ الغَزاليُّ: (وإيَّاك وغِيبةَ القُرَّاءِ المُرائين، وهو أن تُفهِمَ المقصودَ من غيرِ تصريحٍ، فتقولَ: أصلَحَه اللهُ؛ فقد ساءني وغَمَّني ما جرى عليه، فنسألُ اللهَ تعالى أن يُصلِحَنا وإيَّاه! فإنَّ هذا جمعٌ بَيْنَ خبيثينِ؛ أحَدُهما: الغِيبةُ إذا حصل به التَّفهُّمُ، والآخَرُ: تزكيةُ النَّفس ِوالثَّناءُ عليها بالتَّجريحِ لغَيرِك والصَّلاحِ لنَفسِك. ولكِنْ إن كان مقصودُك من قولِك: «أصلحه اللهُ» الدُّعاءَ، فادْعُ له في السِّرِّ، وإن اغتمَمْتَ بسَبَبِه فعلامتُه أنَّك لا تريدُ فضيحتَه وإظهارَ عَيبِه، وفي إظهارِك الغَمَّ بعَيبِه إظهارُ تَعييبِه!) .

      3- أن يقولَ المُستَمِعُ للمُغتابِ: اسكُتْ، لكِنَّ المستَمِعَ لم يُنكِرْ ذلك في قَلبِه، وإنَّما هو مُشتَهٍ بذلك؛ فهذا قد وَقَع في الغِيبةِ ما لم يَكرَهْه بقَلْبِه.

      4- أن يَذكُرَ الإنسانُ شخصًا ما ويمدَحَه، ويذكُرَ اهتمامَه والتِزامَه بالدِّينِ، ثمَّ يقولَ: لكِنَّه ابتُلِيَ بما ابتُلينا به كلُّنا من تقصيرٍ وفتورٍ في بعضِ العباداتِ، وهو بهذا يستنقِصُ مِن قَدْرِ الذي اغتِيبَ، وبذلك وقَع في الغِيبةِ.

      5- أن يَتكَلَّمَ الإنسانُ بألفاظٍ أو أسلوبٍ يُحاكي فيه الآخَرين، بقَصدِ غِيبتِهم.

      6- التَّشبُّهُ بالآخَرين في مِشيتِهم بغَرَضِ السُّخريَّةِ منهم، كأن يمشيَ مُتعَرِّجًا، أو يُغمِضَ إحدَى عينَيه محاكاةً للأعوَرِ، وغيرِها من الحَركاتِ التي توحي بالسُّخريَّةِ.

      7- أن يغتابَ الرَّجُلُ أخاه، وإذا أُنكِرَ عليه قال: أنا على استعدادٍ للقَولِ أمامَه! ويُرَدُّ على هذا بردودٍ؛ منها:
      أ- أنَّك ذكَرْتَه مِن خَلْفِه بما يَكرَهُ بما فيه، وهذه هي الغِيبةُ.
      ب- استِعدادُك للحديثِ أمامَه أمرٌ آخَرُ مُستَقِلٌّ، لم يَرِدْ فيه دليلٌ على أنَّه يسوغُ لك أن تذكُرَ أخاك مِن خَلْفِه بما يَكرَهُ.

      8- قولُ القائِلِ في جماعةٍ من النَّاسِ عِندَ ذِكرِ شَخصٍ ما: نعوذُ باللهِ من قِلَّةِ الحياءِ، أو نعوذُ باللهِ من الضَّلالِ، أو نحوَ هذا؛ فإنَّه يجمَعُ بَيْنَ ذَمِّ المذكورِ ومَدحِ النَّفسِ.

      9- قولُ القائِلِ: فعَل كذا بعضُ النَّاسِ، أو بعضُ الفُقَهاءِ، أو نحوَ ذلك، إذا كان المخاطَبُ يَفهَمُه بعَينِه؛ لحُصولِ التَّفهيمِ.

      10- قولُ الشَّخصِ: فَعَل كذا الأفنديُّ، أو جَنابُ السَّيِّدُ، ونحوَ ذلك، إن كان يقصِدُ التَّنقيصَ منه.

      11- قولُهم: هذا صغيرٌ تجوزُ غِيبتُه. وأين الدَّليلُ على تجويزِ هذه الغِيبةِ ما دامتِ النُّصوصُ وردت مُطلَقةً؟!

      12- التَّساهُلُ في غِيبةِ العاصي؛ لأنَّ قولَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((الغِيبةُ ذِكْرُك أخاك بما يكرَهُ)) يَشمَلُ المُسلِمَ الطَّائِعَ والعاصيَ.

      13- قولُك: هذا هِنديٌّ، أو مِصريٌّ، أو فِلَسطينيٌّ، أو أُرْدُنِّيٌّ، أو عَجَميٌّ، أو عَرَبيٌّ، أو بَدَويٌّ، أو قُرَويٌّ، أو إسكافٌ، أو نجَّارٌ، أو حدَّادٌ، إن كان ذلك تحقيرًا أو انتقاصًا .
    • مكارم الأخلاق (11) الوفاء

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


      مقدمة:
      - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
      - من مكارم الأخلاق المنشودة "الوفاء"(1): قال تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237). ومدحت العرب الوفي، فقالوا: الحر مَن راعى وداد لحظة وانـتـمى لـمـن أفـاده لفـظة - حاجتنا إلى نشر خُلُق الوفاء، في زمان قلَّ فيه الأوفياء أو ذهبوا، وكثر فيه اللئام وانتشروا(2)، وصار فيه لسان حال الكرماء ومقالهم: أُعَلِّمُه الرمايةَ كُلَّ يَومٍ فلمَّا اشتدَّ ساعِدهُ رَماني وَكَم علَّمتُه نظمَ القوافِي فَلمَّا قالَ قافيةً هجاني أعلمه الفُتُوَّة كلَّ وَقتٍ فلمَّا طَرَّ شارِبُه جَفاني

      (1) مكانة الوفاء والأوفياء:
      - الإسلام يأمر بالوفاء وحفظ المعروف، ورد الجميل، ومقابلة الإحسان بالإحسان، والمكافأة للمعروف بمثله أو بأحسن منه والدعاء لصاحبه: قال -تعالى-: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن:60)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
      - الوفاء هو خلق أصحاب النفوس الكريمة السوية، فالأوفياء لا ينسون المعروف والجميل، ولو كان شيئًا يسيرًا: فهذا كعب بن مالك -رضي الله عنه- لما بُشِّر بتوبة الله -تعالى- عليه انطلق مسرعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- فرحًا بذلك، فقال عن نفسه: "دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ" (متفق عليه).
      - الأوفياء الكرام يزيدهم الإحسان وفاءً واعترافًا بالجميل، وينتظرون الفرصة لرد الجميل وفاء لصاحبه: روى مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: (لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (رواه البخاري). فقد حمى النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أذى المشركين بعد عودته مِن الطائف. (حكاية في الوفاء: الحاجة الريفية التي كانت تريد أن يكون حجها لزوجها المتوفى)(3).
      - بل لا يردون الإساءة لصاحب المعروف، ولو أساء إليهم (الإنسان الكريم أسير الإحسان): عروة بن مسعود -المتحدث عن المشركين يوم الحديبية- يقول لأبي بكر -وقد سبَّه أبو بكر سبًّا شديدًا-: "أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك" (رواه البخاري وغيره).


      (2) ذم الجحود ونكران الجميل:
      - وأما اللئام: فلا يحفظون معروفًا، ولا يشكرون جميلًا، بل لا يزيدهم الإحسان والمعروف إلا تمردًا!
      قال الشاعر: إذا أنتَ أكرمتَ الكريم ملكته وإن أنتَ أكرمت اللئيم تمردا وقالوا: "اتق شر اللئيم إذا أحسنت إليه".
      - اللئام يعرفونك ويتملقونك زمان الانتفاع منك، فإذا زال نسوك أو تنكروا لك: قال الله -تعالى- عن صاحب السجن الذي نسى معروف يوسف -عليه السلام- بمجرد خروجه ومسايرة حياة القصور: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف: 42). (حكاية المدير البترولي الذي تنكرت له زوجته وأولاده بعد المعاش وقد جرَّدوه من كل شيء. انظر الهامش: 4).
      - اللئام يهدمون كل جميل، وينكرون كل معروف، إذا أسأت إليهم: قال -تعالى-: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى? إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى? أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص: 18، 19).


      (3) عاقبة الجحود وعدم الوفاء:
      - مِن عاقبة نكران الجميل (زوال النعم، وحلول النقم، واستحقاق العقاب): ففي حديث الأقرع والأبرص والأعمى أن الملَك قال لمَن أعترف بالجميل: "لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ" (متفق عليه). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) (متفق عليه).
      (4) أعظم مَن يجب علينا الوفاء لهم:
      - مدخل: أعظم مَن يجب علينا الوفاء لهم وحفظ جميلهم ثلاثة: (النبي -صلى الله عليه وسلم-، والوالدان، والمشايخ والعلماء).
      - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (بطاعته واتباع سنته والموت على ذلك): روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد لطلب سعد بن الربيع، وقال: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: كيف تجدك؟ قال: فأتيته وهو في آخر رمق به سبعون ضربة ما بيْن طعنة برمح وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: إني في الأموات، فأبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني السلام، وقل: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وقل: إني أجد ريح الجنة، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله -تعالى- إن خلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-مكروه، وفيكم عين تطرف، ثم لم يبرح أن مات" (السيرة النبوية لابن هشام).
      - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل للوالدين (ببرهما وعدم عقوقهما، والدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما): كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يمشي في الصحراء على دابته، فقابله أعرابي فتوقف ابن عمر ونزل، ووقف معه، وقال: ألستَ فلانَ بن فلان؟ قال: بلى، ثم ألبسه عمامة كانت عليه، وقال له: اشدد به رأسك، ثم أعطاه دابته وقال: اركب هذا، فتعجب أصحاب ابن عمر، وقالوا له: إن هذا مِن الأعراب، وهم يرضون بالقليل، فقال: إن أبا هذا كان ودًّا لعمر، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ) (رواه مسلم).
      - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل للمشايخ والعلماء (باحترامهم وتوقيرهم والدعاء لهم، والحذر مِن الإساءة إليهم): قال أبو حنيفة -رحمه الله-: "ما صليتُ منذ مات شيخي حماد إلا استغفرتُ له مع والدي!". وقال أبو يوسف -رحمه الله-: "إني لأدعو لأبي حنيفة قبْل أَبوي!". وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ما بتُّ منذ ثلاثين سنةً إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له!". وقال الشافعي -رحمه الله-: "الحر مَن راعى وداد لحظة، وانتمى لمَن أفاده لفظة".
      خاتمة: وجوب الوفاء وحفظ الجميل مع كل الناس:
      - بالجملة يجب الوفاء وحفظ الجميل لكل مَن له علينا معروف، والحذر مِن نكران الجميل؛ فإنه خبث في الطبع، وحمق في العقل: قال -تعالى-: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237). وقال بعض العقلاء: "تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر، وأن تكتبوا آلامكم على الرمل؛ فإن رياح المعروف تذهبها!".
      - إن عدم الوفاء ونسيان الفضل دليل على قلة المروءة، ونقص في كمال الرجولة؛ فالسوي لا ينسى المعروف المسدَى إليه؛ لأن مِن صفات الرجولة: الكرم والوفاء، وصون العشرة وحفظها(5). إن الوفـاء عـلى الـكـرام فريضة واللـؤم مــقـرون بذي الـنسيـان وترى الكريم لمن يعاشر حافظًا وتـرى اللـئـيـم مـضيـع الإخوان جعلنا الله وإياكم مِن الأوفياء الشاكرين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
      (1) نعني بالوفاء هنا: حفظ جميل مَن لهم علينا معروف وإحسان، وعدم نسيان فضلهم، بما يأتي التنبيه عليه.
      (2) يحسن الإشارة إلى بعض صور الجحود وعدم الوفاء: (الوالد الذي عقه أولاده وأهملوه بعد الكبر حتى مات وحده في شقته - الوالدة التي وضعها ولدها بدار المسنين ليتخلص من خدمة زوجته لها - الزوج الذي كافئ زوجته التي عاشت معه على المرة والمرة، بطلاقها والزواج من غيرها بعد ما أغناه الله - الشيخ أو المعلِّم الذي بعد ما ربَّى وعلَّم، ناطحه التلميذ وصار له ندًّا - وغيرها كثير يتكرر في اليوم عشرات أو مئات المرات، مع اختلاف الأشخاص والأماكن).
      (3) ملخص الحكاية: كانت لنا دروس في مسجد الفندق قبل أيام المناسك، وجاءت هذه المرأة تسأل وهي متأثرة جدًّا وتبكي، فقالت: يقولون لي لا يصلح حجك عن زوجك المتوفى! فقلت لها: هذا غير صحيح، طالما حججت عن نفسك ظنًّا مني أنها قد سبق لها الحج. فقالت: لا، أنا ما حججت قبل ذلك. فقلت لها: إذًا كلامهم صحيح، فلا بد أن تحجى أولًا عن نفسك ثم إن شاء الله في العام القادم تحجي عن زوجك المتوفى. فإذا بالمرأة تبكي بشدة وتقول: "دا الراجل عاش طول عمره شقيان، وأنا كنت نفسي هو اللي يحج!".
      (4) ملخص الحكاية: كانت لنا دروس في مخيمات منى أيام المناسك، وكنت أتحدث عن بعض الأعمال الصالحة التي يجب علينا الاهتمام بها بعد العودة، وأشرت الى برِّ الوالدين والحذر من العقوق، وذكرت بعض الحكايات من الواقع في ذلك، فإذا برجل من الحضور يبكي متأثرًا، ثم جاءني بعد الدرس وقال: إن عندي حكاية شخصية مؤثرة، لعلها تنفعك في الدعوة. قال: كنت مديرًا بشركة بترولية، ولى راتب كبير جدًّا، وكانت عندي أملاك كثيرة -شقق وسيارات وفيلات، وغيرها-. فلما قاربت سن المعاش بدأت أحوال زوجتي وأولادي تتغير تدريجيًّا، وبطريقة أو بأخرى جعلوني أكتب أملاكي لهم، ولم يبقَ لي إلا شقة الزوجية.
      ومرت شهور قليلة وخرجتُ على المعاش، وصار دخلي الشهري مبلغ قليل جدًّا بالنسبة لراتبي كالمعتاد، وبدأت الزوجة والأولاد يظهرون النفرة مني ومن كل شيء يتعلق بي، ثم تطورت الأمور إلى التصريح بالرفض التام للبقاء معهم، وأصرت الزوجة على الطلاق، والأولاد يؤيدونها، وتم الطلاق والفراق منهم لي جميعًا، ولم يتركوا لي شيئًا إلا شقة الزوجية، ودارت الأيام وأنا أعيش وحيدًا، فتزوجت امرأة أخرى صالحة رضيتْ بكل ظروفي، وبعدها بشهور قليلة إذ بالشركة البترولية يعينوني مستشارًا براتب كبير والحمد لله رب العالمين، وها أنا أصطحب تلك الزوجة الجديدة معي، فهي في الخيمة المجاورة، ولله الحمد والنعمة.
      (5) حكاية طريفة في الوفاء: كان لرجل شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان إذا مرَّ به صديق له اقتطف عنقودًا ودعاه فيأكله وينصرف شاكرًا، فلما كان يوم، قالت امرأته: "ما هذا مِن أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوت أخاك، فأكل، فمددت يدك معه مشاركًا؛ إيناسًا له وتبسطًا، وإكرامًا، فلما كان الغد؛ وانتصف الضيف في أكله؛ مد الرجل يده وتناول حبة، فوجدها حامضة لا تساغ، فتفلها وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه مِن صبر ضيفه على أكل أمثالها، فقال الضيف: قد أكلتُ مِن يدك مِن قبْل على مرِّ الأيام حلوًا كثيرًا، ولم أحب أن أريك مِن نفسي كراهة لهذا، تشوب في نفسك عطاءك السالف!".
         
    • بلاغة الآيات: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ   - أقسَمَ اللهُ تعالَى بالعَصْرِ قَسَمًا يُرادُ به تَأكيدُ الخبَرِ، كما هو شَأنُ أقسامِ القرآنِ الكريمِ، والمُقسَمُ به مِن مَظاهرِ بَديعِ التَّكوينِ الرَّبَّانيِّ الدَّالِّ على عَظيمِ قُدرتِه وسَعةِ عِلمِه، وأيًّا ما كان المرادُ منه هنا؛ فإنَّ القسَمَ به باعتبارِ أنَّه زمَنٌ يُذكِّرُ بعَظيمِ قُدرةِ اللهِ تعالَى في خلْقِ العالَمِ وأحوالِه، وبأُمورٍ عَظيمةٍ مُبارَكةِ، مِثل الصَّلاةِ المَخصوصةِ، أو عصْرٍ مُعيَّنٍ مُبارَكٍ؛ فقيل: أقسَمَ بصَلاةِ العصْرِ؛ لفَضْلِها، ولأنَّ التَّكليفَ في أدائِها أشقُّ؛ لتَهافُتِ النَّاسِ في تِجاراتِهم ومَكاسِبِهم آخِرَ النَّهارِ، واشتِغالِهم بمَعايِشِهم. أو أقسَمَ بالعَشيِّ كما أقسَمَ بالضُّحى؛ لِما فيهما جَميعًا مِن دَلائلِ القُدرةِ. أو أقسَمَ بالزَّمانِ؛ لِيُذَكِّرَ بما فيه مِن النِّعَمِ وأضْدادِها لتَنبيهِ الإنسانِ على أنَّه مُستعِدٌّ للخُسرانِ والسَّعادةِ، والتَّعريضِ بنَفْيِ ما يُضافُ إلى الزَّمانِ مِن الخُسرانِ؛ لأنَّ النَّاسَ تُضيفُ كلَّ شَيءٍ له، ووجهُ نفيِه عنه أنَّ اللهَ لَمَّا أقسَمَ به وعظَّمَه، عُلِم أنَّه لا خُسرانَ له، ولا دخْلَ له فيه، وإضافتُه للإنسانِ تُشعِرُ بأنَّه صِفةٌ له لا للزَّمانِ .   - التَّعريفُ في الْإِنْسَانَ للجِنسِ؛ ولذلك استثنى منه الَّذين آمَنوا، فهو استثناءٌ متَّصِلٌ .   - والظَّرفيَّةُ في قولِه: لَفِي خُسْرٍ أفادتْ تَشبيهَ مُلازَمةِ الخُسرِ بإحاطةِ الظَّرفِ بالمَظروفِ، فكانت أبلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنسانَ لَخاسرٌ .   - وتَنكيرُ خُسْرٍ قيل: للتَّعظيمِ، أي: في خُسرٍ عظيمٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ للتَّنويعِ، أيْ: نوعٍ مِن الخُسرِ غيرِ ما يَعرِفُه الإنسانُ .   - ومَجيءُ هذا الخبَرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ على العُمومِ، مع تَأكيدِه بالقسَمِ، وحرْفِ التَّوكيدِ في جَوابِه؛ يُفيدُ التَّهويلَ والإنذارَ بالحالةِ المُحيطةِ بمُعظَمِ النَّاسِ .
      فقَرَن الله تعالى بهذه الآيةِ قرائِنَ تدُلُّ على مُبالَغتِه تعالى في بيانِ كَونِ الإنسانِ    في خُسرٍ:
      أحَدُها: قَولُه: لَفِي خُسْرٍ يفيدُ أنَّه كالمغمورِ في الخُسرانِ، وأنَّه أحاط به مِن كُلِّ جانبٍ.
      وثانيها: كَلِمةُ (إنَّ)؛ فإنَّها للتَّأكيدِ.
      وثالثُها: حرفُ اللَّامِ في لَفِي خُسْرٍ .   - وأعقَبَ بالاستثناءِ بقولِه: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا الآيةَ، فيَتقرَّرُ الحُكْمُ تامًّا في نفْسِ السَّامعِ مُبيِّنًا أنَّ النَّاسَ فَريقانِ: فريقٌ يَلحَقُه الخُسرانُ، وفَريقٌ لا يَلحَقُه شَيءٌ منه   - وقدْ أفاد استثناءُ المُتَّصِفينَ بمَضمونِ الصِّلةِ ومَعطوفِها إيماءً إلى عِلَّةِ حُكمِ الاستثناءِ، وهو نَقيضُ الحُكمِ الثَّابتِ للمُسْتثنى منه؛ فإنَّهم لَيسوا في خُسرٍ مِن أجْلِ أنَّهم آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ .   - والتَّعريفُ في قولِه: الصَّالِحَاتِ تَعريفُ الجِنسِ مُرادٌ به الاستِغراقُ، أي: عَمِلوا جَميعَ الأعمالِ الصَّالحةِ الَّتي أُمِروا بعَمَلِها بأمْرِ الدِّينِ، وعَمَلُ الصَّالحاتِ يَشملُ تَرْكَ السَّيِّئاتِ .   - وعُطِفَ على عمَلِ الصَّالحاتِ التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبرِ وإنْ كان ذلك مِن عمَلِ الصَّالحاتِ، عَطْفَ الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتِمامِ به؛ لأنَّه قد يُغفَلُ عنه، يُظَنُّ أنَّ العمَلَ الصَّالحَ هو ما أثَرُه عمَلُ المَرءِ في خاصَّتِه، فوَقَعَ التَّنبيهُ على أنَّ مِن العمَلِ المأمورِ به إرشادَ المسلمِ غَيرَه ودَعوتَه إلى الحقِّ، فالتَّواصي بالحقِّ يَشملُ تَعليمَ حَقائقِ الهدْيِ وعَقائدِ الصَّوابِ، وإراضةَ النَّفْسِ على فَهْمِها بفِعلِ المعروفِ وتَرْكِ المُنكَرِ، والتَّواصي بالصَّبرِ عطْفٌ على التَّواصي بالحقِّ عطْفَ الخاصِّ على العامِّ أيضًا، وإنْ كان خُصوصُه خُصوصًا مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ الصَّبرَ تَحمُّلُ مَشقَّةِ إقامةِ الحقِّ، وما يَعترِضُ المُسلمَ مِن أذًى في نفْسِه في إقامةِ بَعضِ الحقِّ .
      فتَخصيصُ هَذا التَّواصِي بالذِّكرِ مع انْدراجِه تحتَ التَّواصِي بالحقِّ؛ لإبرازِ كَمالِ الاعتناءِ بهِ، وللمُبالَغةِ؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الخاصَّ -لكَمالِه- بَلَغَ إلى مَرتبةٍ خَرَجَ بها عن الاندراجِ تحتَ العامِّ على ما عُرِفَ في أمثالِه. أو لأنَّ الأوَّلَ عبارةٌ عن رُتبةِ العِبادةِ الَّتي هيَ فِعلُ ما يَرضَى به اللهُ تعالَى، والثَّانيَ عبارةٌ عن رُتبةِ العُبوديَّةِ الَّتي هي الرِّضا بما فَعَلَ اللهُ تعالَى؛ فإنَّ المُرادَ بالصَّبرِ ليسَ مُجرَّدَ حَبْسِ النَّفْسِ عمَّا تَتشوَّقُ إليهِ مِن فِعلٍ وتَرْكٍ، بلْ هو تَلقِّي ما ورَدَ منه تعالَى بالجَميلِ والرِّضا به ظاهرًا وباطنًا .   - وفي قولِه: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ كُرِّرَ فِعلُ التَّواصِي؛ لاختِلافِ المفعولَينِ، وهما بِالْحَقِّ وبِالصَّبْرِ . - ولعلَّه سُبحانه وتعالَى إنَّما ذَكَرَ سَببَ الرِّبحِ دونَ الخُسرانِ؛ اكتِفاءً ببَيانِ المَقصودِ، وإشعارًا بأنَّ ما عدَا ما عُدَّ يُؤدِّي إلى خُسرٍ ونقْصِ حظٍّ، أو تَكرُّمًا؛ فإنَّ الإبهامَ في جانبِ الخُسرِ كَرَمٌ   الدرر السنية  
    • رأيت الخلق كلهم في صف محاربة، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى، ويضربونهم بأسياف اللذة. فأما المخلطون فصرعى من أول وقت اللقاء. وأما المتقون ففي جهد جهيد من المجاهدة، فلا بد مع طول الوقوف في المحاربة من جراح، فهم يجرحون ويداوون إلا أنهم من القتل محفوظون، بلى ! إن الجراحة في الوجه شين باق، فليحذر ذلك المجاهدون.


      الدنيا فخ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقي فهو يصابر المجاعة، ويدور حول الحب، والسلامة بعيدة. فكم من صابر اجتهد سنين ثم في آخر الأمر وقع. فالحذر الحذر. فقد رأينا من كان على سنن الصواب، ثم زل على شفير القبر.


      اعلموا إخواني ومن يقبل نصيحتي. أن للذنوب تأثيرات قبيحة، مرارتها تزيد. على حلاوتها أضعافاً مضاعفة. والمجازي بالمرصاد لا يسبقه شيء ولا يفوته.


      من العجب إلحاحك في طلب أغراضك وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك. وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين، إما لمصلحتك فربما معجل أذى، وإما لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة. فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي. وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟.


      وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقاً به. وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه. وفي الجملة تدبير الحق عز وجل لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلو صبرك. فأره الصبر الجميل تر عن قرب ما يسر.


      يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً. ولا يغترر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا: يعمّر واحدٌ فيغرّ قوماً... وينسى من يموت من الشباب


      ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل. وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. ولا تمس حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقاً فارقعه باستغفار.


      فإن النفس كالفرس المتشيطن إن أهملت لجامه لم تأمن أن يرمي بك. وقد والله دنستك أهواؤك، وضيعت عمرك. فالبدار البدار في الصيانة، قبل تلف الباقي بالصبابة. فكم تعرقل في فخ الهوى جناح حازم، وكم وقع في بئر بوار مخمور. ولا حول ولا قوة إلا بالله.


      إخواني: اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر. إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم. ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق. وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته. ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته - مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم - فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير


      أيها المذنب: إذا أحسست نفحات الجزاء فلا تكثرن الضجيج، ولا تقولن قد تبت وندمت، فهلا زال عني من الجزاء ما أكره ! فلعل توبتك ما تحققت. وإن للمجازاة زماناً يمتد امتداد المرض الطويل. فلا تنجع فيه الحيل حتى ينقضي أوانه. وإن بين زمان: وعصى إلى إبان: فتلقى مدة مديدة. فاصبر أيها الخاطيء حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس. فإذا عصرته كف الأسى، ثم تكررت دفع الغسلات حكم بالطهارة.


      الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي، فإن نارها تحت الرماد. وربما تأخرت العقوبة ثم فجأت، وربما جاءت مستعجلة، فليبادر بإطفاء ما أوقد من نيران الذنوب، ولا ماء يطفىء تلك النار إلا ما كان من عين العين. لعل خصم الجزاء يرضى قبل أن يبت الحاكم في حكمه.


      واعجبا من عارف بالله عز وجل يخالفه ولو في تلف نفسه. هل العيش إلا معه؟ هل الدنيا والآخرة إلا له؟. أف لمترخص في فعل ما يكره لنيل ما يحب. تالله لقد فاته أضعاف ما حصل.

       
    • ثانيًا: الإخلاصُ في الإنفاقِ. يَجِبُ الإخلاصُ عِندَ الإنفاقِ.

      الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ

      1- قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5] .

      2- قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 2 - 3] .

      3- قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: 11 - 14] .

      4- قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2] .
      قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ في قَولِه تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: (أخلَصُه وأصوَبُه؛ فإنَّ العَمَلَ إذا كان خالصًا ولَم يَكُنْ صَوابًا لَم يُقبَلْ، وإذا كان صَوابًا ولَم يَكُنْ خالصًا لَم يُقبَلْ، حَتَّى يَكونَ خالصًا صَوابًا، والخالِصُ إذا كان للهِ، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّةِ) .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ
      1- عن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الأعمالُ بالنِّيَّةِ، ولكُلِّ امرِئٍ ما نَوى، فمَن كانت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانت هِجرتُه لدُنيا يُصيبُها، أوِ امرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه )) .

      2- عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أرأيتَ رَجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شيءَ له، فأعادها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شَيءَ له، ثم قال: إنَّ اللهَ لا يَقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان له خالِصًا، وابتُغِيَ به وَجهُه )) .

      3- عن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّرَكاءِ عنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَكَ فيه مَعيَ غَيري تَرَكتُه وشِركَه )) .

      4- عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، قال: تَفَرَّق النَّاسُ عن أبي هُرَيرةَ، فقال له ناتِلُ أهلِ الشَّامِ: أيُّها الشَّيخُ، حَدِّثْنا حَديثًا سَمِعتَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: نَعَم، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يَومَ القيامةِ عليه: رَجُلٌ استُشهِدَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حَتَّى استُشهِدْتُ، فقال: كذَبْتَ، ولَكِنَّك قاتَلتَ لأن يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَه، وقَرَأ القُرآنَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وعَلَّمْتُه، وقَرَأتُ فيك القُرآنَ، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك تَعَلَّمتَ العِلمَ ليُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأتَ القُرآنَ ليُقالَ: هو قارِئٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقِيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصنافِ المالِ كُلِّه، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: ما تَرَكتُ من سَبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقْتُ فيها لَك، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك فعَلْتَ ليُقالَ: هو جَوادٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أمِرَ به فسُحِبَ على وَجهِه، ثُمَّ ألقِيَ في النَّارِ )) .

      5- عن محمودِ بنِ لَبيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصغَرُ. قالوا: وما الشِّركُ الأصغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ، يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ لهم يومَ القيامةِ إذا جُزِيَ النَّاسُ بأعمالِهم: اذهَبوا إلى الذين كنتُم تراؤون في الدُّنيا، فانظروا هل تجِدون عندَهم جزاءً )).

      6- عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بالسَّناءِ ، والنَّصرِ، والتَّمكينِ، فمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرةِ للدُّنيا لم يَكُنْ له في الآخِرةِ نَصيبٌ )).

      وفي لَفظٍ: ((بَشِّرْ أُمَّتي بالسَّناءِ والرِّفعةِ والتَّمكينِ في البلادِ ما لم يَطلُبوا الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ، فمَن طَلبَ الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ لم يَكُنْ له في الآخِرةِ مِن نَصيبٍ)).
        ثالثًا: الاحتِسابُ. مِن أدَبِ الإنفاقِ: أن يَحتَسِبَ المُسلمُ نَفقَتَه ؛ ليَنالَ أجرَها.

      الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:

      1- عن عَمرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: مَرَّ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ- بمِرطٍ فاستَغلاه، فمُرَّ به على عَمرِو بنِ أُميَّةَ فاشتَراه، فكَساه امرَأتَه سُخَيلةَ بنتَ عُبَيدةَ بنِ الحارِثِ بنِ المُطَّلِبِ، فمَرَّ به عُثمانُ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ- فقال: ما فَعَل المِرطُ الذي ابتَعتَ؟ قال عَمرٌو: تَصَدَّقَتُ به على سُخَيلةَ بنتِ عُبَيدةَ. فقال: إنَّ كُلَّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك صَدَقةٌ؟ قال عَمرٌو: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ ذاكَ، فذُكِر ما قال عَمرٌو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((صَدَق عَمرٌو، كُلُّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك فهو صَدَقةٌ عليهم)) .

      2- عن أبي مَسعودٍ البَدريِّ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((إنَّ المُسلمَ إذا أنفقَ على أهلِه نَفقةً وهو يَحتَسِبُها، كانت له صَدَقةً )) .
      قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ المُسلمَ إذا أنفَقَ على أهلِه نَفَقةً يَحتَسِبُها كانت له صَدَقةً» فيه بَيانُ أنَّ المُرادَ بالصَّدَقةِ والنَّفقةِ المُطلَقةِ في باقي الأحاديثِ إذا احتَسَبَها، ومَعناه أرادَ بها وجهَ اللهِ تعالى، فلا يَدخُلُ فيه مَن أنفقَها ذاهلًا، ولكِن يَدخُلُ المُحتَسِبُ، وطَريقُه في الاحتِسابِ: أن يَتَذَكَّرَ أنَّه يَجِبُ عليه الإنفاقُ على الزَّوجةِ وأطفالِ أولادِه والمَملوكِ وغَيرِهم مِمَّن تَجِبُ نَفقَتُه، على حَسَبِ أحوالِهم واختِلافِ العُلَماءِ فيهم، وأنَّ غَيرَهم مِمَّن يُنفِقُ عليه مَندوبٌ إلى الإنفاقِ عليهم، فيُنفِقُ بنيَّةِ أداءِ ما أُمِر به، وقد أُمِرَ بالإحسانِ إليهم، واللهُ أعلَمُ) .

      وقال ابنُ تَيميَّةَ: (نَفَقةُ المَرءِ على نَفسِه وعيالِه أفضَلُ مِن نَفقَتِه على مَن لا تَلزَمُه نَفقَتُه؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ، وما تَقرَّب العِبادُ إلى اللهِ بمِثلِ أداءِ ما افتَرَضَ عليهم ...
      ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ يَفعَلونَ ذلك طَبعًا وعادةً لا يَبتَغونَ به وَجهَ اللهِ تعالى، كما يَفعَلونَ في قَضاءِ الدُّيونِ مِن أثمانِ المَبيعاتِ والقُروضِ وغَيرِ ذلك مِنَ المُعاوَضاتِ والحُقوقِ، وهذه كُلُّها واجِباتٌ، فمَن فعَلها ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ كان له عليها مِنَ الأجرِ أعظَمُ مِن أجرِ المُتَصَدِّقِ نافِلةً. لكِن يَتَصَدَّقُ أحَدُهم بالشَّيءِ اليَسيرِ على المِسكينِ وابنِ السَّبيلِ ونَحوِ ذلك لوَجهِ اللهِ تعالى، فيَجِدُ طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ للَّهِ، ويُعطي في هذه أُلوفًا فلا يَجِدُ في ذلك طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ؛ لأنَّه لم يُنفِقْه ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ.
      فمِن هذا الوَجهِ صارَ في عُرفِهم أنَّ هذه النَّفقاتِ التي لا بُدَّ مِنها ليسَت عِبادةً، وقد لا يَستَشعِرونَ إيجابَ الشَّارِعِ لها، وإنَّما يَستَشعِرُ أحَدُهم ما في تَركِه مِنَ المَضرَّةِ العاجِلةِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا مِن جِهةِ الخَلقِ؛ فإنَّهم لا يَترُكونَ حُقوقَهم، فهو يَفعَلُها لرَغبَتِهم ورَهبَتِهم، وللعادةِ التي هو عليها، وقد يَفعَلُها مَحَبَّةً للحَقِّ ورَغبةً فيه مِن غَيرِ أن يَرجوَ أحَدًا ولا يَخافَه، ومِن غَيرِ أن يَفعَلَها تَعبُّدًا. وهذا حَسَنٌ لا بَأسَ به؛ فإنَّ مَن فَعَل الحَسَناتِ لأنَّها حَسَناتٌ نَفَعه ذلك، كَما يَنفعُ الحَيَوانَ أكلُه وشُربُه، لكِن لا يَكونُ عِبادةً للهِ. بخِلافِ مَن لا يَفعَلُه إلَّا خَوفًا مِنَ الخَلقِ؛ فإنَّ هذا مَذمومٌ.
      ولهذا لمَّا قيل للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الرَّجُلُ يُقاتِلُ شُجاعةً ويُقاتِلُ حَميَّةً ويُقاتِلُ ليُريَ مَكانَه، فأيُّ ذلك في سَبيلِ اللهِ؟ فقال: «مَن قاتَل لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هيَ العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ» . وهذا يَكونُ في القِتالِ باليَدِ واللِّسانِ وإنفاقِ المالِ، وذلك كُلُّه يَكونُ جِهادًا، لكِن ما ليسَ في سَبيلِ اللهِ مِنه ما لا يُعاقَبُ عليه المَرءُ، ومِنه ما يُعاقَبُ عليه.
      والمَقصودُ هنا: أنَّ هذه الأُمورَ العاديَّةَ المُباحةَ تُفعَلُ لمَحَبَّةٍ وهَوًى وإرادةٍ، فإن كان ذلك يُستَعانُ بها على عِبادةِ اللهِ كانت طاعةً وعِبادةً، وإن كان ذلك لمُجَرَّدِ العادةِ والطَّبعِ على الوَجهِ الحَقِّ لم يَكُنْ ذلك مَعصيةً ولا إثمًا، وإن لم يَقصِدْ بها صاحِبُها العِبادةَ للَّهِ) رابعًا: أن يَكونَ ما يُنفَقُ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ مِن أدبِ الإنفاقِ: أن يكونَ ما يُنفَقُ حلالًا مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، غيرِ حرامٍ .
      الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ

      قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267] .
      قولُه: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يُستفادُ منه أنَّ المالَ الحرامَ لا يُؤمَرُ بالإنفاقِ منه؛ لأنَّه خبيثٌ. واللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ

      1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] ، ثمَّ ذَكَر الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السَّماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلك؟! )) .

      2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تصَدَّق بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه ، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ )) .
      وفي رِوايةٍ: ((ما تَصدَّقَ أحَدٌ بصَدَقةٍ مِن طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تَكونَ أعظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه أو فصيلَه ) .
      قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هذا الحَديثِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَنا أنَّه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ، وهو سُبحانَه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بالتَّمرةِ، حتَّى إنَّا لو قدَّرنا غَرسَ النَّواةِ -الَّتي هيَ أدنى ما فيها- في أزكى مَغرَسٍ فصارَت نَخلةً، ثُمَّ أثمَرَت، فغُرِسَ النَّوى الخارِجُ مِنها، فصارَ مِن كُلِّ نَواةٍ نَخلةٌ، ثُمَّ اتَّصَل للَّهِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ حُسِبَ ذلك التَّمرُ في وقتِ التَّصَدُّقِ به بأوفرِ الأثمانِ في مَكانٍ لا يوجَدُ فيه غَيرُه، ثُمَّ يُشتَرى بالثَّمَنِ أرخَصَ ما يوجَدُ في مَوضِعِه، ثُمَّ بيعَ أعلى ما يوجَدُ حتَّى يَصيرَ مِثلَ أحُدٍ مِرارًا؛ فهذا مَعنى المُضاعَفةِ .
      وقَولُه: «مِن كَسبٍ طَيِّبٍ»؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما يُثيبُ العَبدَ على ما أنفقَ مِن مالِه، وإذا أنفقَ من مالٍ مَغصوبٍ لم يَكُنْ قد أنفَقَ مالَه، إنَّما أنفَقَ من مالِ غَيرِه؛ فلم يَكُنْ مِنَ المُنفِقينَ أموالَهم، كما قال عَزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فإذا أنفَقَ مِن مالِه فهو الذي يَأجُرُه اللهُ عليه، وذلك هو الكَسبُ الطَّيِّبُ، وهو الذي يَكسِبُه بالشَّرعِ، فقد طابَت طُرُقُ حُصولِه، ويَنبَغي له ألَّا يَزْدَريَ النَّذْرَ مِنَ الإنفاقِ؛ فإنَّه سَيَربو في التَّضعيفِ أضعافَ ما يَأمُلُ المُتَصَدِّقُ به) .
        خامِسًا: الإنفاقُ مِنَ الجَيِّدِ ومِمَّا يُحِبُّ يُستحَبُّ أن يُنفِقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ .

      الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ
      1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267] .
      (يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمِنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ.
      وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا.
      وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها.

      واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه.
      كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) .

      2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: 92] .
      (أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم.
      وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ .
      عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] ، قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ ! ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) .

      3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
       (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) .

      4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8 - 9] .
      وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ

      1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) .

      2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) .
      قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) .

      3- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ
       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182989
    • إجمالي المشاركات
      2537869
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×